Categories
خرمشهر.. كيف تستخدم الموسيقى كسلاح في وقت الحرب؟
خرمشهر.. كيف تستخدم الموسيقى كسلاح في وقت الحرب؟
مع تصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وبينما أصوات الصواريخ والمقاتلات الحربية تعلو على ما سواها، استدعى الإيرانيون سيمفونية “خرمشهر” التاريخية لإحياء روح المواجهة وعدم الاستسلام.اقرأ المزيد
وحسب حلقة 2026/7/19 من برنامج "غاليريتا" الذي تبثه منصة الجزيرة 360 ويمكنكم مشاهدتها كاملة على هذا الرابط، فإن هذه السيمفونية تحديدا، لم تكن مقطوعة عادية لأنها خرجت من رحم الحرب.
ففي سبتمبر/أيلول 1980، عندما بدأت الحرب العراقية الإيرانية، كانت مدينة خرمشهر الحدودية واحدة من أول وأهم ساحات القتال وأهمها بين الجانبين. ففي هذه المدينة، لم تكن الحرب تقليدية بين جيشين وإنما كانت حرب شوارع بكل ما تحمله الكلمة وكانت خسائرها فادحة في الجانبين، وانتهت بتدمير المدينة وخضوعها للسيطرة العراقية لمدة عامين.
وفي مايو/أيار 1982، استعاد الإيرانيون المدينة بعد عملية عسكرية واسعة أحدثت تحولا مفصليا في المواجهة لأنها منحت القيادة الإيرانية دفعة معنوية جعلتها قادرة على مواصلة الحرب لـ6 سنوات تالية.
هذه الحرب جعلت خرمشهر رمزا للنضال الوطني الإيراني حتى إن شوارعها المدمرة أصبحت مزارات، ولإبقاء الشعور بمقاومة المدينة حيًّا في الذاكرة، قرر الموسيقار مجيد انتظام تأليف سيمفونية حاول من خلالها نقل ما حدث إلى الأجيال الجديدة عبر الموسيقى.
وهكذا، خرجت ملحمة خرمشهر الموسيقية التي حاول انتظام من خلالها نقل ما عاشته المدينة خلال الحرب من توتر ودراما وحزن وصولا إلى لحظة الانتصار، وهو المقطع الذي يجري تداوله اليوم خلال الحرب الأمريكية على إيران.
ويمكن القول إن هذا النوع من الموسيقى التاريخية لا يموت بمرور السنوات، لأنه يظل باقيا كأحد وجوه الذاكرة الوطنية التي يجري استدعاؤها في لحظات المواجهة المصيرية.
ولم تكن إيران استثناء في هذا الأمر، ففي 9 أغسطس/آب 1942، وبينما كانت مدينة ليننغراد الروسية محاصرة من القوات الألمانية حتى أصبح تناول الجثث رفاهية، ارتدت مجموعة من الموسيقيين الروس حللها الرسمية وحملوا آلاتهم وتوجهوا إلى قاعة "فيلهارموني"، وعزفوا سيمفونية ديمتري شوستاكوفيتش التي بدأ تأليفها مع بداية الحصار الألماني.
وخارج القاعة، كانت مكبرات الصوت تبث صوت الموسيقى في كل مكان، وبدأ الناس يستمعون إليها وهم يجلسون فوق ركام بيوتهم وأحيائهم المدمرة وداخل الملاجئ، بل إن الجنود الألمان أنفسهم كانوا يستمعون وهم على خطوط المواجهة.
ولم يكن العزف في تلك اللحظات الصعبة والفاصلة في تاريخ الروس نوعا من الرفاهية بقدر ما كان سلاحا في مواجهة العدو، وتعبيرا عن الصمود، إذ كثيرا ما يُستدعى صوت الماضي لمواجهة رعب الحاضر.
فلطالما كانت الطقوس الجماعية قادرة على التعامل مع السياقات المجتمعية المختلفة من فقدان وخوف وحزن وفرح وهزيمة وانتصار، كما هي حال الطقوس الجنائزية التي تحاول توزيع الشعور على الجماعة بدلا من تحميله لفرد واحد.
وفي العالم الحديث، أصبحت الموسيقى واحدة من أهم أدوات التعامل مع المشاعر الجماعية، خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية التي دفعت مشاهدها المأساوية الموسيقيين الأوروبيين لتقديم شكل جديد من السيمفونيات بعيدا عن الأشكال التقليدية.
فقد كان الموسيقيون يحاولون التعبير عن المدن المدمرة والذكريات التي محتها الحرب، وعن مئات آلاف البشر الذين قضوا في مشاهد مرعبة بلغت ذروتها عندما قرر الأمريكيون استخدام القنبلة النووية ضد اليابانيين لأول وآخر مرة في التاريخ.
وبسبب تأثيرات الحرب، أصبحت موسيقى ما بعد عام 1945، تعتمد بشكل أكبر على التوتر الذي يحاول نقل شعور الحرب والموت والخراب إلى أولئك الذين لم يعايشوه حقيقة.
ما بعد الحرب العالمية الثانية
وربما كانت مقطوعة "مرثية لضحايا هيروشيما"، التي ألفها الموسيقار البولندي كريستوف بنديريتسكي، عام 1960، أبرز تجليات سيمفونيات ما بعد الحرب العالمية الثانية، كونها واحدة من أكثر المقطوعات ارتباطا بالصدمة النووية التي حدثت خلال القرن الماضي.
فالموسيقار البولندي لم يحاول إعادة سرد ما حدث، لكنه حاول نقل شعور الثقل والفراغ والانهيار الذي خلفته القنبلة على الضحايا، حتى يشعر المستمع بما شعر به أولئك الناس في تلك اللحظة المأساوية من التاريخ.
ومن أجل إيصال أصوات ذوبان الضحايا واحتراق الجدران بفعل الإشعاع، ابتعد بنديريتسكي عن القواعد الموسيقية التقليدية، فجعل العازفين يضربون على أخشاب الآلات الموسيقية ويعزفون ما يشبه صفارات الإنذار بأعلى طبقات الموسيقى.
فالفن في مثل هذه الحالات لا يبحث عن إمتاع الجماهير وإنما يهدف لإيقاظهم وتحفيز شعورهم بالكارثة، كنوع من التوثيق الحسي للتاريخ، من خلال تفكيك الموسيقى للتعبير عن تفكك العالم.
وفي الوطن العربي، لم تكن الموسيقى غائبة عن التحولات التاريخية، وإن بطريقة مختلفة عما كان في أوروبا، حيث شهدت خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ولا سيما في مصر، خلال فترة المد القومي على يد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
وعلى عكس الأوروبيين الذين حاولوا تفكيك الصدمة من خلال الموسيقى، حاول العرب إعادة صياغة الصدمة اعتمادا على إيقاع سريع وواضح ومفهوم للجميع، ومن ذلك مقطوعة "فرحة النصر"، التي ألفها الموسيقار محمد عبد الوهاب في الذكرى الـ14 لثورة 23 يوليو/تموز 1952، التي أنهت الحكم الملكي في البلاد.
فمن خلال هذه المقطوعة التي حملت كثيرا من الزهو الوطني، حاول عبد الوهاب تأكيد قدرة الأمة على بناء مستقبلها بصوت عال وواثق.
وبعد هزيمة يونيو/حزيران 1967، لم يكن الشارع قادرا على تلقي مقطوعات طويلة تعبر عن شعوره بالألم، وإنما كان بحاجة لتعبير مختصر وواضح أيضا، وهو ما ظهر في أغنية "عدى النهار" التي عبرت بوضوح عن الهزيمة لكنها أكدت عدم الاستسلام، وبالصوت نفسه الذي تغنى بالإنجازات، عبد الحليم حافظ.
وخلال حرب الاستنزاف التي خاضتها مصر بين هزيمة 1967 وانتصار أكتوبر/تشرين الأول 1973، كانت الأغنيات الوطنية تنجز بسرعة، وتحمل رسائل سياسية شديدة الوضوح، ومثال ذلك أغنية "أصبح عندي الآن بندقية.. إلى فلسطين خذوني معكم"، التي غنتها أم كلثوم، عام 1969، والتي أعلنت التمسك بالمقاومة بشكل لا لبس فيه.
وعلى عكس أغنيات أم كلثوم الطويلة، ظهرت الأغنية المختصرة في جملها، السريعة في انتقالاتها كنوع من التعبير عن استعجال الحرب، وهو ما فعله عبد الحليم حافظ في أغنيات أخرى أيضا، وكلاهما شارك بإيراداته لدعم المجهود الحربي، حتى بدا الغناء كأنه نوع من إبقاء الناس في حالة انتظار دائم للحرب التي أكدت هذه الأغنيات أنها قادمة لا محالة.
لذلك، يمكن القول إن الموسيقى، وبالأخص الأوركسترالية، هي الوسيلة الأسرع لتحويل الشعور الفردي إلى حالة جماعية، ونقل لحظات التاريخ بكل ما فيها من فخر وانتصار وانكسار وألم، إلى الحاضر، في أوقات المواجهة؛ وهو ما يفسر إعادة الإيرانيين استخدام سيمفونية خرمشهر مجددا في خضم الحرب.
Published On 19/7/202619/7/2026حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylinkالمصدر: الجزيرة