Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicAug 4, 2026👁 1 views

من إسبانيا إلى الأقصر.. العالم يترقب أجمل كسوفين شمسيين في أقل من عام

من إسبانيا إلى الأقصر.. العالم يترقب أجمل كسوفين شمسيين في أقل من عام

استمعاستمع (14 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
كسوف الأقصر الشمسي الكلي 2027 (الجزيرة- مولدة بالذكاء الاصطناعي)
هاني الضليعPublished On 4/8/20264/8/2026|آخر تحديث: 22:40 (توقيت مكة)آخر تحديث: 22:40 (توقيت مكة)

بعد أيام قليلة ستتجه أنظار ملايين البشر إلى سماء شمال الأطلسي وشبه الجزيرة الإيبيرية لمتابعة الكسوف الشمسي الكلي الذي سيعبر غرينلاند وآيسلندا وإسبانيا يوم 12 أغسطس/آب 2026، في حين ستشهد أجزاء واسعة من أوروبا وشمال أفريقيا وغرب آسيا كسوفا جزئيا بدرجات متفاوتة.

وسيكون الحدث بمثابة بروفة عالمية لكسوف أكثر شهرة ينتظره العالم بعد أقل من عام، عندما تعبر ظلال القمر سماء مصر في 2 أغسطس/آب 2027، في واحد من أطول وأجمل الكسوفات الكلية خلال القرن الحادي والعشرين.

الهالة الشمسية تظهر بخيوط بيضاء رقيقة تحيط بالشمس أثناء الكسوف الكلي (ناسا)

ويمر مسار الكسوف الكلي عام 2027 فوق إسبانيا، وجبل طارق، والمغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا، ومصر، والمملكة العربية السعودية، واليمن، والصومال، بينما سيُشاهد الكسوف جزئيا من معظم بقية الدول العربية، مثل موريتانيا، والسودان، والأردن، وفلسطين، ولبنان، وسوريا، والعراق، ودول الخليج العربي، بنسب احتجاب تختلف باختلاف الموقع.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

ولا يُنظر إلى هذه الظاهرة بوصفها حدثا فلكيا عابرا فحسب، بل باعتبارها تجربة إنسانية نادرة تجمع بين روعة العلم وجمال الطبيعة، وتذكر الإنسان بمكانه في هذا الكون الواسع.

ما الكسوف الشمسي ولماذا لا يتكرر كثيرا؟

يحدث الكسوف الشمسي عندما يمر القمر بين الأرض والشمس، فيحجب ضوءها عن جزء من سطح الأرض. ورغم أن القمر يدور حول الأرض كل شهر تقريبا، فإن الكسوف لا يحدث في كل شهر، لأن مدار القمر مائل بنحو 5 درجات عن مستوى دوران الأرض حول الشمس، ولذلك يمر القمر غالبا أعلى الشمس أو أسفلها دون أن يحجبها.

يحدث كسوف الشمس حين يحجب القمر الشمس جزئيا أو كليا، وهي لحظة إعلان بدء الشهر القمري الجديد فلكيا (الجزيرة)

ويشهد العالم كسوفين إلى 5 كسوفات شمسية كل عام، لكن الكسوف الكلي يبقى نادرا في المكان نفسه؛ إذ قد ينتظر سكان مدينة واحدة أكثر من 3 أو 4 قرون قبل أن يعبرها كسوف كلي جديد.

إعلان

ولهذا يسافر آلاف الهواة والعلماء عبر القارات للحاق ببضع دقائق فقط من الظلام الذي يصنعه القمر في وضح النهار، لأن كل كسوف يحمل خصائص مختلفة من حيث مدة الاحتجاب، وارتفاع الشمس، والظروف الجوية، وطبيعة المكان الذي يشاهد منه.

الكسوف الجزئي.. والكسوف الكلي

ليست جميع حالات الكسوف متشابهة، ففي الكسوف الجزئي يغطي القمر جزءا من قرص الشمس، ويبقى النهار ساطعا إلى حد كبير، ولا تظهر الهالة الشمسية، ويظل النظر إلى الشمس خطيرا طوال مدة الكسوف.

أما الكسوف الكلي، فهو الحدث الذي ينتظره الجميع، إذ يغطي القمر قرص الشمس بالكامل لبضع دقائق، فيختفي الضوء المباشر، وتظهر الهالة الشمسية البيضاء المحيطة بالشمس، وهي طبقتها الخارجية شديدة السخونة، التي لا يمكن رؤيتها عادة بسبب سطوع القرص الشمسي.

كسوف الشمس الجزئي الصباحي- الأردن 2003 (صورة هاني الضليع)

وخلال هذه اللحظات القصيرة، تتحول الشمس إلى قرص أسود تحيط به خيوط فضية متوهجة، في مشهد يعده كثير من الفلكيين أجمل ظاهرة يمكن أن تراها العين المجردة في السماء.

ماذا يحدث عندما يتحول النهار إلى ليل؟

قبل دقائق قليلة من بداية المرحلة الكلية، يبدأ المشهد بالتغير تدريجيا، فالإضاءة التي اعتادتها العين تصبح باهتة على نحو غير مألوف، وكأن العالم يفقد ألوانه شيئا فشيئا. ولا يشبه هذا الضوء ما يحدث عند الغروب، لأن الشمس تبقى مرتفعة في السماء، بينما تتناقص شدة إضاءتها بصورة غير طبيعية، فتبدو الأشياء حول الراصد وكأنها مضاءة بمصباح خافت.

لحظات الكسوف الكلي للشمس حين ينقلب النهار ليلا وسط ذهول الراصدين وفرحتهم بالمشهد النادر (الجزيرة)

ومع اقتراب القمر من حجب آخر جزء من قرص الشمس، يلاحظ الراصد انخفاضا ملموسا في درجة الحرارة، وقد يتراجع نشاط الرياح المحلية نتيجة التغير المفاجئ في تسخين سطح الأرض. وتبدأ الطيور بالعودة إلى أعشاشها معتقدة أن الليل قد حل، بينما تنشط بعض الحشرات الليلية وتصدر أصواتها، في حين يخيم على المكان هدوء غريب لا ينساه من عاش هذه التجربة.

وفي اللحظة التي يختفي فيها آخر جزء من الشمس، يعم الظلام منطقة الكسوف الكلي، ويقف كثير من الناس في حالة من الذهول والصمت، بينما تنطلق صيحات الدهشة والإعجاب من آخرين. إنها لحظة قصيرة، لكنها تترك أثرا يبقى في الذاكرة مدى الحياة.

مشاهد لا تُرى إلا أثناء الكسوف الكلي

لا تكمن روعة الكسوف في اختفاء الشمس فقط، بل فيما يكشفه هذا الاختفاء من ظواهر لا يمكن رؤيتها في أي وقت آخر.

فأول ما يلفت النظر هو الهالة الشمسية، وهي الغلاف الخارجي للشمس الذي يمتد ملايين الكيلومترات في الفضاء، ويظهر بلون أبيض فضي تتخلله خيوط وأقواس مضيئة تختلف أشكالها باختلاف النشاط الشمسي.

وقبل لحظات من الكلية، تظهر خرزات بيلي؛ وهي نقاط مضيئة تتسلل عبر الوديان الموجودة على حافة القمر. وما إن يبقى آخر بريق من الشمس حتى يتشكل الخاتم الماسي، حيث يبدو المشهد كخاتم تتوسطه جوهرة لامعة، ثم يختفي الضوء فجأة لتبدأ المرحلة الكلية.

مراحل كسوف الشمس الجزئي الحلقي العربي- السودان عام 2005 (الجزيرة – هاني الضليع)

وخلال هذه الدقائق، تظهر كواكب لامعة مثل الزهرة، وقد تُرى بعض النجوم الساطعة، فتبدو السماء كما لو كانت تعيش لحظتي نهار وليل في آن واحد.

إعلان

ومن الظواهر اللافتة أيضا أن الظلال تصبح شديدة الوضوح والحواف، لأن الجزء المتبقي من الشمس قبل الكلية يتحول إلى مصدر ضوئي شبه نقطي (Point Source)، فتختفي الظلال الناعمة التي نراها عادة، وتصبح حواف الأشياء أكثر حدة ودقة.

كما قد تظهر على الأرض قبل الكلية وبعدها مباشرة تموجات ضوئية سريعة تعرف باسم أشرطة الظل (Shadow Bands) وهي من الظواهر النادرة التي لا يشاهدها إلا من يترقب الكسوف بعناية.

هل يوجد كسوف "أفضل" من غيره؟

رغم أن جميع حالات الكسوف تخضع للقوانين الفلكية نفسها، فإنها ليست متساوية في جمالها أو ظروف مشاهدتها.

فالكسوف المثالي هو الذي يجمع عدة عوامل في وقت واحد: أن يكون القمر قريبا نسبيا من الأرض فيبدو أكبر حجما، وأن تكون الأرض بعيدة نسبيا عن الشمس فتبدو الشمس أصغر قليلا، وأن يمر مسار الظل فوق منطقة تتمتع بسماء صافية، وأن تستمر مرحلة الكلية أطول مدة ممكنة.

كسوف الشمس الجزئي كما شوهد في 2003 من الأردن (صورة محمد سلامة- الجزيرة)

ويضيف المصورون الفلكيون عاملا آخر لا يقل أهمية، وهو ارتفاع الشمس فوق الأفق، فإذا وقع الكسوف عند الشروق أو الغروب، تحول الأفق إلى لوحة طبيعية مذهلة، حيث تمتزج ألوان الفجر أو الشفق مع ظلام الكسوف، فيمكن التقاط صور بورتريه يظهر فيها الإنسان أو المعالم التاريخية أمام الشمس المحجوبة.

أما عندما تكون الشمس مرتفعة في السماء، فتكون رؤية الهالة الشمسية أوضح وأكثر تفصيلا، وهو ما يفضله كثير من الباحثين وهواة الرصد.

ولهذا لا يوجد كسوف واحد يمكن وصفه بأنه "الأفضل" للجميع، فلكل كسوف ميزاته، لكن بعض الكسوفات تجتمع فيها عوامل استثنائية تجعلها أكثر تميزا من غيرها، وهو ما ينطبق على الكسوف المنتظر في مصر عام 2027.

كسوف الأقصر عام 2027.. عندما تجتمع كل عناصر المشهد الاستثنائي

في صباح 2 أغسطس/آب 2027، أي بعد عام واحد من الآن، ستتجه أنظار العالم إلى شمال أفريقيا والشرق الأوسط، حيث يعبر ظِل القمر شريطا ضيقا يمتد من جنوب إسبانيا مرورا بجبل طارق والمغرب والجزائر وتونس وليبيا، ثم يدخل الأراضي المصرية، قبل أن يواصل رحلته فوق البحر الأحمر إلى المملكة العربية السعودية واليمن، ومنها إلى القرن الأفريقي. وسيشاهد مئات الملايين الكسوف جزئيا من مناطق واسعة تحيط بمسار الكلية.

وسيكون وادي النيل، ولا سيما مدينة الأقصر، أحد أفضل مواقع الرصد على امتداد المسار العالمي، إذ تستمر مرحلة الكسوف الكلي هناك نحو 6 دقائق و23 ثانية، وهي مدة طويلة جدا إذا ما قورنت بمعظم الكسوفات التي لا تتجاوز دقائق معدودة.

رسم تخيلي لكسوف الشمس في الأقصر 2027 (سيانتيفيك أميريكان)

ولا تقتصر أفضلية الأقصر على طول مدة الكسوف، بل تجتمع فيها مزايا أخرى؛ فالشمس ستكون مرتفعة في السماء، ما يمنح رؤية واضحة للهالة الشمسية، كما أن مناخ صعيد مصر في هذا الوقت من العام يتميز غالبا بسماء صافية وانخفاض احتمال الغيوم، وهي عوامل تزيد فرص مشاهدة الكسوف في أفضل ظروف ممكنة.

ويضاف إلى ذلك بعدٌ حضاري فريد؛ إذ ستشكل معابد الأقصر والكرنك ووادي الملوك خلفية بصرية استثنائية لهذا الحدث، لتلتقي واحدة من أعظم الظواهر الطبيعية مع واحدة من أعرق الحضارات الإنسانية، في مشهد ينتظر أن يجذب آلاف العلماء والمصورين وهواة الفلك من مختلف أنحاء العالم.

حدث علمي.. وفرصة للتوعية

لا يمثل الكسوف مناسبة لهواة التصوير فقط، بل يعد فرصة علمية ثمينة لدراسة الهالة الشمسية، والمجال المغناطيسي للشمس، والبلازما التي تحيط بها، وهي ظواهر لا يمكن رصدها بسهولة في الظروف العادية.

صورة لمرشح ضوئي استخدم لمشاهدة كسوف الشمس الحلقي ديسمبر/كانون الأول 2019 (الجزيرة – هاني الضليع)

كما يشكل الحدث فرصة لنشر الثقافة العلمية بين أفراد المجتمع، وإبراز قدرة العلم على التنبؤ الدقيق بحركة الأجرام السماوية قبل مئات السنين من وقوعها، وهو ما يعكس دقة النظام الكوني الذي يحكم حركة الأرض والقمر والشمس.

إعلان

ومن المتوقع أن تنظم الجامعات، والجمعيات الفلكية، والمراصد، برامج رصد وندوات ومحاضرات ميدانية، تتيح للجمهور مشاهدة الكسوف بطريقة علمية وآمنة، وتحول هذا الحدث إلى مهرجان علمي مفتوح للجميع.

السلامة أولا.. لا تنظر إلى الشمس مباشرة

ورغم جمال الكسوف، فإنه يبقى من أخطر الظواهر إذا رُصد بطريقة خاطئة. فالنظر المباشر إلى الشمس، سواء أثناء الكسوف الجزئي أو الحلقي، قد يؤدي إلى حروق دائمة في شبكية العين، لأن الأشعة الشمسية تبقى شديدة الخطورة حتى وإن بدا ضوء الشمس أقل سطوعا.

لا تطل النظر إلى الشمس ولو كنت تنظر عبر نظارات عالمية معتمدة

ولا يفضل النظر إلى الشمس إلا باستخدام نظارات الكسوف المعتمدة دوليا أو عبر وسائل الرصد الشمسي المخصصة، مثل المرشحات الشمسية المثبتة على التلسكوبات والمناظير. وفي حال عدم توفرها فالبدائل يمكن أن تكون كافية كالأفلام الملونة الداكنة، والزجاج المدخن (بسنا الشمعة)، والأقراص المدمجة (سي دي)، وأوراق تظليل السيارات، رغم أنها جميعا لا توفر الحماية اللازمة، لكنها تقلل خطر أشعة الشمس بشكل كبير.

والقاعدة العظيمة في كل ما سبق: لا تطل النظر إلى الشمس ولو كنت تنظر عبر نظارات عالمية معتمدة.

أما خلال مرحلة الكسوف الكلي فقط، عندما يُحجب قرص الشمس بالكامل، فيمكن النظر إلى الهالة الشمسية بالعين المجردة وبالمنظار أو التلسكوب والاستمتاع بتلك اللحظات، مع الانتباه إلى ضرورة إعادة ارتداء وسائل الحماية فور ظهور أول خيط من ضوء الشمس، وترك المنظار أو التلسكوب قبيل انتهاء لحظات الكسوف الكلي.

النظارات الكسوفية.. وسيلة آمنة جدا للنظر إلى الشمس ويمكن استعمال أي وسائل بديلة تحجب معظم أشعة الشمس (كسوف الشمس الجزئي الأردن عام 2010- الجزيرة)

ولهذا ينبغي أن تبدأ الجهات العلمية والحكومات، في الدول التي يمر بها الكسوف، الاستعداد مبكرا عبر إطلاق حملات توعية، وتوفير نظارات الكسوف المطابقة للمواصفات العالمية، وإنشاء مواقع رصد عامة مزودة بوسائل مشاهدة آمنة، وتنظيم برامج خاصة للمدارس والجامعات، حتى يتحول الحدث إلى مناسبة علمية آمنة يستمتع بها الجميع دون تعريض أبصارهم للخطر.

وقد شُرعت صلاة الكسوف شكرا لله وتخويفا لعباده منه سبحانه خالق الشمس والقمر، ولحكمة يدركها أطباء العيون تماما وهي حماية أبصار الناس من الضرر أو التلف إن هم نظروا إلى الكسوف بلا وسائل تحمي عيونهم.

آية كونية تدعو إلى التأمل

يبقى الكسوف الشمسي، مهما تقدم العلم في تفسيره، من أعظم المشاهد التي تلامس وجدان الإنسان. فعندما ينقلب النهار إلى ليل في دقائق معدودة، وتختفي الشمس التي اعتدنا رؤيتها كل يوم، يدرك الإنسان أنه جزء من كون بالغ الدقة، تسير أجرامه وفق نظام محكم لا يختل.

وقد دعا الإسلام إلى التأمل في مثل هذه الظواهر، وعدّها من آيات الله في الكون، لا للتخويف أو نشر الخرافات، وإنما لتذكير الإنسان بعظمة الخالق ودقة سننه في هذا الكون. ومن هنا شُرعت صلاة الكسوف، لتكون استجابة إيمانية تجمع بين التفكر والخشوع، في الوقت الذي يدعو فيه العلم إلى فهم هذه الظاهرة ورصدها ودراستها.

صلاة الكسوف سنة ثابتة يؤديها المسلمون أثناء الحدث (الجزيرة- مولدة بالذكاء الاصطناعي)

وهكذا يلتقي الإيمان والعلم عند مشهد واحد؛ فالعلم يفسر كيف يحدث الكسوف، والإيمان يفتح القلب للتأمل في حكمته. وبينهما يقف الإنسان مبهورا أمام سماء تتغير في دقائق، ثم تعود إلى نورها المعتاد، حاملة معها ذكرى لا تُنسى، ورسالة خالدة مفادها أن الكون كتاب مفتوح، وأن كل ظاهرة فيه دعوة جديدة للمعرفة، والتفكر، والاستكشاف.

المصدر: الجزيرة + وكالات

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink