Categories
بالتلخيص والتحقق.. روبوتات الذكاء الاصطناعي تعيد تشكيل استهلاك الأخبار
بالتلخيص والتحقق.. روبوتات الذكاء الاصطناعي تعيد تشكيل استهلاك الأخبار
استمعاستمع (12 دقيقة)حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesلم تعد أسئلة الذكاء الاصطناعي في الصحافة محصورة في كيفية استخدام غرف الأخبار لهذه الأدوات لتسريع الإنتاج أو توزيع المحتوى، إذ بدأ تحول آخر يتشكل على جانب الجمهور، مع لجوء نسبة متزايدة من المستخدمين إلى روبوتات المحادثة للحصول على الأخبار وتفسيرها وتلخيصها والتحقق من مصادرها.
ويكشف فصل من تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026، أعدته إيمي روس أرغيداس الباحثة في معهد رويترز لدراسة الصحافة، أن روبوتات مثل شات جي بي تي وغوغل جيميناي ما زالت مصدرا محدودا للأخبار، لكنها تسجل نموا سريعا قد يؤثر مستقبلا في علاقة الناشرين بجمهورهم، وفي الزيارات التي تصل إلى المواقع الإخبارية الأصلية.
وبحسب الدراسة، ارتفعت نسبة من يستخدمون روبوتات المحادثة أسبوعيا للحصول على الأخبار من 7% إلى 10% عالميا خلال عام واحد، مدفوعة بنمو ملحوظ في أجزاء من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، إلى جانب جنوب وشرق أوروبا، وهي أسواق تلعب فيها المنصات الرقمية دورا أكبر في الوصول إلى الأخبار.
ورغم هذا النمو، قال 1% فقط من المشاركين إن الذكاء الاصطناعي هو مصدرهم الرئيسي للأخبار، وهو ما يشير إلى أنه يؤدي حاليا دورا مكملا للمواقع والتطبيقات ومحركات البحث ومنصات التواصل، وليس بديلا كاملا عنها.
الشباب والأكثر اهتماما بالأخبار في المقدمة
تتركز الموجة الأولى من استخدام روبوتات المحادثة بين الشباب، الذين يتقدمون عادة في تبني التقنيات الجديدة؛ ووجدت الدراسة أن 17% من أفراد الفئة العمرية الأصغر يستخدمون هذه الأدوات للأخبار، مقابل 5% فقط لدى الفئة الأكبر سنا، في حين سجلت فئة 25 إلى 34 عاما أكبر نمو مقارنة بعام 2025، بزيادة بلغت 4 نقاط مئوية.
إعلانلكن العمر ليس العامل الوحيد؛ فالانتشار يتركز أيضا بين الأشخاص الأكثر ارتباطا بالأخبار؛ وبلغ الاستخدام 18% بين من وصفتهم الدراسة بعشاق الأخبار، مقابل 7% بين الذين يتابعون الأخبار مرة واحدة يوميا فقط؛ كما وصلت النسبة إلى 19% بين شديدي الاهتمام بالأخبار، مقارنة بـ7% بين الأقل اهتماما.
ويعني ذلك أن التأثير الأولي للذكاء الاصطناعي قد يظهر داخل الفئات التي تستهلك قدرا أكبر من المحتوى الصحفي، لا بين الجمهور المنقطع عنه؛ كما سجلت الدراسة استخداما أعلى لدى الموجودين على طرفي الطيف السياسي، وهو ما ربطته بارتفاع اهتمام هذه الفئات بالشأن العام.
تظل الثقة أحد أكبر العوائق أمام تحول روبوتات المحادثة إلى مصدر واسع الانتشار للأخبار، ففي وقت لا تتجاوز فيه الثقة العامة بالأخبار 37% عالميا، تنخفض الثقة في الأخبار المقدمة عبر هذه الروبوتات إلى 20% فقط.
غير أن الصورة تتغير عند النظر إلى مستخدمي التقنية أنفسهم، إذ قال 44% منهم إنهم يثقون بالأخبار التي تقدمها روبوتات المحادثة، مقابل 17% فقط بين غير المستخدمين.
وأوضحت أرغيداس أن هناك علاقة قوية بين الثقة والاستخدام على مستوى الأسواق والأفراد، وهي علاقة تبدو أوضح من نظيرتها في منصات التواصل الاجتماعي.
ويعود ذلك على الأرجح إلى أن استخدام الروبوت للحصول على الأخبار ما زال سلوكا مقصودا؛ فالمستخدم يفتح الأداة ويطرح سؤالا محددا، ولذلك تؤثر ثقته بالإجابة في قراره بالعودة إليها.
أما على شبكات التواصل، فقد يصادف المستخدم الأخبار عرضا أثناء البحث عن الترفيه أو التواصل مع الآخرين، ويمكن أن يستمر في التعرض لها حتى مع انخفاض ثقته بالمحتوى.
أسئلة متابعة لا مجرد عناوين
تكشف طريقة استخدام الجمهور لهذه الأدوات أنها ليست قناة إضافية لقراءة العناوين فقط؛ فعبر 45 سوقا، جاء طرح أسئلة متابعة في مقدمة الاستخدامات بنسبة 42%، وهو ما يبرز قدرة روبوتات المحادثة على تحويل الخبر إلى حوار تفاعلي.
ويستخدم 35% الروبوتات للحصول على أحدث الأخبار، بينما يلجأ 34% إليها لتلخيص المواد، ويستخدمها 30% لجعل الأخبار أسهل فهما، كما أفاد 33% بأنهم يطلبون منها تقييم موثوقية مصدر إخباري.
وجاءت أسئلة المتابعة في المرتبة الأولى بـ33 من أصل 45 سوقا، لكن الأولويات اختلفت بين البلدان؛ ففي تايوان وكوريا الجنوبية، حيث اعتاد الجمهور الحصول على الأخبار من المجمعات الرقمية، كان الحصول على الخبر نفسه هو الاستخدام الأبرز؛ وفي كندا وبريطانيا تصدر التلخيص، بينما برز تبسيط الأخبار في النمسا وألمانيا واليابان.
أما تقييم المصادر، فحصل على ترتيب متقدم في أسواق مثل هونغ كونغ وتركيا، إضافة إلى دول تعاني انخفاض الثقة بالأخبار مثل المجر ورومانيا.
ويشير ذلك إلى أن الجمهور لا يستخدم الذكاء الاصطناعي للاختصار فقط، بل أحيانا بوصفه وسيطا يحاول من خلاله الحكم على صدقية المؤسسات والمعلومات.
العمق والسرعة وراء الإقبال
عند سؤال المستخدمين عن دوافعهم، تصدرت الرغبة في الحصول على مزيد من الشرح والعمق بنسبة 42%، تلتها السرعة بنسبة 39%.
إعلانوقال 36% إنهم يستخدمون الروبوتات لتلخيص القصص المعقدة، بينما رأى 35% أنها تمنحهم إجابة عن أي سؤال تقريبا، واستخدمت نسبة مماثلة الأدوات لجمع معلومات من مؤسسات إخبارية مختلفة؛ كما لجأ 33% إليها لترجمة الأخبار إلى لغتهم المفضلة.
في المقابل، كانت الدوافع المرتبطة بتفضيل المنصة نفسها أقل انتشارا؛ إذ قال 24% إن روبوت المحادثة هو المكان الأول الذي يقصدونه لمعظم احتياجاتهم الرقمية، بينما فضل 23% التفاعل مع روبوت على طرق الوصول الأخرى.
وتوضح هذه النتائج أن القيمة الأساسية للذكاء الاصطناعي لا تكمن فقط في إنتاج إجابة قصيرة، بل في تقليل الجهد المطلوب لفهم موضوع معقد، وتخصيص الشرح وفقا لاحتياجات المستخدم، والجمع بين معلومات موزعة على مصادر متعددة.
هل تبتلع محركات الإجابة زيارات الناشرين؟
يتمثل أحد أكبر مخاوف المؤسسات الصحفية في أن تمنح روبوتات المحادثة المستخدم إجابة مكتملة داخل بيئتها، فلا يجد سببا للنقر على رابط المصدر الأصلي؛ وتزداد هذه المخاوف مع دمج ملخصات الذكاء الاصطناعي في محركات البحث التقليدية.
وحاولت الدراسة قياس هذه المسألة بسؤال مستخدمي الروبوتات ومحركات البحث ومنصات التواصل عن معدل انتقالهم إلى المصادر الأصلية، وعبر 27 سوقا، قال 4% فقط من جميع المشاركين إنهم ينقرون دائما أو غالبا على المصادر القادمة من الذكاء الاصطناعي، مقابل 19% من محركات البحث و17% من منصات التواصل.
لكن الفارق الكبير يتأثر بصغر قاعدة مستخدمي روبوتات المحادثة للأخبار، التي بلغت 9% في الأسواق التي شملها هذا السؤال، وظلت نسبة انتقالهم من الروبوتات في خانة الآحاد بمعظم البلدان، إذ سجلت 1% في بريطانيا، و3% في إسبانيا، و4% في الأرجنتين، بينما ارتفعت إلى 8% في كوريا الجنوبية.
ونبهت الباحثة إلى أن الأرقام تعتمد على وصف المشاركين لسلوكهم، وقد لا تعكس بدقة ما يفعلونه فعليا، ومع ذلك، فإنها تقدم مؤشرا أوليا على احتمال أن تؤدي محركات الإجابة إلى إضعاف بعض أنماط الإحالة إلى المواقع الإخبارية.
ظل الحصول على مزيد من التفاصيل الدافع الأول للنقر على المصدر الأصلي عبر مختلف المنصات، لكنه كان أقل لدى مستخدمي الذكاء الاصطناعي.
وقال 51% ممن ينتقلون من روبوتات المحادثة إلى المصدر الأصلي إنهم يفعلون ذلك بحثا عن تفاصيل إضافية، مقارنة بـ59% لدى مستخدمي البحث و60% لدى القادمين من منصات التواصل؛ وقد يشير ذلك إلى أن إجابات الروبوتات تشبع حاجة المستخدم للمعلومات بدرجة أكبر.
في المقابل، كان مستخدمو الذكاء الاصطناعي أكثر ميلا إلى زيارة الرابط للتحقق من الخبر أو معرفة الجهة التي تقف خلف المعلومات؛ وهنا تتحول الزيارة من رغبة في استكمال قصة ناقصة إلى اختبار لدقة الإجابة ومصدرها.
ويضع هذا التحول أصل المعلومة في قلب المنافسة، فكلما قدمت الروبوتات إجابات مكتفية بذاتها، ازدادت أهمية قدرة المؤسسة الصحفية على إثبات أنها المصدر الأول والموثوق للخبر، وأن تقاريرها تقدم ما يتجاوز التلخيص الآلي.
ما الذي يعنيه ذلك للصحافة؟
تخلص الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد طريق جديد إلى العناوين، بل أداة تجمع بين الوصول إلى الأخبار وتفسيرها وتقييمها. وهذا يخلق فرصا مباشرة أمام غرف الأخبار، منها تحسين الكتابة الواضحة، وإنتاج الملخصات والشروح، وتوقع الأسئلة التي قد يطرحها الجمهور بعد قراءة الخبر.
إعلانويمكن للمؤسسات تطوير صيغ مثل المواد التفسيرية والنشرات البريدية وصفحات الأسئلة والأجوبة، بحيث لا تتوقف مهمتها عند نشر التطور الجديد، بل تساعد القارئ على فهم خلفياته وتداعياته.
كما تشير النتائج إلى أن التأثير لن يكون متساويا بين الأسواق أو الفئات العمرية، فالبلدان التي تعتمد بدرجة أكبر على المنصات قد تشهد تحولا أسرع نحو روبوتات المحادثة، بينما قد يبقى استخدامها أبطأ في البيئات التي تحافظ فيها المواقع الإخبارية على علاقة مباشرة وقوية مع الجمهور.
كذلك يصعب على المؤسسات أن تتولى بنفسها تقييم موثوقيتها أو شرح أداء الإعلام من دون أن ينظر بعض المستخدمين إلى هذه المهمة باعتبارها دفاعا عن مصالحها.
لكن محاولة منافسة الشركات التكنولوجية في الوظائف العامة للذكاء الاصطناعي قد تبدد موارد الناشرين؛ إذ تستطيع المنصات تقديم إجابات مخصصة وسريعة على نطاق يصعب على مؤسسة منفردة مجاراته.
لذلك ترى الباحثة أن الأفضل للناشرين هو الاستثمار في ما يجعل صحافتهم مميزة هي التقارير الأصلية، والوصول إلى المصادر، والتحقق، والسياق العميق، والقدرة على كشف ما لا تستطيع النماذج استخلاصه من المواد المنشورة.
وقد تقلل روبوتات المحادثة بعض الزيارات، لكنها تعيد في الوقت نفسه التأكيد على أهمية الثقة وشفافية المصدر، وفي بيئة معلومات مزدحمة، لن يكفي أن تكون المؤسسة مرئية داخل الإجابات الآلية، بل يجب أن تمتلك صحافة تستحق أن يبحث المستخدم عن أصلها، ويعود إليها عندما يريد التحقق مما تقوله الآلة.
المصدر: معهد رويترز للصحافة (Reuters Institute for the Study of Journalism)شارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylink