Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicSep 10, 2026👁 2 views

غرف الأخبار 2030.. الذكاء الاصطناعي يفعل كل شيء إلا هذا القرار

غرف الأخبار 2030.. الذكاء الاصطناعي يفعل كل شيء إلا هذا القرار

استمعاستمع (9 دقيقة)

حفظ

شارِكْ غرف الأخبار 2030.. الذكاء الاصطناعي يفعل كل شيء إلا هذا القرار على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
إدماج الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار يحظى باهتمام مستمر من المؤسسات الإعلامية ومراكز البحوث (الجزيرة)
أوس هاني القرارعةPublished On 10/9/202610/9/2026|آخر تحديث: 16:22 (توقيت مكة)آخر تحديث: 16:22 (توقيت مكة)

تخيل غرفة أخبار في عام 2030 تستعد لنشر خبر عاجل، لا صحفي يكتب المسودة الأولى، ولا محرر يبحث عن المصادر، ولا فريق يراجع الوثائق، فخلال ثوانٍ، تتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي جمع المعلومات، وربطها، وصياغة الخبر، واقتراح عنوانه، وصورته.  ولكن يبقى سؤال واحد قبل الضغط على زر النشر: من يتخذ القرار الأخير؟

قد يبدو هذا المشهد أقرب إلى الخيال، لكنه لم يعد كذلك، فقد بدأت غرف الأخبار حول العالم بالفعل في دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في مراحل متعددة من العمل الصحفي، من البحث والتحرير إلى تحليل البيانات وإعداد المسودات الأولية.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

وأثناء قراءتي لدراسة "الصحافة في عصر الذكاء الاصطناعي: الفرص والتحديات في دول الجنوب العالمي والاقتصادات الناشئة"، التي أعدها البروفيسور داميان رادكليف ونشرتها مؤسسة تومسون رويترز عام 2025، لم يكن أكثر ما استوقفني أن هذه الدراسة شملت 221 صحفيا ومحررا من أكثر من 70 دولة، أو أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءا من الممارسة اليومية في كثير من غرف الأخبار، بل السؤال الذي تركته في ذهني: إذا أصبحت الخوارزمية شريكا في إنتاج الخبر، فمن سيبقى صاحب القرار التحريري الأخير؟

عندها أدركت أن السؤال لم يعد: هل سيدخل الذكاء الاصطناعي غرفة الأخبار؟ لأنه أصبح أمرا واقعا، بل السؤال الحقيقي هو: إذا كانت الخوارزميات تشارك اليوم في البحث، والتحرير، وتحليل البيانات، وصياغة المسودات الأولى للأخبار، فأين ينتهي دورها، وأين تبدأ مسؤولية الإنسان؟

إذا أصبحت الخوارزمية شريكا في إنتاج الخبر، فمن سيبقى صاحب القرار التحريري الأخير؟ (شترستوك)

لو سألت أي صحفي قبل خمس سنوات عما إذا كان يقبل أن يكتب الذكاء الاصطناعي مسودة خبره، فربما كان سيبتسم ساخرا. أما اليوم، فالسؤال لم يعد: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكتب الخبر؟ بل: إلى أي مدى أصبح يشارك فعلا في صناعته؟

كيف دخل الذكاء الاصطناعي إلى غرف الأخبار؟

حين بدأت أبحث عن الإجابة، اكتشفت أن الذكاء الاصطناعي لم يدخل غرفة الأخبار من الباب الرئيسي، ولم يحاول منذ البداية أن يحل محل الصحفي. بدأ من حيث لا يعترض أحد؛ ففرّغ المقابلات، وترجم النصوص، ولخص الوثائق، وساعد في تحليل البيانات، ثم انتقل بهدوء إلى اقتراح العناوين وصياغة المسودات الأولى، ومع كل مهمة جديدة كان يثبت أنه يوفر الوقت أكثر مما ينافس الإنسان.

إعلان

ولم يكن ذلك مجرد انطباع شخصي، فدراسة داميان رادكليف أظهرت أن الصحفيين في العالم يستخدمون الذكاء الاصطناعي أساسا في هذه المهام المساندة، بينما بقيت مسؤولية النشر والقرار التحريري في يد الإنسان. هنا بدأت أفهم أن القضية لم تعد تتعلق بقدرة الآلة على الكتابة، بل بالحدود التي يرسمها الإنسان لدورها داخل غرفة الأخبار.

وعندما انتقلت من الدراسات إلى الوثائق الرسمية، وجدت أن المشهد يكاد يكون واحدا في المؤسسات الإعلامية الكبرى. فوكالات رويترز، وأسوشيتد برس ومؤسسة نيويورك تايمز لم ترفض الذكاء الاصطناعي، بل رحبت به، لكنها في الوقت نفسه وضعت خطوطا واضحة لا تسمح بتجاوزها، تستطيع الآلة أن تساعد، وأن تقترح، وأن تختصر الوقت، لكنها لا تمتلك حق الضغط على زر النشر.

هنا توقفت قليلا وسألت نفسي: إذا كانت هذه المؤسسات، وهي الأكثر تقدما في العالم -في نظر البعض- لا تزال تتمسك بالإنسان عند لحظة اتخاذ القرار، فهل السبب أن الذكاء الاصطناعي لا يزال غير قادر أم أن هناك شيئا آخر؟ وكلما تعمقت في القراءة، اكتشفت أن الإجابة لا علاقة لها بسرعة الآلة أو دقتها.

يراجع مسؤولو التحرير النصوص قبل نشرها لأنهم هم من يتحمل المسؤولية أمام القانون وأمام الجمهور (رويترز)

فالقرار التحريري لا يبدأ عندما يُكتب الخبر، بل يبدأ قبل ذلك بكثير، من يقرر أن هذا الحدث يستحق التغطية؟ ومن يوازن بين حق الجمهور في المعرفة وحق الأفراد في الخصوصية؟ ومن يقرر نشر صورة قد تغيّر الرأي العام أو حجبها؟ هذه ليست قرارات تقنية، بل قرارات مهنية وأخلاقية وقانونية.

لماذا يتمسك الإعلام بالإنسان؟

ولهذا السبب ظهر في وثائق المؤسسات الإعلامية مفهوم "Human in the Loop" أو "إبقاء الإنسان داخل الحلقة". ويعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي قد يجمع المعلومات، أو يقترح عنوانا، أو يكتب مسودة أولى، لكنه لا يعمل بمعزل عن الإنسان، ولا يتخذ القرار التحريري بصورة مستقلة، فالمحرر لا يراجع النص لأنه لا يثق في الآلة، بل لأنه هو الذي يتحمل المسؤولية أمام القانون، وأمام المؤسسة، وأمام الجمهور.

وهذا هو أيضا ما تؤكده منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، التي تشدد في إرشاداتها الخاصة بالذكاء الاصطناعي والصحافة على أن استخدام هذه التقنيات يجب أن يظل خاضعا للمساءلة البشرية والشفافية، وأن تبقى القرارات المؤثرة في المصلحة العامة وحقوق الأفراد في يد الإنسان، لا الخوارزمية.

لكن هل سيبقى الأمر كذلك؟

هذا السؤال لم يعد مجرد افتراض، بل أصبح مطروحا داخل غرف الأخبار نفسها، ففي 5 يناير/كانون الثاني الماضي، نشر معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد تقريرا بعنوان "كيف سيعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الأخبار في عام 2026؟" جمع فيه رؤى سبعة عشر خبيرا وقائدا إعلاميا من مؤسسات عريقة، لاستشراف مستقبل غرف الأخبار في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي.

ومن بين المشاركين، ترى روبينا فيليون المديرة المساعدة للمبادرات التحريرية الخاصة بالذكاء الاصطناعي في نيويورك تايمز أن المرحلة المقبلة ستدفع المؤسسات الإعلامية إلى الاستثمار بصورة أكبر في جمع البيانات الجديدة وتحليلها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بدلا من الاكتفاء بإعادة توظيف الأرشيف الصحفي، لأن السبق الصحفي لا يُصنع من المحتوى القديم، بل من البيانات الجديدة القابلة للتحليل والاكتشاف.

تستفيد غرف الأخبار حاليا من الذكاء الاصطناعي في العديد من العمليات التي تسبق قرار النشر النهائي (شترستوك)

أما أولي زخريسون، المحرر الأول لشؤون الذكاء الاصطناعي في بي بي سي فيتوقع أن يشهد العقد المقبل تحولا في طريقة وصول الأخبار إلى الجمهور، مع ازدياد اعتماد المستخدمين على المساعدات الذكية للحصول على الأخبار بدلا من زيارة المواقع الإخبارية مباشرة.

إعلان

وتذهب تيس جيفرز، مديرة بيانات غرفة الأخبار والذكاء الاصطناعي في صحيفة وول ستريت جورنال، إلى تصور أن يمتلك كل صحفي مستقبلا "جمهورا اصطناعيا" يستطيع اختبار العناوين والأفكار والمقدمات عليه قبل النشر، بما يساعد على تحسين المحتوى وفهم احتياجات القراء بصورة أكثر دقة.

كل هذه التصورات أعادتني إلى السؤال الذي بدأت به. ربما لا يكون التحدي الحقيقي في السنوات المقبلة أن تكتب الخوارزمية الخبر، بل أن تصبح قادرة على اتخاذ القرار الذي يسبق نشره.

فإذا أصبحت الآلة قادرة على إنجاز معظم مراحل إنتاج الخبر، فهل يمكن أن تصبح صاحبة القرار التحريري، أم أن المسؤولية ستظل الحد الفاصل الذي يبقي الإنسان في قلب غرفة الأخبار؟

من يملك شجاعة النشر؟

ربما لن يكون السؤال في عام 2030: من كتب الخبر؟ بل: من يمتلك شجاعة اتخاذ قرار نشره؟ فالآلة قد تصبح أسرع، وربما أدق، لكنها لن تصبح رئيسة للتحرير إلا في اليوم الذي تستطيع فيه أن تتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن كل كلمة تنشرها. وحتى ذلك الحين، سيبقى الإنسان، لا لأنه الأذكى أو الأسرع، بل لأنه الطرف الوحيد الذي يمكن مساءلته.

المصدر: الجزيرة

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink