Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicJun 5, 2026👁 0 views

شاهين وصالح وشادي.. ثلاثة مخرجين وثلاث قراءات مختلفة لنكسة 1967

شاهين وصالح وشادي.. ثلاثة مخرجين وثلاث قراءات مختلفة لنكسة 1967

استمعاستمع (10 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
من اليسار: يوسف شاهين وتوفيق صالح وشادي عبد السلام (ىي ام دي بي+وكالات)
أسامة صفارPublished On 5/6/20265/6/2026

كانت هزيمة يونيو/حزيران 1967 زلزالا سياسيا وثقافيا هزّ الأسس التي قامت عليها صورة الدولة المصرية والمجتمع والمستقبل، وقد انشغل السياسيون والعسكريون بتفسير أسباب الانهيار، لكن السينمائيين وجدوا أنفسهم أمام سؤال أكثر صعوبة عن كيفية الانحدار إلى مشهد النكسة.

من بين العشرات الذين عاصروا تلك اللحظة، برز ثلاثة مخرجين مصريين قدم كل منهم إجابة مختلفة تماما للسؤال الصعب، هم يوسف شاهين وتوفيق صالح وشادي عبد السلام.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

جمعهم حب الوطن والحلم ورفض الهزيمة، فحولوا ذلك كله إلى مواد فنية، لكن كلا منهم اختار طريقا مختلفا، فقد بحث شاهين عن جذور الهزيمة في المجتمع والدولة، ورأى فيها توفيق صالح انهيارا للإرادة الجماعية العربية، بينما ذهب شادي عبد السلام إلى البحث في الهوية والذاكرة التاريخية.

يوسف شاهين و الهزيمة المبكرة

بالنسبة ليوسف شاهين، لم تكن الهزيمة مفاجأة أو حدثا منفصلا عن السياق، وإنما جاءت نتيجة طبيعية لمسار طويل من التآكل الداخلي، لذلك حين أراد تناولها، لم يذهب مباشرة إلى جبهة القتال، وإنما عاد إلى المجتمع نفسه للبحث عن اللحظة التي بدأ فيها الانكسار.

فيلم "الأرض" للمخرج يوسف شاهين (آي ام دي بي)

في فيلم "الأرض" عام 1969، المقتبس عن رواية عبد الرحمن الشرقاوي، وبطولة محمود المليجي وعزت العلايلي، والذي جاء بعد عامين فقط من النكسة، لا تظهر إسرائيل ولا تظهر الحرب، بل تدور الأحداث في قرية مصرية خلال ثلاثينيات القرن العشرين، حيث يحاول الفلاحون الدفاع عن أرضهم في مواجهة سلطة تسعى إلى انتزاعها منهم، لكن الفيلم لا يُقرأ بعد عام 1967 باعتباره دراما ريفية فقط.

في المشهد الأشهر من الفيلم، يُربط محمد أبو سويلم (محمود المليجي) بحبل وتجره قوات السلطة فوق التراب بينما يتمسك بالأرض بكل ما تبقى لديه من قوة، تقترب الكاميرا من الجسد الممزق ومن اليدين اللتين تحاولان التشبث بالطين، ورغم أن المشهد لا يحمل خطابا سياسيا، فإنه كان صورة رمزية لفقدان الأرض نفسها.

إعلان

ورغم مرور السنوات، لا يزال هذا الفيلم قادرا على تحريك مشاعر المشاهد العربي والفلسطيني -بشكل خاص- إذ يتشبث بأرضه، ويواجه المجازر في سبيل ذلك.

مشهد من فيلم "الأرض" (آي إم دي بي)

ثم جاء فيلم "العصفور" عام 1972، وهو من أوائل الأفلام المصرية التي تناولت هزيمة يونيو/حزيران 1967 بصورة مباشرة وجريئة، لكن شاهين لم يركز على المعركة العسكرية بقدر ما ركز على ما يجري خلفها.

يتابع الفيلم شبكة من الفساد والسرقات واستغلال النفوذ التي تنخر مؤسسات الدولة، بينما يقاتل الجنود على الجبهة. لا تأتي الذروة في مشهد قتال، بل في النهاية الشهيرة عندما تعلن إذاعة القاهرة تنحي جمال عبد الناصر، فتخرج الجماهير إلى الشوارع، وبينها تقف "بهية"، المرأة الشعبية التي أصبحت أحد أشهر رموز السينما المصرية، وتطلق صرختها: "لأ… حنحارب".

لم تكن صرختها مجرد جزء من حوار الفيلم، فقد جسدت اللحظة التي ينقل فيها شاهين الهزيمة من مستوى الدولة إلى مستوى الشعب، ليتحول الانهيار الذي أصاب المؤسسات السياسية والعسكرية إلى ميلاد إرادة لدى الناس العاديين، ليظل ذلك المشهد حيا في الذاكرة الجماعية أكثر من الخطب السياسية في تلك المرحلة.

وتوحي أفلام شاهين أن الهزيمة لم تبدأ على حدود سيناء، بل بدأت داخل المجتمع نفسه، إذ ربط فيلم "العصفور" بين الفساد الداخلي وهزيمة يونيو/حزيران 1967.

إذا كان شاهين قد بحث عن جذور الهزيمة داخل مصر، فإن توفيق صالح وسّع الدائرة إلى العالم العربي كله، وفي فيلمه "يوميات نائب في الأرياف" عام 1968، المقتبس عن رواية توفيق الحكيم، يرسم صالح صورة لمجتمع تبدو فيه مؤسسات الدولة عاجزة عن تحقيق العدالة أو فهم الناس الذين تحكمهم.

لقطة من فيلم المخدوعون للمخرج توفيق صالح (آي إم دي بي)

هو لا يتحدث عن عام 1967 مباشرة، بل يعرض نظاما يبدو هشا من الداخل، وكأن الهزيمة كانت كامنة في بنيته منذ البداية، لكن الاستجابة الأعمق والأكثر قسوة أتت من المخرج نفسه عبر فيلم "المخدوعون" عام 1972، المقتبس من رواية غسان كنفاني "رجال في الشمس".

يحكي الفيلم قصة ثلاثة فلسطينيين يحاولون عبور الحدود بحثا عن فرصة للحياة، ويختبئون داخل صهريج مياه فارغ تحت شمس الصحراء الحارقة للعبور بين الدول العربية، ومع مرور الوقت يختنقون جميعا ويموتون.

لكن الفيلم لا ينتهي عند اكتشاف الجثث، إذ يقف سائق السيارة "أبو الخيزران" أمام الصهريج ويصرخ في واحدة من أشهر النهايات في تاريخ السينما العربية "لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟"، وهو سؤال موجّه إلى الموتى ظاهريا، لكنه في الحقيقة موجّه إلى الأحياء.

لماذا صمتوا؟ لماذا لم يحتجوا؟ لماذا قبلوا المصير الذي قادهم إلى الاختناق؟ هنا تتحول الهزيمة من حدث عسكري إلى حالة وجودية وأخلاقية.

لم تكن المشكلة أن الرجال قد ماتوا، بل أنهم لم يقاوموا الموت عندما كان ذلك لا يزال ممكنا. وقد اكتسب هذا السؤال قوة إضافية بعد عام 1967، إذ اتسع نطاقه ليقرأه النقاد باعتباره نقدا لحالة عربية. ولهذا بقيت الصرخة الأخيرة تتردد في الثقافة العربية عقودا ولخصت ملامح مرحلة كاملة.

إعلان

تختلف رؤية توفيق صالح عن رؤية شاهين، فالهزيمة عنده ليست فسادا أو سوء إدارة، بل هي انهيار في الإرادة الجماعية وصمت طويل انتهى بالاختناق.

شادي عبد السلام وأزمة الهوية

اختار شادي عبد السلام طريقا أكثر غرابة وبعدا عن الحدث المباشر بفيلمه "المومياء: الليلة التي تُحصى فيها السنون" عام 1969. يعود شادي إلى نهاية القرن التاسع عشر، حين تكتشف السلطات المصرية أن إحدى القبائل تعيش على سرقة المومياوات الفرعونية وبيعها للأجانب.

ورغم أن الفيلم لا يتناول هزيمة يونيو/حزيران 1967 مباشرة، إلا أنه ينشغل بأسئلة الهوية المصرية التي برزت بقوة بعد هزيمة 1967.

لقطة من فيلم "المومياء" للمخرج شادي عبد السلام(أي إم دي بي)

يقف البطل "ونيس"، الشاب المنتمي إلى القبيلة، أمام اختيار صعب بين أن يستمر في تجارة أجداده أو أن يحافظ على التراث الذي ورثه، ولا يعتمد المشهد الأكثر أهمية على الحوار تقريبا، إذ ينزل ونيس ليلا إلى الخبيئة التي تضم المومياوات، ويواجه وجوها فرعونية ساكنة تبدو كما لو أنها ما زالت حية.

تتحرك الكاميرا ببطء شديد، ويسيطر الصمت على المكان. لا حدث، لكن كل شيء يحدث على مستوى المعنى، خاصة حين يولد السؤال الحقيقي، وهو من "نحن"؟ وهل "نحن" امتداد لهذه الحضارة أم مجرد سماسرة يبيعونها قطعة قطعة؟ وفي نهاية الفيلم، حين تُنقل المومياوات عبر النيل، يصور شادي المشهد كما لو كان جنازة وطنية مهيبة.

تبدو استعادة الآثار انتصارا، لكنها تكشف أيضا حجم ما فُقد، لهذا لم ير شادي أن الهزيمة أزمة سياسية أو عسكرية بالأساس، بل أزمة هوية لأمة لا تعرف تاريخها، أو لا تعطيه قيمة، ومن لا تستطيع أن تبني مستقبلا مستقرا.

تبدو أفلام المخرجين الثلاثة كأنها حوار طويل حول هزيمة واحدة، يسأل يوسف شاهين عن فساد المجتمع الذي انتشر حتى أصبحت الهزيمة ممكنة؟ ويصرخ توفيق صالح متسائلا عن الصمت الذي وصل بالإنسان العربي إلى العجز؟ أما شادي عبد السلام فيطرح السؤال بحزن: ماذا يحدث لأمة تفقد صلتها بتاريخها وهويتها؟

ولذلك لم يقدم هؤلاء المخرجون تفسيرا واحدا لهزيمة يونيو/حزيران 1967، بل قدموا ثلاث طبقات مختلفة لفهمها: من الأرض عند شاهين، إلى الصهريج عند صالح، إلى المومياوات عند شادي، تحولت الهزيمة من حدث عسكري إلى سؤال مفتوح حول المجتمع والإنسان والهوية، وربما لهذا السبب ما زالت أفلامهم قادرة على إثارة النقاش بعد أكثر من نصف قرن على تلك اللحظة التي غيرت تاريخ المنطقة.

المصدر: الجزيرة

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink