Categories
قصة قرية إسبانية يحل عليها الظلام مرتين في ليلة واحدة

قصة قرية إسبانية يحل عليها الظلام مرتين في ليلة واحدة
صدر الصورة، Rishika Sharma
- Role, بي بي سي
- Published قبل 33 دقيقة
- مدة القراءة: 7 دقائق
تستعد قرية أبيانوسا دي مونيو الإسبانية لليلة استثنائية واحدة، رغم عدم وجود سكان تقريباً في هذه القرية، وغياب المطاعم، وندرة الزائرين إلى حد كبير.
توجد قرى توحي بالهدوء، من بينها قرية أبيانوسا دي مونيو، الصغيرة للغاية، الواقعة في مقاطعة بورغوس شمالي إسبانيا، التي لا يوجد بها مطاعم أو متاجر، بل يوجد بها حانة لا تفتح أبوابها قط، ومتجر بقالة متوقف النشاط.
ويكشف الإصغاء بعناية عن وجود لحن خفيّ، فثمة نغمة منخفضة تصدرها نحلات النجار التي تحوم حول شجيرات اللافندر التي أحرقتها شمس الصيف اللاهبة، وفوقها، تتردد أصداء تغريد طيور السنونو الأبيض والأسود وهي تطير بين أسطح المنازل الحجرية عبر شوارع تكاد تخلو من المارة. أما خلف المنازل، فلا يكاد يُسمع سوى صوت جرار زراعي وحيد، بوصفه الإشارة الوحيدة تقريباً التي تدل على وجود بشر في هذا المكان.
وسط هذا الهدوء تشق شاحنة صغيرة بيضاء، تابعة لمخبز قريب، طريقها إلى القرية مرة واحدة أسبوعياً، حاملة الخبز إلى قلة من السكان يعيشون هناك، الأمر الذي يوقظهم مؤقتاً من السكون الذي يخيم على القرية.
وبالنسبة إلى هؤلاء السكان، فهذا هو الإيقاع الذي يصوغ تفاصيل حياتهم اليومية في مكان لا يكاد يشهد أي حدث يُذكر في معظم الأيام، وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه القرية، التي طالما ارتبطت بندرة الزائرين لها، ستتحول هذا الصيف إلى أحد أكثر الأماكن جذباً على مستوى العالم.
صدر الصورة، Rishika Sharma
ففي 12 أغسطس/آب 2026، سيجتاح كسوف كلي للشمس المحيط الأطلسي، في أول ظهور لهذا الحدث من البر الرئيسي الأوروبي منذ عام 1999، وبحسب ماريا تيريزا لوبيث سانشيث، الفيزيائية المقيمة في مدريد، فهذا هو أول كسوف كلي للشمس يشاهد من البر الرئيسي الإسباني منذ عام 1912.
بيد أن مرحلة الكسوف الكلي لن تكون مرئية إلا على امتداد شريط ضيق يعبر القارة، وتقع قرية أبيانوسا دي مونيو في قلب هذا الشريط مباشرة، فطبيعة القرية الصغيرة تتيح جاذبية فريدة لمتابعة ظاهرة الكسوف، إذ تنبسط حقول القمح الذهبية والتلال المنخفضة نحو أفق غربي شاسع، مع قلة المباني، وضعف الإضاءة الاصطناعية، وغياب معظم التجمعات البشرية المتوقعة في مواقع الرصد الأشهر.
كما يزيد توقيت الكسوف من جاذبية الظاهرة، فحدوثه قبل غروب الشمس مباشرة يؤدي إلى حدوث ظاهرة شفق مزدوج، "كأنك تعيش غروبين للشمس في غضون دقائق قليلة"، على حد وصف لوبيث، وفي وقت لاحق من الليلة نفسها، ستكون ظاهرة زخات شهب البرشاويات مرئية أيضاً، على نحو يخلق تلاقياً نادراً لظواهر سماوية.
تخطى الأكثر قراءة وواصل القراءةالأكثر قراءة- ما قصة "القاضي المزيف" الذي أثار جدلاً في مصر؟
- "التوسع الإمبراطوري للإمارات في أفريقيا" - مقال في الفايننشال تايمز
- ملادينوف يطلب من نتنياهو هدنة لـ 14 يوماً "لتجريد حماس من السلاح"
- عملية فرنسية بريطانية مشتركة تنقذ 157 مهاجراً احترق قاربهم في القنال الإنجليزي
ولا يساور سارا ألفاريث رودريغيث، التي تعيش في القرية، أدنى شك بشأن المكان الذي ستوجه الناس إليه، وتقول: "اصعدوا باتجاه الكهف، فمن هناك يمكنكم رؤية كل شيء".
وُلدت ألفاريث في قرية أبيانوسا دي مونيو عام 1937، ولم تعش في أي مكان آخر منذ ذلك الحين، وعلى امتداد نحو تسعة عقود، شهدت التحول الكامل الذي طرأ على القرية، وتروي أن عدد سكانها في خمسينيات القرن الماضي كان يقارب 200 نسمة، وكانت تضم عدة متاجر صغيرة، وكان باعة الأسماك من أبناء القرية يتنقلون بالدراجات الهوائية إلى القرى المجاورة لبيع صيدهم.
صدر الصورة، Rishika Sharma
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
ويستعيد راؤول غراندي ريفيا، المولود هنا قبل 73 عاماً، والذي انتقل إلى مدريد في طفولته، ذكريات ساعي بريد كان يصل على ظهر حمار حاملاً الرسائل والصحف، وكان ساعي البريد، وهو شبه نائم على السرج، يعتمد على حماره ليعرف محطات التوقف، من بينها مكتب البريد الصغير الذي كان يقع في أقصى طرف القرية.
وعلى مر أجيال، اعتمدت القرية في بقائها على الزراعة، وحدائق الخضراوات، والكروم، وتربية الماشية، ثم دخلت الزراعة مرحلة الاستعانة بالآلات الزراعية، ومع محدودية فرص العمل الأخرى في المناطق المجاورة، رحل السكان إلى مدن مثل مدريد، وبلباو، وبرشلونة، وغيرها.
واليوم، يفوق عدد الماعز التي ترعى في سفوح التلال المحيطة عدد الأشخاص المقيمين بصورة دائمة في القرية، فيما تمتد حقول شاسعة من دوار الشمس عبر الأراضي التي كان يعمل فيها مئات من أبناء القرية في الماضي.
بيد أن الكسوف هذا الصيف يجذب بعض تلك العائلات للعودة.
ومن أجل مشاهدة هذا الحدث، يعتزم غراندي زيارة القرية برفقة شريكته، وابنه، وأحفاده، ومجموعة كبيرة من الأصدقاء، كما سيحضر شقيقه بصحبة أبناءه الثلاثة، وحفيده، وشقيقته، ليشكّلوا معاً مجموعة تضم نحو عشرين شخصاً، ليزداد عدد سكان القرية في تلك الليلة.
ولن يقتصر الأمر على ذلك، إذ تخبرني ألفاريث أن جيراناً آخرين سيستضيفون أصدقاءهم وأقاربهم، مع قدوم أشخاص من مختلف أنحاء إسبانيا، بل ومن المملكة المتحدة، وفرنسا، وفنزويلا.
صدر الصورة، Alamy
وتقول لوكريتسيا لوبيث، أستاذة الجغرافيا بجامعة سانتياغو دي كومبوستيلا، إن الظواهر الاستثنائية التي تحدث لمرة واحدة، مثل الكسوف، تدفع الناس إلى "إعادة اكتشاف مكان لهم صلة به بالفعل"، وفي أبيانوسا دي مونيو، بدأت إعادة الاكتشاف هذه تمتد بالفعل إلى ما يتجاوز السكان السابقين وعائلاتهم.
وامتلأت حجوزات فندق بارادور دي ليرما القريب، الكائن في القصر السابق لدوق ليرما، منذ عام 2022 استعداداً لهذا الحدث، ويؤكد ألبرتو بوسكي كويو، من هيئة السياحة في قشتالة وليون، أن المشهد ذاته يتكرر في مختلف أنحاء المنطقة.
ويقول: "معظم أماكن الإقامة لدينا محجوزة بالكامل، بل حُجزت من وقت طويل"، مضيفاً أن المتخصصين في رصد الكسوف كانوا يبحثون عن "أفضل مكان، لا أشهر مكان"، لأنهم يسعون إلى أفضل ظروف ممكنة لمشاهدة الظاهرة.
ويروي غراندي قصة عائلة من ولاية كاليفورنيا تخطط للسفر إلى إسبانيا لمشاهدة الكسوف، يبحث لهم عن أفضل مكان نظراً لأن العائلة لا ترغب في أن تضيع عليها لحظة الكسوف الكلي هذه، لذا بدأ ينتقل من منزل إلى آخر يبحث عما إذا كان أحد في أبيانوسا دي مونيو يستطيع استضافتهم، حتى يشاهدوا الكسوف من الموقع الذي يراه الأفضل في إسبانيا.
سألته عن شعوره عندما تجد قرية لا يتجاوز عدد سكانها نحو عشرة أشخاص نفسها فجأة في بؤرة اهتمام الجميع، فضحك غراندي وهز رأسه موافقا، ثم قال بالإسبانية ما معناه: "هذا بالضبط"، معبراً عن دهشته لأن قريته الصغيرة للغاية أصبحت، ولو لوقت وجيز، موقعاً يجذب أنظار العالم.
وفي مختلف أنحاء بورغوس، تستعد المجتمعات المحلية بتهيئة مواقع للرصد وتنظيم تجمعات لمشاهدة الكسوف، أما في أبيانوسا دي مونيو، فسيتوجه السكان والزائرون إلى الكهوف التي تعلو القرية.
ومع كون الشمس على ارتفاع ثماني درجات فقط فوق الأفق خلال مرحلة الكسوف الكلي، ستكون الرؤية الغربية المفتوحة بلا عوائق أمراً مهماً، ما يجعل الكهوف المرتفعة بمثابة مقعد في الصف الأول لهذا العرض السماوي الذي لا يتكرر إلا مرة واحدة في كل جيل.
بيد أن الكهوف ليست مجرد موقع مثالي للمشاهدة، فعلى مدار أجيال، اعتاد هذا المجتمع قليل العدد أن يجتمع هنا لمتابعة غروب الشمس معاً، بل إن أحد السكان السابقين اختار أن تُنثر رفاته هنا، إنه مكان يحمل قيمة عاطفية كبيرة بالنسبة إلى القرية.
صدر الصورة، Rishika Sharma
قرية أبيانوسا مكان لم تغادره ألفاريث قط، ولن تفعل ذلك أبداً، أما غراندي فيزورها تقريباً كل عام، وفي كل صيف، تعود بنات ألفاريث إلى مسقط رأسهن، وسيحافظن على هذه الزيارة بعد وفاة والدتهن.
ويأتي غراندي الآن برفقة أبنائه وأطفالهم، وبرفقة أصدقائهم أيضاً، آملاً أن يخلق الرابط ذاته، الذي نشأ عليه هنا عندما كان طفلاً، شعوراً مماثلاً لدى أحفاده على نحو يدفعهم يوماً ما إلى العودة لزيارة القرية أيضاً.
ويقول لي: "ما يهمني أكثر من أي شيء هو أن يشعر أبنائي وأحفادي تجاه القرية بنفس الحب الذي أشعر به".
وفي يوم الكسوف ستمتليء أبيانوسا دي مونيو مرة أخرى بالأصوات والحديث، وسوف يملأ دخان شرائح لحم الضأن المشوية مساحات المطاعم غير الموجودة، بينما ستنطلق ضحكات الأطفال من مكان كانت توجد فيه مدرسة في الماضي، بعد ذلك وخلال دقائق قليلة استثنائية سيحل الظلام مرتين.
وبفضل مصادفة جغرافية لافتة، ستصبح إحدى أكثر القرى الإسبانية غير الجاذبة للشهرة، ولو لفترة وجيزة، مركز جذب للعالم.
نصائح مهمة لمتابعة الكسوف
كيفية الوصول: تقع أبيانوسا دي مونيو على مسافة نحو 30 دقيقة بالسيارة من بورغوس، وعلى بُعد يزيد قليلاً على ساعتين من مدريد.
أماكن الإقامة: لا تتوفر أي أماكن إقامة سياحية في أبيانوسا دي مونيو، كما أن فندق ليرما القريب اكتملت حجوزاته منذ فترة، ولا تزال توجد أماكن متاحة في بورغوس، أو في مدريد حيث يمكن الانطلاق في رحلة يومية، غير أنه من المتوقع حدوث ازدحام مروري كبير بعد انتهاء الكسوف.
موعد المشاهدة: يبدأ الكسوف في أبيانوسا في نحو الساعة 19:33 (بالتوقيت المحلي)، بينما تبدأ مرحلة الكسوف الكلي بعد قليل، حوالي الساعة 20:29، وتستمر لما يقل قليلاً عن دقيقتين.
لا تغادر بعد غروب الشمس: ستظهر ظاهرة زخات شهب البرشاويات أيضاً في تلك الليلة، ومع قلة ضوء القمر المتوقع قرب ذروة النشاط، قد تصبح سماء أبيانوسا الريفية المظلمة موقعاً ممتازاً لمشاهدة الشهب، بشرط صفاء السماء والابتعاد عن مصادر الإضاءة المحلية.