Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicJul 9, 2026👁 0 views

لماذا حزن العرب لخروج مصر من كأس العالم؟

لماذا حزن العرب لخروج مصر من كأس العالم؟

محمد بنصالح

أستاذ العلوم السياسية والاجتماعية والتاريخ السياسي وتاريخ الأفكار والذهنيات، ورئيس معهد غرناطة للبحوث والدراسات المتقدمة، في إسبانيا.

Published On 9/7/20269/7/2026|آخر تحديث: 14:01 (توقيت مكة)آخر تحديث: 14:01 (توقيت مكة)استمعاستمع (11 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
لاعبو منتخب مصر يعترضون على قرارات الحكم فرانسوا لوتيكسييه (رويترز)

سؤال قد يبدو غريبا وربما مستهجنا، إذ يقتضي المنطق أن يحظى منتخب عربي الانتماء الجغرافي والثقافي والسياسي بدعم جميع العرب، وأن يثير خروجه من المونديال، خاصة بالطريقة التي رأيناها، شجونا في كل البلاد على امتداد صدى لغة الضاد.

ليس القصد هنا تحليل الأخطاء الفنية أو التحكيمية أو التكتيكية التي تسببت في تحول دراماتيكي في نتيجة مباراة بدت محسومة للمنتخب المصري قبل دقائق قليلة من نهايتها، فذاك مجال له أهله ولا مجال لأن يفتي فيه غير المختصين، بيد أن المبتغى هو فهم الأسباب الثاوية خلف قدرة مباراة كرة قدم على إثارة هذا القدر الكبير من الجدل والنقاش والتعاطف والتضامن والحسرة والمرارة.

رياضيا، الهزائم لا تتشابه، إذ لا مجال للمقارنة بين هزيمة تعكس فوارق كبيرة في الأداء والإمكانات، وبين خسارة تخالف فيها مجريات المباريات كل التوقعات فيتجاوز العطاء سقف الطموحات، وتستعد الجماهير إلى نظم الحلم الجماعي في قصيدة غبطة تروي أسعد الحكايات.

غير أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة للتنافس في حدود المستطيل الأخضر، ففي سياق تعولم الفرجة الرياضية، غدت كرة القدم نظاما اقتصاديا مبنيا على إحدى أقوى الصناعات الترفيهية في العالم، خاصة مع ما شهدته من تطور كبير على مستوى اتساع القاعدة الجماهيرية وتضخم التمثلات الشعبية للاعبين والفرق والأندية، وتحول اللاعبين والمدربين إلى "نجوم" وعلامات رقمية (Digital Brands) في اقتصاد تراكمي يقدر حجمه السنوي بعشرات المليارات من الدولارات.

وفضلا عن ذلك، فإن اقتصاد كرة القدم والبطولات الكبرى مدعوم بمنظومة إعلامية ورقمية جاذبة وجارفة، تعمل على تطوير هذه الصناعة الترفيهية وانتشارها، وتوسيع مجالات تأثيرها، وتحرص على تضخيم القيمة المالية لنجومها في سوق الانتقالات ذي الأرقام الفلكية، وعلى ترسيخ نجوميتهم وقيمتهم الاعتبارية في الوعي العام للمجتمعات المعاصرة وخرائطها الذهنية.

إعلان

هكذا أضحت كرة القدم فضاء لإنتاج المال والمعنى ومسرحا لصناعة الأمم لصورتها أمام ذاتها من خلال قياس قدراتها مقارنة بغيرها، ولذلك باتت ظاهرة اقتصادية وسوسيولوجية معقدة تعكس جزءا من ثقافة المجتمع وقيمه وتوجهاته وتحدياته، وتتداخل فيها العلامات الثقافية وعلاقات القوة الناعمة والصلبة في سياق التنافس على ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو "رأس المال الرمزي"، في صيغة تبدو أقرب إلى الصياغة الأنثروبولوجية التي اعتمدها الأنثروبولوجي الأمريكي كليفورد غيرتز لمفهوم رائد النفعية الكلاسيكية جيريمي بنثام حول "اللعب العميق" (Deep play)، حيث تتحول اللعبة إلى ممارسة اجتماعية ذات معانٍ وأبعاد ثقافية عميقة.

وهنا تظهر قوة تأثير كرة القدم وبطولاتها الكبرى في سباق السعي إلى كسب الاحترام والاعتراف والمكانة الرمزية في الوعي الدولي.

إن أهم المكاسب التي يمكن أن تجنيها المجتمعات العربية من المونديال هي أولا الإيمان بالذات وبقدرتها على تحدي قوة "الآخر"، وثانيا تقوية الشعور العميق بالانتماء المشترك وبالأخوة التي تتجاوز الجغرافيا، والانتصار على محاولات بث الفرقة بين الشعوب العربية

كرة القدم والمخيال العربي الجمعي

في هذا السياق، يمكن فهم التحول البنيوي في علاقة كرة القدم بالجمهور، حيث باتت حدثا اجتماعيا يعيد ترتيب العلاقات بين أفراد المجتمع الواحد، أو بين مجموعة من المجتمعات، فيمنحهم فرصة مع كل مباراة لإعادة إنتاج هوياتهم، وتجديد ترابطهم، وتقوية الانتماء المشترك بينهم، مهما طفت الاختلافات وتباعدت المسافات.

هنا يفرض سؤال التمثيل نفسه بقوة: ما الذي يجعل جماهير غفيرة في العالم العربي تشعر بالأسف والأسى لخروج الفريق الوطني المصري من المونديال؟ وما الذي مثلته مصر رمزيا بالنسبة للمخيال الجمعي العربي في مباراتها مع حامل لقب كأس العالم؟

لقد كان اللاعبون، كما الجماهير المصرية والعربية، شخصيات في قصة جماعية كتبت بمداد التحدي. كان كل هدف مصري فصلا من فصولها، وكان سخاء العطاء لغتها وأسلوبها، وروح الندية بناءها الرمزي وجوهر حبكتها.

ذلك ما يفسر مشاعر الحزن والمرارة، فجزء مهم من القصة انكسر في الدقائق الأخيرة، بينما شعر الجميع بأن الحضور العربي في المونديال قادر على إنتاج معنى يتجاوز كرة القدم، ويحلق عاليا بالقوة الرمزية العربية التي يصنعها المنتخبان المغربي والمصري في المخيال العالمي.

ولأن كل قصة تحتاج إلى سردية تعرض مادتها الحكائية، فلا يمكن فهم مشاعر الغبن والغضب التي عبرت عنها شرائح واسعة من الجماهير العربية بعد خروج مصر من المونديال، إلا باستحضار شواهد الظلم والتحيز في مونديالات السياسة والاقتصاد والثقافة، والتي تتدثر بشعارات العدالة والمساواة بينما تتسم بازدواجية المعايير في السياسة الدولية والانحياز ضد القضايا العربية العادلة، وباستضمار الشعوب العربية مشاعر الظلم والإجحاف الناتجة عن الصمت الدولي أمام الجرائم الإسرائيلية وتجاهل المعاناة الفلسطينية والتنكر لحق الشعب الفلسطيني في دولته الحرة المستقلة، في خرق سافر ومستمر للمواثيق والقوانين الدولية، وفي غياب تام للعدالة والقانون الدولي والديمقراطية البينية في العلاقات الدولية.

إعلان

إن الشعور بالظلم والضعف أمام القوى الكبرى في الزمن السياسي الحديث لا يقتصر على السياسات الدولية، أو على تغول القوى الاقتصادية الكبرى والطبقات فاحشة الثراء، وإنما يمتد منذ عقود إلى كرة القدم وبطولاتها الكبرى، حتى ترسخت القناعة بأن المهم هو المشاركة في هذه البطولات وأن الهزيمة هي النتيجة "المنطقية" للمنتخبات العربية أمام المنتخبات "العالمية" القوية.

لقد فهم أنطونيو غرامشي قواعد اللعبة منذ عقود، حين اعتبر أن الهيمنة لا تفرض بالقوة وحدها، مثيرا الانتباه إلى الهيمنة التي تقوم على الرضا حين تمتلك القدرة على جعل رؤية معينة للعالم بديهية ومقبولة من الجميع.

غير أن التألق المغربي في مونديال قطر 2022 كسر هذا الوهم، فباتت المنتخبات والجماهير العربية ترى في الوصول إلى أدوار متقدمة مسألة ممكنة، وكأنها فهمت أن أخطر أشكال الهيمنة ليست في انتصار المنتخبات الكبرى، أو في تاريخ ألقابها، أو في قوة لاعبيها، وإنما في اعتقاد الجميع بأن انتصارها هو النتيجة الحتمية والطبيعية.

وهنا حصل التحول المفصلي المهم، فتواصل التألق المغربي لمونديال 2022، بتألق مغربي مصري في مونديال 2026، لأن العرب فهموا أن الفوز يمر أولا عبر الانتصار على وهم تفوق "الآخر"، وأن تحقيق الانتصار في الميدان سيعيد توزيع المعنى خارجه، متجاوزا ثنائية المركز والأطراف وكاسرا احتكار المركز لصورة القوة والهيبة والهيمنة.

من المهم أن نتذكر أن الخسارات أفضل معلم لتجاوز الخيبات والعثرات، وأن نعتبر أن حلم المنتخب المصري لم يتبخر، فهو فقط تأجل

منصات التواصل الاجتماعي وإشكالية الاستقطاب بين جماهير كرة القدم

تابعت مباريات المنتخب المصري من الرباط، وكنت شاهدا على الفرح العارم للمغاربة بالتألق المصري خلال المونديال الحالي، وتعبيرهم عن الغبطة مع كل هدف مصري وإطلاق العنان لأبواق سياراتهم مع كل فوز. وكان الأمر طبيعيا أن يفرح المتابعون العرب لفوز المنتخبات العربية، وأن يحزنوا لخروج من غادر المنافسة منها، في اتساق مع ما يقتضيه الوجدان المشترك والوعي المشترك والذاكرة المشتركة للشعوب العربية.

غير أن بعض ما نراه عبر وسائل التواصل الاجتماعي يحث على الحيطة والحذر من خطورة هذه المنصات التي تسعى إلى "خلق واقع" بديل للواقع الحقيقي. فخطابات الاستقطاب ومزايدات الفضاءات الافتراضية جعلت الواقع الموازي يطغى أحيانا على الحقيقة في عالم بات يوصف بعالم ما بعد الحقيقة.

مصطلح "ما بعد الحقيقة" الذي يحيل على تراجع دور الحقائق والأدلة الموضوعية في بناء الرأي العام، في مقابل تعاظم دور العواطف والانحيازات الشخصية والانطباعات اللاعقلانية في تشكيل آراء الناس وبناء مواقفهم وقناعاتهم.

ولقد أدرج هذا الاصطلاح في القواميس البريطانية بداية من سنة 2016، واعتبرته دار نشر جامعة أكسفورد (Oxford University Press) "كلمة العام"، بالنظر إلى كثرة استخدامه في وصف طبيعة الخطاب السياسي والإعلامي الذي وسم السجالات السياسية والأيديولوجية بشأن الاستفتاء على انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.

أما اليوم، فقد تزايد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في إنتاج الرأي العام وهندسة المخاييل الجمعية، وغدت الخوارزميات موجِهة لبوصلة الاهتمامات، بفعل تعاظم دورها في الاستقطاب عبر تقنيات وآليات ترويج المحتوى العاطفي القادر على إثارة الجدل والمشاعر، وعلى جذب القدر الأكبر من المشاهدات والإعجابات والتعليقات والمشاركات، بصرف النظر عن ضآلة جودته وجدواه وضحالة صدقه ومصداقيته.

ومع ذلك، وعلى الرغم من قدرة هذه المنصات على إنتاج الضجيج، فإنها تبقى عاجزة عن تجاوز قوة الوجدان الشعبي العربي المشترك، فالضجيج ليس سوى صدى لصراخ تضخمه الخوارزميات في "عصر التفاهة" بتعبير المفكر الكندي آلان دونو، لكنه لا يعبر أبدا عن أصوات العقلاء وضمير الأغلبية الحية من الشعوب العربية.

إعلان

ولذلك، فإن أهم المكاسب التي يمكن أن تجنيها المجتمعات العربية من المونديال هي أولا الإيمان بالذات وبقدرتها على تحدي قوة "الآخر"، وثانيا تقوية الشعور العميق بالانتماء المشترك وبالأخوة التي تتجاوز الجغرافيا، والانتصار على محاولات بث الفرقة بين الشعوب العربية، من خلال إبراز الإرث الحضاري المشترك والروابط الإنسانية والثقافية والدينية والعاطفية واللغوية والتاريخية المشتركة بينها، والعمل على تقويتها والاستثمار فيها.

من أجل ذلك، من المفيد أن نستحضر اكتشاف ألبير كامو في أعماق الشتاء أن في داخله صيفا لا يقهر، ومن المهم أن نتذكر أن الخسارات أفضل معلم لتجاوز الخيبات والعثرات، وأن نعتبر أن حلم المنتخب المصري لم يتبخر، فهو فقط تأجل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink