Categories
حرب تموز 2006.. مواجهة مفصلية صاغت "عقيدة الضاحية"
حرب تموز 2006.. مواجهة مفصلية صاغت "عقيدة الضاحية"
استمعاستمع (15 دقيقة)حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesحرب شنتها إسرائيل على لبنان في 12 يوليو/تموز 2006، بعد عملية نفذها حزب الله في المنطقة الحدودية أسفرت عن أسر جنديين إسرائيليين وقتل 3 آخرين، بهدف عقد صفقة لتبادل الأسرى. تسميها تل أبيب "حرب لبنان الثانية"، واستمرت 33 يوما، قتلت فيها إسرائيل نحو 1300 لبناني، قبل أن تنتهي بوقف إطلاق النار بموجب القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي.
تُعدّ حرب تموز من أبرز محطات الصراع بين حزب الله وإسرائيل، إذ ينظر لها بوصفها رسمت قواعد الاشتباك بين الطرفين، لينبثق عنها إسرائيليا ما يعرف بـ"عقيدة الضاحية"، مقابل قوة ردع موازية من حزب الله.
وخلال الحرب، فرضت إسرائيل حصارا جويا وبريا وبحريا على لبنان، وشملت أهدافها مواقع تابعة لحزب الله، إلى جانب بنى تحتية مدنية وجسور وطرق ومرافق حيوية، بحصيلة بلغت نحو 15,500 طلعة جوية، وفق مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
اشتهرت الحرب بضراوة اشتباكاتها البرية، إذ تمكن مقاتلو حزب الله من إلحاق خسائر كبيرة بصفوف القوات الإسرائيلية المتوغلة، مما أعاق سيطرتها على عدد من البلدات الحدودية كبنت جبيل وعيتا الشعب وميس الجبل والعديسة.
صبيحة 12 يوليو/تموز 2006، نفذ مقاتلو حزب الله عملية في المنطقة الحدودية بين لبنان وإسرائيل، استهدفت دورية إسرائيلية قرب الحدود. وجاءت العملية على مرحلتين؛ إذ بدأ الحزب بقصف تكتيكي مكثف استهدف أحد المواقع العسكرية بصواريخ الكاتيوشا، بهدف تشتيت انتباه القوات الإسرائيلية، قبل أن يهاجم دورية عسكرية على طول الحدود، مما أسفر عن أسر جنديين إسرائيليين، ومقتل ثلاثةٍ، وإصابة اثنين آخرين.
وأطلق حزب الله على العملية اسم "الوعد الصادق"، معلنا أن هدفها هو دفع إسرائيل إلى الدخول في مفاوضات غير مباشرة تفضي إلى إبرام صفقة لتبادل الأسرى.
إعلانوفي أعقاب الأسر، فعّل الجيش الإسرائيلي "بروتوكول هانيبال"، وهو إجراء عسكري يهدف إلى منع وقوع الجنود في الأسر حتى لو أدى ذلك إلى قتلهم. وبعد ساعات من العملية، توغلت قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية في محاولة لاستعادة الجنديين، غير أن الاشتباكات التي أعقبت ذلك أسفرت عن مقتل خمسة جنود إسرائيليين إضافيين.
العدوان الجوي الإسرائيلي
في اليوم ذاته، بدأت إسرائيل حربا شاملة على لبنان، وأعلن الجيش الإسرائيلي فرضه حصارا جويا وبريا وبحريا كاملا على البلاد "حتى إشعار آخر"، محددا أهدافه بالإفراج غير المشروط عن الجنديين ونزع سلاح حزب الله.
وامتدت الضربات الإسرائيلية لتشمل مواقع قيادة تابعة لحزب الله، إلى جانب استهداف واسع للبنية التحتية اللبنانية، بما في ذلك الطرق الرئيسة، مثل أوتوستراد بيروت دمشق، وعدد من الجسور الحيوية، أبرزها جسر سنيبق الذي يربط مدينة صيدا بجنوب لبنان، وجسر الخردلة الواقع بين مرجعيون والنبطية. كما طالت الغارات محطات لتوليد الطاقة، ومستودعا كبيرا للوقود في منطقة الجيّة، فضلا عن تدمير مبان في الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق واسعة من جنوب لبنان.
كما كثفت الطائرات الإسرائيلية غاراتها على المرافق الحيوية، مستهدفة مطار بيروت الدولي، ومطار القليعات العسكري في شمال لبنان، ومطار رياق في سهل البقاع الشرقي، كما قصفت مقر قناة "المنار" في الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت.
وأسفر العدوان الإسرائيلي عن أكثر من 1300 شهيدا من المدنيين، وما بين 300 و800 مقاتل من حزب الله، إضافة إلى 43 من الجيش اللبناني وقوات الأمن، فضلاً عن آلاف الجرحى.
ووفقًا لمؤسسة الدراسات الفلسطينية، فقد بلغ عدد النازحين نحو مليون شخص، فيما دُمّر قرابة 15 ألف منزل، وتضرر نحو 30 ألف منزل آخر بشكل غير قابل للإصلاح، إلى جانب تدمير واسع للبنية التحتية، ولا سيما الطرق الرئيسية والجسور.
في المقابل، ردّ حزب الله بهجمات صاروخية مكثفة على شمال إسرائيل، مستهدفا مدنا وبلدات عدة، من بينها صفد ونهاريا، كما وصلت صواريخ الحزب إلى حيفا للمرة الأولى في 13 يوليو/تموز، بعد أن توّعد باستهدافها إذا تعرضت الضاحية الجنوبية لضربات إسرائيلية.
وعلى مدى أيام الحرب اعتمد الحزب بصورة رئيسة على صواريخ الكاتيوشا الروسية الصنع، إذ أطلق نحو 3500 قذيفة منها، إضافة إلى نحو 700 صاروخ من طرازات أخرى، أبرزها صواريخ "فجر-5" التي شكّل استخدامها في تلك الحرب أول ظهور قتالي لها ضمن ترسانة الحزب.
كما استخدم صواريخ مضادة للسفن، أبرزها صاروخ "سي-802" (C-802) الصيني الذي استهدف به الفرقاطة الإسرائيلية "الرمح" من طراز "ساعر 5" التي تكلف الواحدة منها أكثر من 250 مليون دولار، ووصف تدميرها بأنه أبرز هيمنة نفسية مبكرة للحزب على مجريات الحرب.
وأسفرت الهجمات مع الاشتباكات البرية على مدى أيام الحرب عن مقتل 121 جنديًا إٍسرائيليا و44 مدنيًا، وإصابة آلاف آخرين. وقدّرت الحكومة الإسرائيلية عدد المنازل المتضررة بنحو 12 ألف منزل، وفقًا لمؤسسة الدراسات الفلسطينية.
وبالتوازي مع العدوان الجوي، شرعت القوات الإسرائيلية منذ الأيام الأولى للحرب في تنفيذ عمليات توغل بري محدودة على طول الشريط الحدودي، قبل أن تتوسع هذه العمليات تدريجيا من حيث المحاور وحجم القوات المشاركة فيها.
إعلانوبعد نحو عشرة أيام من اندلاع الحرب، تقدّمت القوات الإسرائيلية نحو بلدة مارون الراس في القطاع الأوسط من جنوب لبنان، حيث دارت اشتباكات عنيفة مع مقاتلي حزب الله. ورغم تمكنها من السيطرة على البلدة، فإن تقدمها اللاحق باتجاه مدينة بنت جبيل واجه مقاومة شديدة، إذ تعرضت لكمين نصبه مقاتلو الحزب، أسفر عن سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى في صفوفها، مما اضطرها إلى الانسحاب من المدينة في 29 يوليو/تموز.
كما حاولت القوات الإسرائيلية بسط سيطرتها على بلدة عيتا الشعب بعد تدميرها، لكنها لم تنجح في ذلك، وتكرر الأمر في محاور أخرى، من بينها ميس الجبل والعديسة، حيث واجهت مقاومة حالت دون سيطرتها على المناطق.
وفي وادي الحجير، استهدف مقاتلو حزب الله القوات الإسرائيلية المتوغلة بصواريخ "كورنيت" المضادة للدروع، مما أدى إلى تدمير عشرات دبابات "ميركافا" الإسرائيلية، فيما عُرف إعلاميا باسم "مجزرة الميركافا".
وخلال العمليات البرية، بلغ عديد القوات الإسرائيلية المشاركة داخل الأراضي اللبنانية نحو 10 آلاف جندي، إضافة إلى نحو 8 آلاف آخرين داخل إسرائيل للتناوب ودعم العمليات. وفي 7 أغسطس/آب، أعلنت إسرائيل أنها ستعتبر أي مركبة تتحرك جنوب نهر الليطاني تابعة لحزب الله، وبالتالي "هدفا مشروعا" لها، وفسّر ذلك بأنه محاولة لفرض منطقة أمنية خاصة في جنوب لبنان.
بعد أسابيع من بدء الحرب الإسرائيلية على لبنان بدأت فرنسا والولايات المتحدة الأميركية صياغة مشروع قرار يُعرض على مجلس الأمن من أجل الوقف الفوري للأعمال القتالية في لبنان ونشر قوة دولية.
تضمنت المبادرة نزع سلاح حزب الله وتفكيك البنية التحتية العسكرية في الجنوب اللبناني، وهو مطلب إسرائيلي جوهري، وتمكين الجيش اللبناني من بسط سيطرته على الجنوب مع قوة لبنانية داعمة، إضافة إلى الإفراج عن الجنديين الإسرائيليين الأسيرين لدى حزب الله. وبينما أيدت إسرائيل القرار، رفضه لبنان واعتبره داعما لإسرائيل، ولا سيما أنه لم يفرض عليها الانسحاب من الأراضي اللبنانية.
وفي 7 أغسطس/آب 2006، عقد وزراء الخارجية العرب اجتماعا طارئا في بيروت استعرض فيه رئيس الحكومة اللبناني آنذاك فؤاد السنيورة الدمار والمعاناة الإنسانية التي نتجت عن الحرب.
وطالب السنيورة من خلال خطة تبنتها الحكومة اللبنانية بوقف فوري لإطلاق النار وانسحاب إسرائيل خلف الخط الأزرق، وتبادل الأسرى بين الجانبين وتسليم خرائط الألغام وبسط سيطرة الحكومة اللبنانية والدعم العربي لهذه المبادرة.
وعقب الاجتماع، توجه وفد عربي إلى نيويورك ضم الأمين العام لجامعة الدول العربية آنذاك عمرو موسى، ووزير الخارجية القطري حينها الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، ووزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، للمشاركة في جلسة مجلس الأمن المخصصة لبحث الوضع في لبنان في 9 أغسطس/آب 2006.
وسعى الوفد إلى إدخال تعديلات على مشروع القرار الفرنسي الأميركي بما يتوافق مع المبادرة اللبنانية، مطالبًا بوقف فوري لإطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان. كما أجرى الوفد مشاورات مكثفة مع المندوب الفرنسي لدى الأمم المتحدة بشأن مشروع القرار الذي تقدمت به باريس وواشنطن.
وفي 11 أغسطس/آب 2006، اتخذ مجلس الأمن بعد مفاوضات مكثفة القرار 1701 بإجماع أعضائه، في جلسة عقدت لمناقشة أوضاع لبنان والتصويت على مشروع القرار بهدف التوصل إلى وقف كامل وفوري لإطلاق النار.
أبرز بنود القرار 1701
إعلان- الدعوة إلى الوقف التام والفوري للأعمال القتالية.
- مطالبة الحكومة اللبنانية وقوة الأمم المتحدة (اليونيفيل) بنشر قواتهما في مناطق الجنوب فور وقف إطلاق النار، مع مطالبة حكومة إسرائيل بسحب جميع قواتها من جنوب لبنان بشكل مواز مع بدء نشر القوات اللبنانية وقوات الأمم المتحدة.
- بسط سيطرة الحكومة اللبنانية على جميع الأراضي اللبنانية، وممارسة سيادتها عليها وفق أحكام القرار 1559 والقرار 1680 لعام 2006، والأحكام ذات الصلة من اتفاق الطائف، ومنع تداول الأسلحة أو استخدامها دون موافقة الحكومة.
- دعوة المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات فورية لمد الشعب اللبناني بالمساعدة المالية والإنسانية، وتسهيل طريق العودة الآمنة للمشردين، وإعادة فتح المطارات والموانئ تحت سلطة الحكومة اللبنانية، والمساهمة في إعمار لبنان وتنميته.
- يتوجب على الأمين العام وضع مقترحات لتنفيذ الأحكام ذات الصلة الصادرة في اتفاق الطائف والقرارين 1559 و1680 بعد الاتصال مع العناصر الفاعلة، ويتضمن العمل على نزع السلاح وترسيم الحدود الدولية للبنان، ومعالجة مسألة مزارع شعبا، وعرض مقترحات الحلول على مجلس الأمن خلال 30 يوما من صدور القرار.
استخدام القنابل العنقودية
شهد جنوب لبنان خلال حرب تموز قصفا إسرائيليا مكثفا بالذخائر العنقودية، تركز جانب كبير منه في الأيام الأخيرة من الحرب. وذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير لها، أن الضربات الإسرائيلية بالذخائر العنقودية امتدت على مساحة تقارب 1400 كيلومتر مربع شمال نهر الليطاني وجنوبه، وأضافت أن استخدام الذخائر العنقودية في لبنان كان الأوسع من نوعه في العالم منذ حرب الخليج عام 1991.
وقالت المنظمة إنه عقب دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ وعودة السكان إلى منازلهم، وجد كثير منهم أن مساكنهم وأراضيهم باتت تعج بالقنابل غير المنفجرة التي عُثر عليها داخل المنازل، وفي الشوارع والحدائق، وعلى أسطح المباني وشرفاتها، وحتى بين الأشجار والأسوار.
وقدّر مركز الأمم المتحدة لتنسيق مكافحة الألغام في جنوب لبنان أن إسرائيل استخدمت قذائف مدفعية وصواريخ أرضية وقنابل جوية عنقودية احتوت مجتمعة على ما بين 2.6 ملايين و4 ملايين قنبلة صغيرة.
وخلال حرب تموز، انتهج الجيش الإسرائيلي لأول مرة ما سمي بـ"عقيدة الضاحية"، وهي استراتيجية عسكرية تعتمد على الردع عبر استخدام القوة المفرطة، وتنتهج قتل المدنيين والتدمير الكامل للبنية التحتية المدنية للضغط على الحكومات أو الجماعات المعادية؛ بهدف قلب موازين المعركة لصالحها.
وبعد عامين من الحرب التي شملت هجمات مدمرة على الضاحية وبقية أنحاء لبنان، أكد رئيس القيادة الشمالية الإسرائيلية حينذاك غادي آيزنكوت أن إسرائيل ستواصل استخدام هذه الإستراتيجية في النزاعات المقبلة، وأن "ما حدث في (الضاحية) سيحدث في كل قرية تطلق منها النيران على إسرائيل".
وأضاف "سنستخدم قوة غير متناسبة ونتسبب في أضرار ودمار كبير هناك. من وجهة نظرنا، هذه ليست قرى مدنية، بل قواعد عسكرية"، وأكد أنها "ليست توصية، هذه خطة. وقد تمت الموافقة عليها".
عقب انتهاء الحرب، أوكلت مهمة التحقيق في مجرياتها وتقييمها في الجانب الإسرائيلي إلى لجنة فينوغراد التي سميت بذلك نسبة إلى القاضي الإسرائيلي إلياهو فينوغراد الذي ترأسها. وأصدرت اللجنة تقريرها في 30 يناير/كانون الثاني 2008، الذي يتكون من 600 صفحة، استنادا إلى 74 شهادة قدمها مسؤولون سياسيون وعسكريون وخبراء.
وخلصت اللجنة إلى أن حرب لبنان شكلت "إخفاقا كبيرا وخطيرا" لإسرائيل، لكنها اعتبرت أن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت تصرّف "وفقا لمقاربة مخلصة لمصالح إسرائيل".
وجاء في خلاصات التقرير التي تلاها رئيس لجنة التحقيق فينوغراد في مؤتمر صحافي في القدس أن "هذه الحرب شكلت إخفاقا كبيرا وخطيرا، لقد كشفنا وجود ثغرات خطيرة على أعلى المستويات الهرمية السياسية والعسكرية". كما وجه التقرير انتقاداً إلى الحكومة لفشلها في اختيار نوع الحرب التي تريد خوضها، ولفقدان استراتيجية إنهاء الحرب.
إعلان المصدر: الجزيرة + مراكز الدراسات + منظمة هيومن رايتس ووتششارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylink