Categories
فاجعة "السعادة".. هذه احتياجات غزة من المعدات لإنقاذ الأرواح ورفع الأنقاض
فاجعة "السعادة".. هذه احتياجات غزة من المعدات لإنقاذ الأرواح ورفع الأنقاض
استمعاستمع (11 دقيقة)حفظ
شارِكْ فاجعة “السعادة”.. هذه احتياجات غزة من المعدات لإنقاذ الأرواح على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylinkplay videoplay videoمدة الفيديو 04 دقيقة 22 ثانية play-arrow04:22ياسر البناPublished On 19/9/202619/9/2026|آخر تحديث: 11:53 (توقيت مكة)آخر تحديث: 11:53 (توقيت مكة)غزة- عند الخامسة و40 دقيقة صباح الأربعاء الماضي، بدّد رنين الهاتف هدوء منزل المهندس عادل أبو حماد في مدينة خان يونس بجنوب قطاع غزة. كانت رسالة عاجلة، من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تطلب النفير الفوري بآلياته ومعدات شركته نحو مدينة غزة شمالا، قاطعا مسافة تقارب 25 كيلومترا.
هناك، كان مبنى عمارة السعادة المكون من 7 طبقات قد هوى فجأة، وبشكل كامل على رؤوس عشرات العائلات النازحة التي لجأت إليه بعد أن دُمّرت بيوتها. وصل أبو حماد، وهو ممثل شركة "فريد بارود – كيان للمقاولات" (خاصة) مع طواقمه عند السابعة صباحا ليجد الموقع أشبه بكتلة إسمنتية صامتة تطبق على عشرات الأرواح.
قصص مقترحة
list of 2 items- list 1 of 2مقاطعة فنية وثقافية تتصاعد ضد إسرائيل بسبب الحرب على غزة
- list 2 of 2غزة تحت وطأة النزوح.. احتياجات تتزايد واستجابة إنسانية مقيدة
في ذلك المكان المحاصر بالركام والغبار، شُكّلت "غرفة عمليات مشتركة" مصغرة ميدانيا ضمت طواقم الدفاع المدني، ومهندسين استشاريين، وفرقا من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واللجنة المصرية لإغاثة أهالي غزة.
يصف أبو حماد، في حديث للجزيرة نت، تلك الساعات الحرجة قائلا: "باشرنا العمل على أمل العثور على أحياء، كان العدد بداية يشير إلى 9 شهداء، وبحلول الظهيرة قفز إلى 19، حتى أُغلقت المهمة عصرا بانتشال 21 شهيدا وعدد من المصابين.
غير أن تفاصيل الميدان كشفت عن سلسلة معقدة من العقبات اللوجستية التي خنقت جهود الإنقاذ؛ فأولى المعضلات تمثلت في إغلاق الشوارع المحيطة بالمبنى بأكوام الركام، مما فرض تنظيف المسارات وتأمينها أولا بواسطة كباشات وشاحنات لتتمكن الآليات الأثقل من الدخول والاقتراب من كتلة البناية المنهارة.
وامتد الشلل إلى محدودية أسطول النقل نفسه؛ إذ لم يتوفر في الموقع سوى باقرَين فقط عملا حتى مطلع الفجر.
وبسبب منع تحرك الحفارات الثقيلة على الطرقات مباشرة واحتياجها إلى "كاسحات" خاصة لنقلها، تأخر وصول باقي الآليات لأكثر من ساعتين بعد الفجر، ولم تكتمل المعدات في الموقع إلا بحلول التاسعة صباحا، نظرا لأن قطاع غزة بأكمله لا يمتلك سوى كاسحتين فقط، مع صعوبة بالغة في حركتهما وسط طرقات متهالكة وغير مؤهلة.
إعلانوتفاقمت الأزمة بتراجع الكفاءة الميكانيكية لما هو متوفر؛ فالحفارات واللوادر تعمل تحت تهديد التوقف المفاجئ في أي لحظة نتيجة انعدام زيوت المحركات تماما، وندرة قطع الغيار الأساسية، واضطرار الطواقم للبحث عن بدائل تشغيلية مستحيلة أو التعامل مع أجهزة تعمل بطاقة لا تتعدى ثلث قدرتها الطبيعية وسط أسعار وقود وزيوت خيالية إن وُجدت.
أيدٍ عارية و30 ساعة عمل
تلك الواقعة المأساوية عكست الواقع الصعب الذي تعمل فيه فرق الطوارئ، وهو ما أكده الناطق باسم جهاز الدفاع المدني في غزة، الرائد محمود بصل، إذ قال -للجزيرة نت- إن حادثة عمارة السعادة كلّفت الطواقم أكثر من 30 ساعة عمل متواصلة وشاقة لاستخراج الضحايا، وسط اعتماد شبه كامل على المجهود العضلي والكادر البشري نتيجة غياب المعدات المتخصصة.
واضطر المنقذون -بحسب بصل- لتكسير كتل خرسانية ضخمة بأدوات بدائية وأيدٍ عارية تلامس الجثامين والأشلاء مباشرة في ظل انعدام أدنى مقدرات السلامة والوقاية الشخصية، مما يسبب عبئا نفسيا وجسديا كبيرا. وشدد على أن الدفاع المدني بحاجة ماسة وعاجلة إلى:
- ما لا يقل عن 10 حفارات و30 كباشا و10 جرافات للتعامل المريح والسريع مع انتشال الجثامين من تحت الأنقاض، إذ لا يتوفر حاليا سوى 3 إلى 5 حفارات تابعة لشركات خاصة في عموم القطاع، تضرر معظمها وتهالك أثناء الحرب.
- رافعات وصهاريج مياه ومركبات إطفاء وإنقاذ متطورة.
- أجهزة فحص البصمة الوراثية (دي إن إيه) للتعرف على هويات الضحايا والأشلاء المجهولة.
- بدلات وقاية ومهمات سلامة للطواقم الميدانية، ودعم مالي ورواتب تكفل استمرار المنقذين في أداء واجبهم.
من جهته، حذّر عضو مجلس إدارة اتحاد المقاولين الفلسطينيين في غزة، المهندس عارف أبو عودة، من أن الآليات القليلة المتبقية أوشكت على التوقف النهائي، مؤكدا أن القطاع أصبح عمليا يقترب من نقطة "الصفر" ميكانيكيا.
كما أن الأزمة الحقيقية -بحسبه- لم تعد تقتصر على النقص الحاد في عدد الآليات، بل في انعدام زيوت المحركات، وقطع الغيار، وإطارات الكاوتشوك، لافتا إلى أن العديد من المقاولين توقفوا عن تنفيذ مهامهم بسبب هذه المعوقات.
وحذّر أبو عودة في حديثه للجزيرة نت من أن عدم تدارك الأمر بإدخال الزيوت وقطع الغيار، سيفاجئ الجميع بتوقف كافة المعدات المتبقية عن العمل تماما خلال أيام أو أسبوعين على أبعد تقدير. وشدد على أن غزة تواجه أكثر من 300 ألف وحدة سكنية متضررة، وآلاف المباني المتصدعة الموشكة على السقوط الشبيهة ببرج السعادة.
وأضاف أن دراسات اتحاد المقاولين تؤكد أن إنجاز عمليات الإزالة وإبعاد الخطر بفاعلية خلال عامين يتطلب إدخال أسطول تشغيلي متكامل يضم ما لا يقل عن 100 باقر، و200 إلى 250 كباشا، و400 إلى 500 شاحنة نقل.
العجز الميداني بالأرقام
ترسم رئيسة فريق إعادة إعمار غزة بوزارة الأشغال العامة والإسكان في مدينة رام الله، المهندسة رقية أبو الرُّب، صورة دقيقة لواقع الآليات المتاحة في القطاع وحجم القصور التشغيلي، موضحة أن المعضلة لا تنحصر في الأعداد المجردة فحسب، بل في الشلل شبه التام لمنظومة التشغيل والصيانة.
إعلانوتؤكد رقية -للجزيرة نت- أن آخر تقييم لموارد الآليات الثقيلة المستخدمة في إزالة الركام يُظهر وجود نحو 247 آلية تشغيلية فقط ضمن الفئات الرئيسية، موزعة على النحو الآتي:
- لوادر بعجلات: 74 لودرا عاملا من أصل 116.
- شاحنات قلابة: 143 شاحنة متبقية من أصل 186.
- حفارات جنزيرية وأخرى بعجلات: 12 حفارة جنزير من أصل 24، و18 حفارة إطارات من أصل 36 (تعد أساسية للعمل في المناطق الحضرية).
- منظومة التدوير: 5 كسارات فقط موزعة على 3 مواقع، لا تتجاوز قدرتها الإجمالية 500 طن يوميا.
وتوضح أن الفجوة الأشد خطورة لا تكمن في الجرافات العادية، بل في المعدات التخصصية لأعمال الهدم الدقيق والمباني المرتفعة، والمرفقات الهيدروليكية من مطارق وكماشات وكاسرات، فضلا عن منظومات رش المياه وضبط الغبار.
وتشير المهندسة رقية إلى أن الفجوة الميدانية تتفاقم بسبب عوامل الصيانة والانعدام الكامل للمدخلات، وتلخص ذلك في:
- تراجع الكفاءة بنسبة 55%: انخفضت القدرة التشغيلية للمعدات المتاحة بما يزيد على النصف نتيجة الاستخدام المكثف، وشح زيوت المحركات ومواد التشحيم، وانعدام قطع الغيار الأساسية.
- تهديد بالخروج التام عن الخدمة: غياب الصيانة الوقائية ومحدودية الورش المتخصصة يجعلان الآليات عرضة للتوقف الدائم تباعا، مما يجعل إدخال المعدات عديم الجدوى ما لم يترافق مع منظومة وقود وزيوت وقطع غيار مستدامة.
وتفتح ملف المباني المتصدعة بوصفه خطرا داهما يسبق خطط الإعمار، وتفصله في نقاط محددة:
- أكثر من 3000 مبنى موشك على السقوط: تم حصرها وتصنيفها منشآت خطرة تستوجب تدخلا عاجلا لحماية الأرواح، خاصة مع دخول فصل الشتاء وما يحمله من أمطار ورياح تفاقم احتمالات الانهيار المفاجئ.
- حاجة عاجلة لمنظومات البحث والإنقاذ: الاستجابة لانهيارات المباني تتطلب معدات خفيفة وأجهزة كشف مفقودة بالكامل، مثل كاميرات البحث تحت الأنقاض، ومجسات الاستشعار الصوتي والحركي، ومعدات القص والتدعيم والإنارة المحمولة.
احتجاج اتحاد العشائر الفلسطينية قرب أنقاض عمارة السعادة للمطالبة بحلول للنازحين في بنايات موشكة على السقوط (الجزيرة)
وترى أن التعامل مع ملف الركام والانهيارات يستلزم تجاوز الإجراءات الطارئة المجتزأة، وبناء مسار متكامل، على النحو التالي:
- الأولوية الميدانية للوقود المحدود: تضطر الوزارة إلى حصر الوقود المتاح في فتح الممرات الحيوية والتعامل مع حالات الانهيار الفوري للمباني الأكثر خطورة، وهو تدبير إسعافي غير قابل للاستمرار.
- ربط المسارات وكسر القيود: طالبت الوزارة الشركاء الدوليين بتجاوز قيود المعابر الصارمة، والانتقال من الوعود إلى تأمين مسار تنفيذي خماسي الأركان: المعدات التخصصية والتمويل المباشر والوقود المستمر وقطع الغيار والدعم الفني للصيانة.
وختمت المهندسة رقية أبو الرب الأزمة بتأكيد أن جوهر "التحدي في غزة ليس فقط في ضخامة جبال الركام، بل في قدرتنا المفقودة على التعامل معها بأمان وسرعة؛ فالمعدات الجديدة ستظل أرقاما عاجزة على الورق إن لم يُضمن دخول قطع الغيار والوقود لإعادة الحياة لشرايين الإنقاذ على الأرض".