Categories
تاجر بلا سعر وطالب بلا دفاتر.. بندر عباس تحت ضغط البحر والريال
تاجر بلا أسعار وطالب بلا دفاتر.. بندر عباس تحت ضغط البحر والريال
استمعاستمع (7 دقيقة)حفظ
شارِكْ تاجر بلا أسعار وطالب بلا دفاتر.. بندر عباس تحت ضغط البحر والريال على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylinkplay videoplay videoمدة الفيديو 02 دقيقة 27 ثانية play-arrow02:27عبدالرحمن جمعاتPublished On 9/9/20269/9/2026|آخر تحديث: 12/9/2026 17:25 (توقيت مكة)آخر تحديث: 12/9/2026 17:25 (توقيت مكة)في المدينة الإيرانية الواقعة عند بوابة مضيق هرمز، لا يقيس السكان التوتر بعدد السفن العابرة فقط، بل إن هناك صيادا يقلص ساعات عمله، وتاجرا لا يعرف كيف يسعر بضاعته، وأمًا تؤجل شراء لوازم المدرسة تحت ضغط عملة تتراجع وتجارة ترتفع كلفتها. على رصيف الصيادين في بندر عباس، لا يحتاج الرجل إلى شرح طويل لما تعنيه أزمة هرمز؛ يرفع كيسا صغيرا من الروبيان ويقول: "هذا حصيلة يوم بدأته قبل الفجر".
ليس الصيد قليلا بسبب البحر وحده؛ الصياد يتحدث عن وقود صار أكثر كلفة، ومسيرات تحلق في الأجواء، ومخاطر تدفعه إلى تقليص الوقت الذي يمكن أن يبقى فيه في المياه. في مدينة تقف على حافة أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، صار القارب الصغير يحمل نسخة محلية من الأزمة الكبيرة.
قصص مقترحة
list of 2 items- list 1 of 2إيران.. انفجار بناقلة نفط بهرمز وترمب يؤكد انفتاحه على خيار التفاوض
- list 2 of 2ترمب: الأسلحة الأمريكية تصل يوميا إلى قواتنا والنفط يواصل التدفق عبر هرمز
في تقرير الجزيرة الذي أعده عمر هواش من بندر عباس، لا تظهر الأزمة في صورة ناقلة نفط أو خريطة ملاحة، بل تظهر في كيس الروبيان، ثم تنتقل إلى السوق، حيث يواجه تاجر أحذية سؤالا يبدو عاديا، لكنه يكشف عن اضطراب أعمق: "كم يبلغ سعر هذا الحذاء؟".
يقول التاجر إنه لا يستطيع تثبيت سعر بضاعته بسبب تقلب قيمة العملة، وإنه يجيب الزبائن أحيانا بأنه لا يعرف السعر، هذه ليست مبالغة لغوية من بائع منزعج، بل إنها وصف لمشكلة اقتصادية تجعل التاجر يبيع سلعة اشتراها في وقت سابق بعملة تتغير قيمتها قبل أن تصل إلى الرف.
من البحر إلى رف المتجر
المشكلة ليست في أن كل سفينة تمر عبر هرمز تحمل سلعة إلى متجر بندر عباس، ولا في أن كل ارتفاع للأسعار سببه الحرب وحدها. لكن آلية الضغط واضحة: حين تضطرب خطوط الشحن والتحويلات المالية، ترتفع كلفة الوصول إلى السلع والمواد الخام، وتصبح عملية الاستيراد أبطأ وأكثر مخاطرة، ثم ينتقل جزء من الكلفة إلى التاجر والمستهلك.
إعلانووفقا لرويترز، أدت العقوبات الثانوية الأمريكية والقيود على قنوات التحويل إلى تقليص خيارات إيران للحصول على العملة الأجنبية وتمويل الواردات. ونقل التقرير عن تاجر استيراد إيراني أن بعض الموردين باتوا يطلبون الدفع النقدي أو تمرير الصفقات عبر دول ثالثة، بما يعني وصول الشحنات في وقت متأخر وبكلفة أعلى.
هنا يصبح قول مراسل الجزيرة إن التجار يتحدثون عن ارتفاع الكلفة مع ما يصفونه بتعثر الحركة في الميناء أكثر من مجرد عبارة في تقرير تلفزيوني. المقصود ليس بالضرورة أن ميناء بندر عباس أُغلق كليا، بل إن دورة التجارة صارت أقل سلاسة: من شحن أكثر خطورة، وتحويل أصعب، وحصار بحري، وعملة أشح، وتاجر أقل قدرة على أن يحدد سعرا يضمن له هامش البقاء.
تاجر لا يعرف سعر بضاعته
تاجر الأحذية لا يطلب من الدولة خفض سعر الحذاء فقط؛ ما يطلبه، من دون أن يسميه، هو القدرة على التوقع.
في مطلع سبتمبر/أيلول، قال محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي إن البنك مستعد لعرض ما يصل إلى ملياري دولار لإدارة التقلبات في سوق الصرف. لكن الخبير الاقتصادي بيمان مولوي قال للجزيرة نت إن التدخل بالعملة قد يخفف الضغط فترة قصيرة، من دون أن يعالج وحده أسباب تراجع الريال، ومنها التضخم والحرب والعقوبات وتراجع تدفقات العملة الأجنبية.
وتظهر الأرقام سبب تحول سعر الحذاء إلى مشكلة يومية، فقد قال مركز الإحصاء الإيراني إن التضخم السنوي بلغ 69.9% في أغسطس/آب، بينما ارتفعت أسعار الغذاء على أساس سنوي بنحو 128%. كذلك أوردت رويترز أن الريال في السوق الحرة تجاوز 2.2 مليون ريال للدولار بعد أن كان قرب مليون ريال قبل عام.
هذه الأرقام لا تفسر كل ما يقوله التاجر في بندر عباس، لكنها تضع كلامه في مكانه الصحيح؛ عندما تتراجع العملة بهذا القدر، لا يعود التسعير قرارا تجاريا عاديا، وإنما يصبح رهانا على ما قد يحدث للعملة قبل أن يبيع التاجر بضاعته أو يعيد شراءها.
وفي السياق، يقول الخبير الاقتصادي محمد إسلامي للجزيرة نت إن ما يحتاجه القطاع الخاص ليس خفض سعر الصرف بأي ثمن، بل جعل مساره قابلا للتوقع كي تتمكن الشركات من اتخاذ قراراتها. وهذه الفكرة تشرح لقطة تاجر الأحذية أكثر مما تشرحه لغة الاقتصاد المجردة: لا يمكن بيع اليوم إذا كان ثمن التعويض غدا مجهولا.
أم لا تشتري التضخم
ثم تأتي الأم لتمسك الطرف الأشد قسوة من القصة، فهي لا تتحدث عن أسعار الصرف أو التحويلات أو الناقلات. تقول إنها أم لـ3 أطفال، وإن ارتفاع الأسعار منعها من شراء الأدوات المدرسية مع اقتراب العام الدراسي، وتربط بين غلاء السلع المستوردة من الصين وما تسميه الحصار.
لا نحتاج إلى تحويل كلامها إلى معادلة اقتصادية كاملة كي نفهمه. فحين تقفز كلفة الدولار، ترتفع كلفة السلع المستوردة ومكوناتها. وحين تتأخر الشحنات أو تمر عبر وسطاء أكثر، تضاف عمولات ومخاطر جديدة. وبين هذه الحلقات، لا يظهر المستهلك في آخر السلسلة بوصفه رقما في تقرير تضخم، بل أمًّا تقرر أي حاجات أطفالها يمكن تأجيل شرائها.
إعلانوتتجاوز أزمة الأسرة مسألة المستوردات وحدها. فبيانات مركز الإحصاء الإيراني تظهر ضغطا واسعا على القدرة الشرائية، بينما يواجه البنك المركزي مفاضلة صعبة بين استخدام موارده للدفاع عن الريال وبين تمويل الغذاء والدواء والمواد اللازمة للإنتاج.
الاقتصاد لا ينهار دفعة واحدة، لكنه يفقد إيقاعه، إذ تستمر بعض السفن في عبور المضيق، لكن المخاطر تزيد. تستمر بعض الواردات، لكن الدولار المطلوب لتمويلها يصعب توفيره. تستمر المتاجر في فتح أبوابها، لكن البائع يجهل سعر الغد. وتستمر العائلات في الذهاب إلى السوق، لكن قائمة المشتريات تصغر.
في المساء، يظهر سكان بندر عباس على الساحل حول الشاي والنرجيلة والطعام المحلي. ليست هذه خاتمة تجميلية بعد مشاهد الفقر والقلق. ولكنها مدينة مستمرة في محاولة الحفاظ على إيقاعها اليومي، رغم أن الجغرافيا التي منحتها البحر والتجارة جعلتها أيضا أول من يدفع الثمن حين يتحول المضيق إلى ساحة ضغط.
كيس الروبيان الصغير، والحذاء بلا سعر ثابت، والدفاتر التي لم تدخل حقيبة الأطفال بعد: تلك هي الطريقة التي وصلت بها أزمة هرمز إلى بندر عباس.
المصدر: الجزيرة