Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicJul 25, 2026👁 0 views

حين يحرر التلفزيون كلام السلطة.. صراع الرواية الرسمية في إيران

حين يحرر التلفزيون كلام السلطة.. صراع الرواية الرسمية في إيران

استمعاستمع (13 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
عباس عراقجي انتقد التلفزيون الإيراني لعدم التعاطي مع أحداث تتعلق به (الفرنسية)
غزل أريحيPublished On 25/7/202625/7/2026

طهران- تحول مقطع لم يظهر على شاشة التلفزيون الرسمي الإيراني إلى مواجهة علنية بين الحكومة وهيئة الإذاعة والتلفزيون، بعدما اتهم مجلس إعلام الحكومة المؤسسة بممارسة الرقابة والتعامل الانتقائي مع مواقف كبار المسؤولين.

المقطع يعود إلى كلمة ألقاها الرئيس مسعود بزشكيان في اليوم الوطني للصناعة والمناجم والتجارة، 21 يوليو/تموز الجاري. وفي النسخة الكاملة من الكلمة، تحدث الرئيس عن موقف المرشد الأعلى السابق علي خامنئي من المفاوضات مع الولايات المتحدة، وقال إن التلفزيون كان يعرض تصريحاته العلنية الرافضة للتفاوض، لكنه لا ينقل ما كان يدور في الاجتماعات المغلقة.

وحسب رواية بزشكيان، توجه المسؤولون إلى المرشد السابق وشرحوا له أضرار استمرار حالة "لا حرب ولا سلام"، فأمرهم بالذهاب إلى المفاوضات، لتبدأ المحادثات استنادا إلى توجيهه.

لكن هذه الفقرة لم تظهر في التقرير الموسع الذي بثه التلفزيون عن المناسبة، وهو ما وصفه مجلس إعلام الحكومة -في بيان أصدره أمس الجمعة- بأنه حذف لحديث الرئيس عن سماح المرشد السابق بالمضي في المفاوضات.

لم تكن أهمية المقطع في مدته، بل في دلالته السياسية. فهو ينقل المفاوضات من كونها خيارا خاصا بالحكومة أو الفريق الدبلوماسي إلى مسار اتخذ بموافقة أعلى سلطة في النظام، ويرد ضمنيا على التيارات التي تقدم التفاوض باعتباره تنازلا فرضه المسؤولون التنفيذيون على القيادة.

ومع انتقال الخلاف إلى البيانات الرسمية، لم يعد السؤال يتعلق بسبب حذف فقرة من خطاب طويل، بل بمن يمتلك داخل النظام حق تحديد النسخة التي تصل إلى الجمهور من كلام رئيس الجمهورية.

بزشكيان انتقد التلفزيون الإيراني عدة مرات واتهمه بالتحيز ضده (الصحافة الإيرانية)

لم يحصر مجلس إعلام الحكومة اعتراضه في واقعة بزشكيان، بل ربطها بحالتين سابقتين تخصان رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي، في حين وجه وزير الخارجية عباس عراقجي، بصورة منفصلة، انتقادات إلى التلفزيون الرسمي.

إعلان

وبذلك، قدمت الحكومة ما حدث بوصفه نمطا سياسيا في التغطية، لا خطأ تحريريا منفردا. وقال بيانها إن مسؤولي التلفزيون ينتقون من مواقف رؤساء السلطات وفق ميولهم السياسية، ويحذفون ما لا ينسجم مع توجه تيار داخل المؤسسة.

في حالة بزشكيان، تحدث بيان حكومي رسمي عن حذف فقرة محددة، كما يظهر مضمونها في التسجيل الكامل المنشور للكلمة.

أما واقعة قاليباف، فتعود إلى 30 يونيو/حزيران، عندما توقف بث مقابلة مسجلة معه قبل نهايتها. وقال المركز الإعلامي للبرلمان إن المقابلة سلمت إلى التلفزيون قبل موعد بثها بأكثر من ساعتين، وإن الجزء الذي لم يظهر تناول ملفات مرتبطة بالمفاوضات والتفاهمات مع الولايات المتحدة.

غير أن التلفزيون أرجع توقف المقابلة إلى مشكلة فنية، ثم بثها كاملة في اليوم التالي. وأقر بيان الحكومة نفسه بأن المؤسسة استدركت البث الناقص لاحقا.

لذلك، لا يمكن وضع حالة قاليباف في الدرجة نفسها مع حذف كلام بزشكيان، لكنها تظل جزءا من تراكم أوجد شكوكا بشأن طريقة تعامل التلفزيون مع المواد المتعلقة بالمفاوضات.

الحالة الثالثة تتعلق بكلام محسني إجئي خلال اجتماع المجلس الأعلى للسلطة القضائية بحضور بزشكيان، يوم 20 يوليو/تموز.

ويتضمن النص الكامل المنشور عن الاجتماع عبارات دعم مباشرة للرئيس، إذ قال إجئي إنه يشهد بأن بزشكيان يخدم الشعب والنظام بإخلاص، وإن حديث الرئيس عن العقبات لا يعبر عن اليأس، بل يمثل طلبا للمساعدة من مسؤولي السلطات الأخرى.

وأضاف أن مساعدة الرئيس والحكومة واجبة على الجميع في الظروف الحالية، وأن بزشكيان وضع جهده لتحقيق ما يخدم إيران والشعب، داعيا مؤسسات الدولة إلى تقديم أقصى قدر من الدعم له ولحكومته.

واتهم مجلس إعلام الحكومة التلفزيون بعدم بث هذه الأجزاء الداعمة للرئيس.

وتكتسب القضية دلالة خاصة، لأن محسني إجئي ليس شخصية محسوبة على التيار الذي أوصل بزشكيان إلى الرئاسة. وكان من شأن بث عباراته أن يظهر أن دعم الرئيس لا يقتصر على حكومته أو حلفائه، بل يمتد إلى رئيس سلطة أخرى داخل النظام.

وتبدو المفارقة في أن التلفزيون يعلن أن مهمته حماية صورة التماسك بين مؤسسات الدولة، في حين تتهمه الحكومة بإسقاط الجزء الذي يظهر رئيس القضاء وهو يدعو إلى دعم رئيس الجمهورية.

جاء انتقاد وزير الخارجية ليضيف بعدا آخر إلى المواجهة.

فقد قال عباس عراقجي -في مقابلة نشرت في 24 يوليو/تموز- إنه خاض خلال الحرب مقابلات مع شبكات أمريكية، بينها "فوكس نيوز" و"سي إن إن"، بهدف عرض الموقف الإيراني أمام الجمهور وصناع القرار في الولايات المتحدة.

وأضاف أنه توقع من التلفزيون الإيراني إعادة بث هذه المقابلات أو تقديم مضمونها للجمهور المحلي، لكنه لم يشاهد منها سوى جملة أو جملتين في الشريط الإخباري، وفق تعبيره.

وتحدث عراقجي كذلك عن استقبال قال إنه حظي به خلال زيارته إلى العراق، وروى أن عراقيين تجمعوا حوله داخل مرقد الإمام الحسين في كربلاء ووصفوه بـ"البطل".

وأضاف أن هذا الاستقبال لم يكن موجها إلى شخصه، بل إلى إيران ووزير خارجيتها، وانتقد عدم عرض التلفزيون الصور التي توثق ذلك.

إعلان

وتكشف شكوى الوزير اختلافا في تعريف ما يخدم الرواية الوطنية. فعراقجي يرى أن إظهار حضوره في الإعلام الأمريكي واستقباله في العراق يعزز صورة إيران، في حين لم يمنح المسؤولون عن البث هذه المواد المساحة التي كان يتوقعها.

خيط سياسي يجمع الوقائع

تكشف طبيعة المواد المحذوفة أو المهمشة عن خيط سياسي مشترك، وإن لم تثبت وجود تعليمات مركزية واحدة وراء جميع الحالات.

إذ إن حديث بزشكيان كان يمنح المفاوضات شرعية مستمدة من موافقة المرشد السابق، ومقابلة قاليباف كانت تشرح المسار التفاوضي وتدافع عن نتائجه، وكلام محسني إجئي كان يظهر وجود دعم مؤسسي للرئيس، أما عراقجي فكان يريد تقديم الدبلوماسية باعتبارها إحدى جبهات القوة خلال الحرب.

ويشير مضمون هذه المواد إلى أنها كانت ستؤدي 3 وظائف سياسية: شرعنة مسار التفاوض، وإظهار التماسك بين السلطات، ومنح الحكومة والدبلوماسية مساحة أكبر للدفاع عن سياساتهما أمام الجمهور.

تتابع الوقائع وتقارب موضوعاتها دفع الحكومة إلى الحديث عن "تيار سياسي داخل التلفزيون"، متهمة إياه بتقديم ميوله على حساب المواقف الرسمية للقيادات.

وتأتي المواجهة في توقيت حساس، مع استمرار محاولات الوسطاء تحريك الاتصالات بين طهران وواشنطن، وفي وقت لا يزال فيه الداخل الإيراني منقسما بشأن نتائج التفاوض وحدوده وعلاقته بالحرب.

من يحمي الوحدة؟

اللافت أن الحكومة والتلفزيون استندا إلى المفهوم نفسه في مهاجمة الطرف الآخر، وهي الوحدة الوطنية.

اعتبر مجلس إعلام الحكومة أن حذف مواقف رؤساء السلطات يضعف الانسجام الداخلي، ويكشف غياب النظرة الوطنية في إدارة المؤسسة، محذرا من أن استمرار هذه الممارسات قد يترك آثارا على التماسك الاجتماعي والأمن القومي.

أما هيئة الإذاعة والتلفزيون، فرفضت ما وصفته بالاتهامات والنسب غير اللائقة، وقالت إنها ملزمة بمنع تقديم صورة غير صحيحة توحي بوجود ازدواجية في المواقف العليا أو بتعارض بين أركان إدارة البلاد.

وأضافت المؤسسة أن واجبها في الظروف الحساسة هو الحفاظ على الانسجام و"وحدة الكلمة"، وتجنب كل ما قد يثير الانقسام الداخلي.

لا ينفي هذا الرد كل واقعة بصورة منفصلة، ولا يوضح من قرر حذف كلام بزشكيان، أو لماذا لم تظهر عبارات محسني إجئي. لكنه يكشف تصورا تحريريا يتجاوز نقل كلام المسؤولين كما صدر عنهم.

فالتلفزيون يقدم نفسه مؤسسة مسؤولة عن منع ظهور التناقضات داخل القيادة، حتى إذا استدعى ذلك اختيار أجزاء من المواقف الرسمية واستبعاد أجزاء أخرى.

في المقابل، ترى الحكومة أن نقل كلام المسؤولين وإظهار موافقة القيادة على المفاوضات ودعم رئيس القضاء للرئيس هو الذي يثبت وجود الوحدة.

وعليه، لا يدور النزاع حول أهمية الوحدة، بل حول من يملك تعريفها، وما الذي يجوز حذفه أو إبقاؤه باسم حمايتها.

ترتبط قدرة التلفزيون على مواجهة الحكومة بموقعه الخاص داخل النظام السياسي الإيراني.

فالمادة 175 من الدستور تنص على أن تعيين رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون وعزله من اختصاص المرشد، وليس رئيس الجمهورية أو مجلس الوزراء.

كما تنص على وجود مجلس رقابة يضم ممثلين اثنين عن كل من الرئاسة والسلطة القضائية والبرلمان. ويمنح القانون المجلس صلاحيات تشمل متابعة أداء المؤسسة، وطلب المعلومات والوثائق، ورفع تقارير منتظمة إلى القيادة والسلطات الثلاث.

وبذلك، تعد "هيئة الإذاعة والتلفزيون" مؤسسة رسمية ممولة من الموارد العامة، لكنها لا تتبع الحكومة التنفيذية، ولا يستطيع الرئيس تعيين رئيسها أو إقالته.

ويمنح هذا الموقع رئيس المؤسسة هامشا واسعا في رسم السياسة التحريرية، لكنه يفترض، في الوقت نفسه، وجود رقابة من السلطات الثلاث على أدائها.

"حكومة أخرى اسمها التلفزيون"

في السياق، وصف الناشط الإصلاحي محمد صادق جوادي حصار جوهر الأزمة بالقول إن حكومة تتولى السلطة، لكن إلى جانبها تعمل "حكومة أخرى اسمها الإذاعة والتلفزيون" ضدها.

إعلان

أما الصحفي محمد مهاجري، فقال إن التلفزيون يمر بمرحلة أصبح فيها أكثر كلفة وأقل تأثيرا.

قد تبدو عبارة "الحكومة الأخرى" توصيفا سياسيا حادا، لكنها تشير إلى أن التلفزيون لا يؤدي دور ناقل الأخبار فقط. فهو يمتلك القدرة على ترتيب الأولويات، واختيار المتحدثين، وتحديد حجم ظهور كل مسؤول، وصياغة الإطار الذي تقدم من خلاله الحرب والمفاوضات وأداء الحكومة.

وفي ملف التفاوض تحديدا، لا يكتفي التلفزيون بنقل موقف المؤسسات المختصة، بل يشارك عمليا في تحديد إذا ما كانت المفاوضات ستظهر باعتبارها خيارا وطنيا يحظى بموافقة النظام، أو مسارا مثيرا للريبة يحتاج إلى المراقبة.

كان التلفزيون الرسمي في مراحل سابقة قادرا بدرجة أكبر على احتكار النسخة المتاحة من خطابات المسؤولين. أما اليوم، فالرئاسة والبرلمان والقضاء ووزارة الخارجية تنشر نصوصها وتسجيلاتها عبر المواقع والمنصات الرقمية.

وهذا ما منح حالة بزشكيان قوتها، إذ إن الحكومة لم تعتمد على تسريب مجهول، بل أشارت إلى فقرة موجودة في التسجيل الكامل وغير موجودة في التقرير التلفزيوني.

ليس التلفزيون ملزما ببث جميع خطابات المسؤولين كاملة، فالاختصار والاختيار جزء من العمل الإعلامي. لكن المسألة تتغير عندما يتكرر استبعاد المقاطع الأكثر حساسية، وتتقارب موضوعاتها، ولا تقدم المؤسسة تفسيرا منفصلا ودقيقا لكل واقعة.

عندها لا يعود التلفزيون مجرد ناقل للرواية الرسمية، بل يصبح شريكا في إنتاجها، ويقرر أي مواقف للرئيس ورؤساء السلطات تنسجم مع الصورة التي يريد عرضها عن الدولة.

ولهذا لا تتعلق المواجهة الحالية في النهاية بجملة حذفت من خطاب، أو مقابلة توقف بثها، أو صور قال وزير الخارجية إنها لم تعرض، بل بالسؤال الأكثر حساسية:

هل تتمثل وظيفة التلفزيون الرسمي في نقل مواقف الدولة كما تصدر عن مؤسساتها، أم في تحديد الصورة التي ينبغي للإيرانيين أن يروها عن دولتهم؟

المصدر: الجزيرة + الصحافة الإيرانية

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink