Categories
هل الأزهار أكثر كائنات الطبيعة دهاءً ومكراً؟

هل الأزهار أكثر كائنات الطبيعة دهاءً ومكراً؟
صدر الصورة، OLEKSII KRIACHKO/Getty Images
نعرف جميعاً أن الأزهار جميلة، لكن ربما لا ندرك مدى دهائها.
فنحو 90 في المئة من الأنواع النباتية الحية المعروفة تنتج أزهاراً تؤدي دور أعضاء التكاثر في النبات.
وفي داخل البتلات، توجد الأجزاء الذكرية التي تنتج حبيبات مجهرية تعرف بحبوب اللقاح، وتتكون منها الخلايا الجنسية الذكرية. ويجب أن تنتقل هذه الحبوب إلى الأجزاء الأنثوية في عملية تسمى التلقيح.
ويمكن للنباتات أن تلقح نفسها، إذ تنتقل حبوب اللقاح داخل الزهرة نفسها. لكن معظم الأنواع تنقلها بين أزهار مختلفة، ما يزيد التنوع الجيني.
صدر الصورة، CreativeNature_nl/Getty Images
وتنثر بعض الأزهار حبوب لقاحها عبر الرياح، فيما تعتمد أزهار كثيرة على شكلها ورائحتها وتكيفات مدهشة أخرى لجذب الحشرات والحيوانات الصغيرة، كي تتولى نقل حبوب اللقاح.
فمن دفع النحل إلى إدمان الكافيين إلى إطلاق روائح تشبه اللحم المتعفن، ساعدت هذه الحيل الأزهار على الانتشار والازدهار منذ ظهورها قبل نحو 150 مليون عام.
كيف هيمنت الزهور؟
يقول البروفيسور بيل بيكر، عالم الأحياء وكبير الباحثين في الحدائق النباتية الملكية في كيو، لبرنامج "رير إيرث" على إذاعة بي بي سي، إن "هناك نحو 350 ألف نوع من النباتات التي تنتج أزهاراً".
ويضيف: "النباتات المزهرة قصة نجاح".
تخطى الأكثر قراءة وواصل القراءةالأكثر قراءة- كيف أصبح هيثم حسن حديث الشارع الكروي بعد تألقه اللافت أمام الأرجنتين؟
- كأس العالم: بلجيكا تعادل النتيجة أمام إسبانيا عبر دي كيتيلير
- بوني تايلر... الصوت الأجش الذي غيّر الأغنية العاطفية الصاخبة
- ترامب يوافق على مواصلة المحادثات مع إيران، وطهران تتوعد بقصف إسرائيل رداً على أي هجوم ضد البنية التحتية
وتعد هذه النباتات حديثة الظهور نسبياً على كوكبنا.
وتقول الدكتورة ساندرا ناب، عالمة النبات ومديرة الأبحاث في متحف التاريخ الطبيعي في المملكة المتحدة، إن العالم قبل ظهورها "كان مختلفاً تماماً".
وتقول إن الأرض كانت تهيمن عليها في السابق غابات كثيفة من نباتات مثل السرخسيات الاستوائية والنباتات القديمة الشبيهة بالطحالب، مضيفة: "لقد غيرت النباتات المزهرة العالم بطرق كثيرة".
صدر الصورة، the_burtons/Getty Images
ويرى بعض العلماء أن كثيراً من الأنواع، ومن بينها البشر، ما كانت لتوجد لولا الأزهار.
ويقول ديفيد جورج هاسكل، الكاتب والأستاذ المساعد في علوم البيئة بجامعة إيموري في الولايات المتحدة: "نحن نوع تطور في الأصل في الأراضي العشبية، التي تقوم على نوع متخصص من النباتات المزهرة".
ويضيف: "وقبل ظهور الأزهار، لم يكن هناك نحل أو فراشات أو ثدييات راعية".
ويرى هاسكل أن الأزهار استطاعت أن تحول الحشرات من مصدر إزعاج إلى شركاء متعاونين مع النباتات.
ويقول: "من خلال تواصلها مع الكائنات الأخرى بجمالها وروائحها، ساهمت الأزهار في تطور مجموعات جديدة كلياً من الحيوانات، وغيرت بذلك وجه الأرض".
تكون بعض الأزهار، مثل الورود، واسعة التفتح وتطلق كثيراً من العطر، ما يجذب أنواعاً متعددة من الملقحات.
في المقابل، تستهدف أزهار أخرى حشرات محددة جداً. فبعض أنواع الأوركيد، مثلاً، يعتمد على نوع واحد بعينه من النحل أو الدبابير، وغالباً ما يفعل ذلك "بطرق ماكرة وخادعة"، كما يقول هاسكل.
صدر الصورة، Anja Hennern/Getty Images
تطلق زهرة أوركيد الذبابة رائحة تحاكي فيرومونات التزاوج لدى أنثى دبور الحفر.
ومع خروج ذكور الدبابير في الربيع، يخيل إليها أن المرج مليء بالإناث، فتنجذب إلى الأزهار عبثاً.
وعندما تحاول التزاوج معها، تلتصق بمؤخرة رؤوسها حزمة صغيرة من حبوب اللقاح، ثم تحملها إلى زهرة أخرى من أوركيد الذبابة تنجذب إليها، لتصبح بذلك ملقحات لها من دون قصد.
ويقول هاسكل: "تنجح هذه الحيلة كثيراً بالنسبة إلى الأوركيد، فيما تدفع الحشرة ثمناً باهظاً".
وتحاكي زهرة أوركيد المطرقة في أستراليا أنثى دبور الثينين في شكلها ورائحتها.
وعندما يحاول ذكر الدبور التزاوج معها، تمسك به آلية تشبه الرافعة وتدفعه بقوة نحو الجزء الحامل لحبوب اللقاح، ثم تطلقه.
ويقول هاسكل إن الحشرة تطير بعيداً، "مذهولة وداخة على الأرجح"، ثم تهبط على زهرة أوركيد أخرى من دون أن تكون قد تعلمت الدرس، وتنقل إليها حبوب اللقاح.
صدر الصورة، Fadil Aziz/Getty Images
يعتمد نبات تيتان أروم، المعروف باسم "زهرة الجثة"، على رائحة من نوع مختلف تماماً.
فقد تطور لتفوح منه رائحة اللحم المتعفن، بهدف جذب الحشرات الملقحة التي تتغذى عادة على جثث الحيوانات.
وقد يصل ارتفاع النبات إلى ثلاثة أمتار فوق سطح الأرض، وما يبدو زهرة واحدة هو في الواقع تركيب يضم عدداً كبيراً من الأزهار الصغيرة المنفردة.
ولا يزهر سوى مرة كل بضع سنوات، ليوم أو يومين فقط، لأن الإزهار يستهلك قدراً هائلاً من الطاقة.
وتعود هذه الحيل على الحشرات بفوائد أيضاً.
فبعض الأزهار، مثل أزهار النباتات المنزلية والماغنوليا، تعمل كناشرات حية للعطر، إذ ترفع حرارتها لتطلق رائحتها بفاعلية أكبر، في عملية تعرف باسم "التوليد الحراري الزهري".
ويقول هاسكل: "تستهلك هذه الأزهار الطاقة لتدفئة نفسها، فترتفع حرارتها أحياناً عشر درجات فوق حرارة الجو المحيط، وقد يصل الفارق إلى 30 درجة".
وتوفر هذه الحرارة ملاذاً للحشرات أيضاً، إذ يمضي كثير منها الليالي الباردة داخل الأزهار الدافئة، فتكون مستعدة للنشاط مع حلول الصباح، بحسب هاسكل.
صدر الصورة، Meng Delong/VCG/Getty Images
وتبدو بعض الأساليب الأخرى أكثر خبثاً للوهلة الأولى، لكنها قد تفيد الحشرات بطرق غير متوقعة.
فعندما تزور الحشرات الأزهار، تحصل على رحيق غني بالسكر. ويقول هاسكل إن "عدداً من النباتات يمزج رحيقه بتركيز منخفض من الكافيين، ما يمنح النحل دفعة صغيرة تساعده على التذكر".
وهكذا يتعلم النحل الربط بين هذه الأزهار والمكافأة التي تقدمها.
ويضيف: "لكن الكافيين يمثل أيضاً وسيلة خفية للتأثير في سلوك النحل، إذ يدفعه إلى المبالغة في تقدير جودة الرحيق. لذلك قد يواصل زيارة أزهار الحمضيات، مثلاً، حتى بعد أن يقل ما تحتويه من سكر أو حبوب لقاح".
ويحتوي الرحيق أيضاً على مواد كيميائية قد تساعد النحل على التخلص من الطفيليات أو الفطريات التي تصيبه.
ويقول هاسكل: "تستخدم الأزهار هذه المواد الكيميائية في الرحيق للتأثير في سلوك الملقحات، وفي بعض الحالات تساعدها أيضاً".
صدر الصورة، Oleh Trytiachenko/Getty Images
ولا تقتصر براعة الأزهار على جذب الملقحات، إذ يبدو أنها تتكيف بطرق أذكى مما قد نتصور.
ويعتقد العلماء أنها تغير سلوكها التكاثري مع تراجع أعداد الحشرات بسبب التغير المناخي والزراعة المكثفة والمبيدات الحشرية.
ويقول هاسكل إن دراسات أجريت في فرنسا أظهرت أن أزهار البنفسج الحقلي أصبحت، مقارنة بما كانت عليه قبل بضعة عقود، أصغر حجماً وأقل رائحة وجاذبية للحشرات. كما تقاربت أجزاؤها الزهرية، ما يساعدها على تلقيح نفسها.
وترى ناب أنه يكاد يكون من المستحيل الحفاظ على عالم الأزهار كما نعرفه اليوم، لأنها ستواصل التطور مع تغير مواطنها الطبيعية.
وتقول: "تعد النباتات المزهرة من أقدر الكائنات على البقاء في النظم البيئية البرية. وقد تختلف أزهار المستقبل، بعد مليون عام، كثيراً عن الأزهار التي نراها اليوم، لكنها ستبقى أزهاراً".