Categories
هل تفقد الصحف الأمريكية صوتها؟ الافتتاحيات تتراجع تحت ضغط السياسة والاقتصاد
هل تفقد الصحف الأمريكية صوتها؟ الافتتاحيات تتراجع تحت ضغط السياسة والاقتصاد
استمعاستمع (5 دقيقة)حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesلم تكن الافتتاحية في الصحف الأمريكية مجرد مساحة لإبداء الرأي، بل مثلت لعقود صوت المؤسسة الإعلامية ورسالتها تجاه المجتمع، ومنصة لمساءلة السلطة والدفاع عن القضايا العامة.
غير أن هذا التقليد الممتد منذ أكثر من قرن ونصف يواجه اليوم تراجعا غير مسبوق، بفعل ضغوط اقتصادية وتغيرات في سلوك الجمهور واستقطاب سياسي متزايد، ما يثير تساؤلات حول مستقبل أحد أقدم أشكال التعبير الصحفي.
ويستعرض الكاتب كين بولسون، الرئيس السابق لتحرير صحيفة يو إس إيه توداي (USA Today)، في مقال نشره موقع نييمان لاب (Nieman Lab)، كيف تحولت الافتتاحيات من أحد أعمدة الصحافة الأمريكية إلى قسم يتراجع حضوره عاما بعد آخر، حتى بات كثير من المؤسسات الإعلامية يتخلى عنه بالكامل.
صوت الصحيفة لا صوت الكاتب
يفرق بولسون بين المقالات التي يكتبها أصحاب الرأي والافتتاحيات، موضحا أن الأخيرة تمثل الموقف الرسمي للمؤسسة الإعلامية، وتستند عادة إلى تقاريرها وتحقيقاتها، قبل أن تخلص إلى ما تراه في مصلحة المجتمع.
ويشير إلى أن هذا التقليد بدأ عام 1841 عندما استحدث الناشر هوراس غريلي صفحة افتتاحيات مستقلة في صحيفة نيويورك تريبيون (New York Tribune)، للفصل بين الأخبار والآراء، قبل أن يصبح النموذج السائد في الصحافة الأمريكية.
ومنذ ذلك الحين، لعبت افتتاحيات الصحف دورا مؤثرا في دعم قضايا كبرى، من إلغاء العبودية وحقوق المرأة إلى الدفاع عن الحريات المدنية، كما اشتهرت بمواقفها الناقدة للسلطة، حتى عندما كانت تلك المواقف مكلفة سياسيا واقتصاديا.
ويستحضر المقال تجربة الناشرة الأمريكية هازل برانون سميث، التي واجهت في ستينيات القرن الماضي جماعات التفوق الأبيض في ولاية ميسيسيبي عبر افتتاحيات طالبت باحترام القانون والعدالة والمساواة.
إعلاندفعت سميث ثمنا باهظا لمواقفها، إذ تعرضت لتهديدات بالقتل، وأُحرقت مطبعتها، وقوطعت صحيفتها، كما فقد زوجها عمله بسبب مواقفها. لكنها أصبحت عام 1964 أول امرأة تفوز بجائزة بوليتزر عن كتابة الافتتاحيات، لتتحول قصتها إلى أحد أبرز نماذج استقلال الصحافة الأمريكية.
الاقتصاد يغير قواعد اللعبة
لكن المشهد تغير بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، فبحسب المقال، انخفض عدد الأعمال المقدمة لجائزة بوليتزر في فئة الافتتاحيات من 101 مشاركة عام 1995 إلى 25 فقط هذا العام، وهو تراجع دفع الجائزة إلى دمج هذه الفئة مع بقية مواد الرأي.
ويعزو بولسون هذا التراجع إلى قرارات اتخذتها مؤسسات إعلامية كبرى، مثل غانيت، المالكة لـ"يو إس إيه توداي"، ولي إنتربرايزس، بالاستغناء عن افتتاحياتها المحلية، واستبدالها بمقالات رأي موحدة أو أعمدة كتاب من المستوى الوطني.
ويرى أن هذه الخطوة أضعفت ارتباط الصحف بقضايا مجتمعاتها المحلية، إذ باتت الصفحات التي كانت تناقش المدارس والبلديات والإنفاق العام تستبدل بنقاشات سياسية عامة لا تعكس أولويات القراء في المدن والبلدات التي تصدر فيها تلك الصحف.
بين الاستقطاب والاشتراكات
وتقول شركة غانيت إن أحد أسباب هذا التوجه هو أن الافتتاحيات أصبحت من أكثر الأسباب التي تدفع بعض القراء إلى إلغاء اشتراكاتهم، كما نقلت تقارير إعلامية عن عدد من محرريها قولهم إن "القراء لا يريدون من الصحف أن تخبرهم بما يجب أن يفكروا فيه".
غير أن بولسون يرفض هذا الطرح، معتبرا أن الافتتاحيات الجيدة لا تملي على القارئ رأيا جاهزا، بل تعرض الوقائع وتوازن بين الحجج المختلفة قبل الوصول إلى موقف واضح، وهو ما يسهم في إثراء النقاش العام لا مصادرته.
هل ما زال الجمهور يحتاجها؟
ورغم التراجع، يشير الكاتب إلى أن أبحاثا حديثة أجراها مركز بيو للأبحاث أظهرت أن غالبية الأمريكيين لا تزال ترى أن انتقاد وسائل الإعلام للمسؤولين يساعد على منعهم من إساءة استخدام السلطة، وهو ما يعكس استمرار الحاجة إلى الدور الرقابي للصحافة.
ويعتقد بولسون أن المؤسسات الإعلامية تستطيع إحياء هذا التقليد بتكلفة أقل، عبر نشر افتتاحيات عند الضرورة بدلا من إصدارها يوميا، أو إنشاء مجالس رأي تضم شخصيات من المجتمع المحلي، أو التعاون بين المؤسسات الإعلامية لإجراء مقابلات مشتركة مع المرشحين للمناصب العامة، بما يعزز مساءلة المسؤولين ويعيد للصحافة دورها في خدمة المجتمع.
ويخلص المقال إلى أن تراجع الافتتاحيات لا يمثل مجرد تغيير في شكل الصفحات، بل يعكس تحولا في فلسفة العمل الصحفي نفسها، بين مؤسسات تخشى خسارة القراء والإيرادات، وأخرى ترى أن التخلي عن صوتها قد يكلفها شيئا أكثر أهمية، وهو ثقة الجمهور ورسالتها في مراقبة السلطة.
المصدر: نيمان لاب (Nieman Lab)شارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylink