Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicSep 25, 2026👁 0 views

الشهيد.. منزلة الكرامة العليا

الشهيد.. منزلة الكرامة العليا

استمعاستمع (18 دقيقة)

حفظ

شارِكْ الشهيد.. منزلة الكرامة العليا على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
تشييع شهداء القصف الإسرائيلي على مكتب حماس في الدوحة (الجزيرة)
إبراهيم إسماعيلPublished On 25/9/202625/9/2026|آخر تحديث: 26/9/2026 09:29 (توقيت مكة)آخر تحديث: 26/9/2026 09:29 (توقيت مكة)

الشهيد وصف تكريم وتمجيد، يطلق على من ضحّى بحياته لأجل قضية نبيلة أو غاية سامية. ويحيل إلى أن الموصوف به "مشهود له" بالفضل والخير والبذل.

وارتبط مفهوم "الشهادة" غالبا بالقتال، وركزت الخطابات الدينية على المنزلة الأخروية الرفيعة للشهيد، ومنحته الخطابات الوطنية والسياسية مكانة رمزية في الذاكرة الجماعية، وربطته بما يشبه الخلود المعنوي في وجدان المجتمع من خلال النصب التذكارية والأعياد الوطنية وغيرها من "الطقوس" والعادات.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

ورغم الاتفاق على أن صفة "الشهيد" هي منزلة عالية لا يمكن بلوغها إلا بالتضحيات الجسيمة، فإن المعتقدات الدينية والأعراف الوطنية قد تتباين في تفصيل من يستحق هذا الوصف النبيل، وطبيعة المسار الذي يبلّغه إياه.

نصب الشهيد في الجزائر العاصمة تخليدا لذكرى حرب الاستقلال الجزائرية (1954-1962) (غيتي)

في اليهودية، توجد نصوص دينية عديدة تتحدث عن الحرب والقتال وإبادة الأعداء، ففي سفر الخروج نجد عبارة "الربّ رجل الحرب"، كما تتضمن الأسفار الأولى من التوراة مشاهد للخراب الكامل بسبب "تدخل الرب". وتظهر كذلك صورة النبي موسى عليه السلام بوصفه رجلا مقاتلا، وبصورة عامة يوجد في المعتقدات اليهودية تنظير واسع لتبرير الحرب وتدمير الأعداء.

ويظهر ذلك بوضوح في سفر يشوع الذي يتحدث عن تدمير مدن الأعداء وإحراقها وذبح أهلها. وفي العصر الحديث صدرت فتاوى ومؤلفات عديدة تبرر قتل الفلسطينيين أو الأغيار، من بينها كتاب "شريعة الملك".

ورغم هذا الحضور الواسع للقتال في التصور الديني اليهودي، فإن مفهوم "الشهيد" ليس أصيلا في اليهودية بالمعنى نفسه الذي نجده في الإسلام أو المسيحية.

وهناك من يرى أن مفهوم الشهيد في اليهودية هو استعارة لمفهوم الشهادة في المسيحية، وظهر عندما تبدل ميزان القوى وأصبح اليهود مضطهدين في شتاتهم، وتعرّضوا لضغوط من أجل التخلي عن دينهم.

إعلان

وفي هذا السياق ظهر مصطلح "كيدوش هاشيم" (Kiddush HaShem)، أي "تقديس اسم الله". ويدلّ المصطلح في معناه الواسع على الالتزام بالوصايا والشريعة اليهودية، كما يطلق على: من يُقتل وهو متمسك بهذه التعاليم ويفضل الموت على انتهاكها.

الرئيس الفرنسي رينيه كوتي يزور نصب "الشهيد اليهودي المجهول" في باريس (غيتي-1957)

ولهذا لا يوجد إجماع يهودي على توسيع استخدام هذا المفهوم ليشمل كل من يموت في الحرب. فعلى الرغم من التوسع السياسي في استخدام المصطلح لوصف قتلى الجيش الإسرائيلي، فإن ذلك لا يحظى بإجماع ديني، فقد لا يختار الجندي الموت من أجل الشريعة، وإنما يُقتل أثناء أداء واجبه العسكري الإلزامي ليس إلا.

وبالتالي قد تكون أسباب الموت في الحرب سياسية غير مرتبطة بالالتزام بالوصايا أو الشريعة، وهناك فرق بين التضحية بالنفس من أجل الدين، وبين الموت رفضا للهزيمة العسكرية.

ويمكن تلخيص الفكرة بالقول: إن اليهودي لا يستشهد لأنه يطلب الشهادة من خلال القتال، وإنما قد يصبح شهيدا لأنه رفض ارتكاب ما يعدّه الشرع اليهودي من الكبائر.

ومع ذلك، لم يمنع هذا التحفظ الديني من التوسع السياسي في استخدام المصطلح لوصف كثير ممن قتلوا من اليهود به، ولذلك يطلق على ضحايا الهولوكوست أنهم ماتوا على "كيدوش هاشيم". وفي إسرائيل اليوم يعدّ متحف "ياد فاشيم" -ويعني بالعبرية "النصب والاسم"- واحدا من أهم المتاحف، وقد تحوّل إلى ما يشبه المزار المقدس ليهود العالم.

ممثلون عن المسلمين والمسيحيين واليهود عند نصب "اللهب الأبدي" في "ممر الشهداء" بالعاصمة الأذربيجانية باكو، لتكريم 1130 جنديا تركيا قُتلوا في معركة باكو عام 1918 (غيتي)

ويضم المتحف صالة الذكريات وأرشيف الإبادة الذي يضمّ نحو 50 مليون وثيقة. كما يضم ما يسمى "شارع الأتقياء بين الأغيار" الذي غرست فيه 500 شجرة تكريما لأشخاص غير يهود ضحوا بأنفسهم أو عرضوا أنفسهم للخطر لحماية اليهود. أما "صالة الأسماء"، فتضم ما يسمى "صفحات الشهادة" التي تضم نحو ثلاثة ملايين اسم من أسماء أعضاء الجماعات اليهودية التي قضى عليها النازيون.

ومن هنا، يتضح أن مفهوم الشهيد ليس أصيلا في اليهودية، وأن توسّعه في العصر الحديث يرتبط بدرجة كبرى بالاستخدام السياسي والقومي الحديث، أكثر من ارتباطه بالتأصيل الديني.

ويمكن فهم غياب أصالة مفهوم الشهادة في اليهودية من خلال غيابه في النصوص التأسيسية، إذ غالبا ما تنتهي حوادث العهد القديم بإنقاذ إلهي لبني إسرائيل، لا بالموت وإعلاء قيمته. كما أن اليهودية ديانة قومية مغلقة، وليست رسالة عالمية يضحي المؤمن بها في سبيل نشرها وتبليغها.

ولهذه الأسباب، يلاحظ أن الحريديم -وهم التيار الديني المتشدد- يرفضون الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي. وبغض النظر عن المبررات التي يقدمونها، والاتهامات التي يوجهها إليهم خصومهم بالجبن والخوف، فإن هذا الرفض يحمل دلالة على هامشية مفهوم الشهادة في التصور الديني اليهودي.

نقش يعود إلى القرن التاسع عشر يصور مقتل القديس إسطفانوس الذي يوصف بأنه "أول شهداء المسيحية" (غيتي)

تقدّم المسيحية مثالا واضحا على التطور التاريخي لمفهوم الشهادة. ففي سيرة المسيح عليه السلام يظهر نبذه لاستخدام العنف، وهو أمر جلي في النصوص الدينية. لكنْ مع تعرّض المسيحية المبكرة للاضطهاد؛ بدأ مفهوم الشهادة يأخذ شكله المعروف، ليطلق على: أي إنسان يتمسك بإيمانه المسيحي، حتى لو كان ثمن ذلك حياته.

إعلان

لم يكن الشهيد المسيحي في الأصل رجلا يحمل السلاح، بل كانت صورته النموذجية هي: الإنسان الذي يقبل الموت بدلا من التخلي عن اعتقاده. ولذلك لم تكن هناك في المسيحية المبكرة علاقة مباشرة بين الاستشهاد والقتال، فالشهيد هو من يشهد لعقيدته من خلال الثبات عليها، حتى عندما يصبح ثمن هذا الثبات حياته.

وقد تعرّض المسيحيون الأوائل لاضطهادات متعددة على يد عدد من الملوك الوثنيين. وجرّم بعض هؤلاء اعتناق المسيحية، وبعضهم عدّها خرافة ومارس ضغوطا على المسيحيين للتخلي عن دينهم. واستخدمت وسائل مختلفة لتحقيق ذلك، من الفتنة والإغراء بالوقوع في الخطايا كالزنى إلى التعذيب. وكان من يتمسك بدينه ويفضل الموت يُعدّ شهيدا.

وقد رفعت الكنيسة من قيمة الشهداء، حتى ذهب بعض الدارسين إلى أن المسيحية انتشرت باستشهاد القسيسين أكثر مما انتشرت بوعظ المبشرين. وكان مفهوم الشهادة في تلك المرحلة قائما على مجموعة من المبادئ المسيحية التي ترى أن العالم الدنيوي مؤقت مقارنة بالعالم الأبدي، وأن هذا العالم مليء بالشرور والأحزان، وأن تحمّل هذه الآلام يمكن أن يقود إلى مجد عظيم في السماء. ولهذا زهد الشهداء في المادية، وتطلعوا إلى التخلص من قيود الجسد.

امرأة تشعل شمعة في كنيسة "بازيليك شهداء أوغندا" الكاثوليكية في ناموغونغو عشية يوم شهداء أوغندا الوطني (غيتي-2005)

لكن صورة الشهيد لم تبقَ على حالها، فبعد انقسام الكنيسة واعتبار المخالفين مهرطقين، ظهر نوع آخر من الشهادة. فقد أصبح المؤمن المسيحي أحيانا يحاول إجبار مؤمن مسيحي آخر على تغيير قناعاته لتتوافق مع "العقيدة الرسمية". ومن يتمسك بعقيدته ويفضّل الموت؛ يُعد في نظر جماعته "شهيدا" حتى لو كان قاتله يراه مهرطقا. ومن الأمثلة على ذلك ما نُسب إلى هرقل ملك الروم (610-641م)، من تعذيب القائلين بالطبيعة الواحدة للمسيح وقتل أعداد كبيرة منهم.

أما التحوّل الأهم والذي بدأت معه العلاقة بين "الاستشهاد" والقتال، فجاء بعد أن أصبحت المسيحية دين الدولة الرومانية في عهد قسطنطين في القرن الرابع الميلادي. عندها جرى التخلي عن مبدأ المسالمة وقبول مذهب "الحرب العادلة" الذي نظّر له عدد من القديسين، ومنهم القديس أوغسطين.

وفي مقالة شهيرة تجيب عن سؤال "لماذا تعد الكنيسة المسيحية غير مسالمة؟" (Why the Christian Church is not Pacifist)، بنى رينهولد نيبور (1892-1971) قضيته على فهم أوغسطين للخطيئة الأصلية، وذهب إلى أن طبيعة البشر الآثمة تجعل استخدام القوة المشروعة ضروريا أحيانا لاستئصال الظلم وإخضاع الشر في عالم آثم.

وهكذا فعندما أصبحت الإمبراطورية الرومانية مسيحية، برر اللاهوتيون الحرب الدفاعية من دون وصفها بأنها حرب مقدسة. لكن مع صعود البابوية وتورّط الكنيسة مع الإقطاعيين؛ بدأ العنف المسلح يُقدَّم باعتباره دفاعا عن الكنيسة وأفرادها وثرواتها الدنيوية، وانتهى الأمر إلى ظهور مفهوم الحرب المقدسة.

لوحة لفنان مجهول في كنيسة جيسو بروما، تصور مقتل 52 مسيحيا في ناغازاكي فيما عُرف بـ"الاستشهاد الأعظم في ناغازاكي" (غيتي)

ومع مرور الوقت، بدأت الكنائس تضفي التقديس على الملوك الذين يحمون الكنائس والمستضعفين، ثم امتدّ هذا التقديس إلى الأمراء، وبعد ذلك إلى العاملين في الدفاع عن المؤسسات الكنسية، ثم إلى الفرسان. وهنا بدأت تظهر صورة جديدة للشهيد، وهو: الرجل الذي يُقتل في المعركة وهو يحمل سيفه.

ومع تراجع الحروب داخل أوروبا الغربية، بدأ الخطاب يتجه إلى استعادة الأرض المسيحية، والوصول إلى قبر المسيح بحسب المعتقدات المسيحية، وحماية طريق الحج إلى فلسطين. وفي عام 1095م، وعظ البابا أوربانوس الثاني داعيا إلى الحرب الصليبية لتحرير كنائس المشرق والأماكن المقدسة في أورشليم، وهنا بدأ الخطاب الكنسي يتحدث عن فضائل المشاركة في هذه الحرب الدينية. وهكذا أصبح مفهوم الشهيد يشمل أيضا من يواجه الشر ويقاتله.

أقرّ الإسلام القتال، ولم يقم في مبادئه على فكرة الرضوخ للمعاناة والظلم. وتذكر السيرة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مقاتلا، وأنه كان يحتفظ بتسعة سيوف وثلاثة رماح وسبعة دروع وثلاثة تروس وأسلحة أخرى، كما خاض معارك عديدة من بينها بدر وأحد والخندق، واستشهد في هذه المعارك عدد من أصحابه.

إعلان

وفي التصور الإسلامي، يُعرَّف الشهيد في المعنى الخاص بأنه من يُقتل في سبيل الله في المعركة مع العدو. وقد ورد ذكر الشهداء في القرآن الكريم، ووُصفوا بأنهم من يُقتَلون في سبيل الله، ولذلك ارتبط مفهوم الشهادة ارتباطا وثيقا بالقتال.

كما أن مفهوم الشهادة في الإسلام مرتبط أيضا بالوفاء بالعهد، فالشهيد هو من وفى بما عاهد عليه الله تعالى من التضحية في سبيله، لذلك يقول سبحانه: "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا" [الأحزاب 23].

المركز التذكاري في بوتوتشاري تكريما لضحايا الإبادة الجماعية في سربرنيتسا (أسوشيتد برس)

لكنّ درجة الشهادة ليست قاصرة على من يموت في الحرب وحدها، فقد ورد في الأحاديث النبوية أن فئات أخرى يمكن أن تنال أجر الشهيد رغم أنها ماتت على فراشها، ولم تمت في قتال. مما يجعل جوهر الشهادة ومعيارها الأساسي معيارا أخلاقيا، وهو النية التي ضحى لأجلها المقاتل.

ولذلك يمكن تصنيف الشهداء إلى ثلاثة أقسام:

  • شهيد الدنيا والآخرة: وهو من يُقتل في قتال مع الكفار، مقبلا غير مدبر، لتكون كلمة الله هي العليا من دون غرض من أغراض الدنيا.
  • شهيد الدنيا: وهو من يُقتل في قتال مع الكفار طلبا للمغنم أو الرياء أو الشهرة أو غير ذلك من الأغراض الدنيوية. وهنا تظهر الشهادة في مستواها الأخلاقي، فغياب النيات عن اطلاع الناس يجعلهم لا يفرّقون بين هذين الصنفين، وتشملهما الأحكام الفقهية المتعلقة بالشهيد معا، رغم أنهما في الدرجة والأجر عند الله مختلفان.
  • شهيد الآخرة: وهو من لم يُقتل في قتال، لكنه ينال أجر الشهيد ويبلغ درجته، ومن أمثلة هؤلاء في المعتقد الإسلامي المقتول ظلما من غير قتال، والميت بداء البطن أو بالطاعون أو بالغرق، والميت في الغربة، وطالب العلم إذا مات في طلبه، والنفساء التي تموت في طلقها، وغيرهم.

ولتأكيد هذا المعنى الأخلاقي للشهادة، وضرورة صفاء النية فيها، يركز التصور الإسلامي على أن رتبة الشهادة إنما هي "اتخاذٌ" يصطفي به الله تعالى من يشاء ممن يضحي في سبيله، وليست منزلة يمكن بلوغها بمجرّد البذل. لذلك يقول الله سبحانه: "وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء" [آل عمران 140].

وبصورة عامة، رفع الإسلام من قيمة الجهاد وحث المسلمين عليه وعلى طلب الشهادة. وجاء في الحديث أن "من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه" (رواه مسلم). وفي هذا قدر من الواقعية، فالدين المؤثر في العالم -بحسب الرئيس البوسني الراحل علي عزت بيغوفيتش– ينبغي أن يكون دنيويا، بما يعنيه ذلك من انخراط واقعي في تأسيس قواعد اجتماعية وسياسية تُمكن من إقامة الحضارة.

مقبرة شهداء الجيش العراقي بجنين التي تضم قبور عشرات الجنود العراقيين الذين استشهدوا في فلسطين في حرب عام 1948 (المركز الفلسطيني للإعلام)

الشهيد في الدولة الوطنية

يحظى مفهوم الشهيد في الدولة المعاصرة بمكانة خاصة ضمن منظومة القيم الوطنية، إذ يُنظر إلى تضحية من مات من أجل بلاده باعتبارها تضحية ذات معنى وطني وأخلاقي.

وتختلف الدول في طقوس استذكار شهدائها ومراسيم تكريمهم، غير أن بينها قاسما مشتركا يتمثل في النظر إلى الشهيد باعتباره شخصا تجاوز مصلحته الخاصة وقدّم حياته من أجل الآخرين، وربط تضحيته بحماية الوطن والمواطنين وتحقيق الحرية والأمن والاستقرار.

وارتبط مفهوم الشهيد في الدولة الحديثة بالقتال والحرب والدفاع عن الوطن، إذ تُخلّد غالب الدول ذكرى الجنود الذين سقطوا دفاعا عن الوطن. ففنلندا مثلا تستذكر أسماء الجنود الذين سقطوا في حرب الاستقلال، ومن فقدوا أرواحهم أثناء خدمتهم في قوات حفظ السلام خارج البلاد، وتخلد ماليزيا ذكرى الجنود الذين سقطوا في الحروب والطوارئ، كما يشمل التكريم من فقدوا حياتهم أثناء الخدمة، ودول كثيرة مثل ذلك.

كما تسعى الدولة الحديثة إلى تحويل الشهداء إلى جزء من الذاكرة الوطنية المشتركة. فمن فقد حياته دفاعا عن الوطن يتحول إلى "بطل"، وتصبح تضحيته جزءا من الذاكرة التي تسعى الدولة إلى الحفاظ عليها ونقلها إلى الأجيال اللاحقة.

نصب تذكاري في "قاعة نانجينغ التذكارية في الصين لشهداء الطيران في الحرب ضد اليابان" (غيتي)

ولهذا أقامت دول كثيرة نصبا تذكارية في أماكن بارزة لتخليد تضحيات الشهداء، وتحوّلت هذه النصب إلى رموز وطنية ومواقع تقصدها الشخصيات العامة والمواطنون في المناسبات الوطنية، ولعل أنموذج "الجندي المجهول" في مقدمة هذه الرموز، فهو يمثل الجندي الذي لا تُعرَف هويته، لكنه يجسد جميع الجنود الذين "سقطوا من أجل الوطن".

إعلان

وتكريما للتضحيات التي قدّمها مئات الآلاف من العسكريين، بنتْ فرنسا بعد الحرب العالمية الأولى ضريحا لجندي مجهول تحت قوس النصر في باريس، وأصبحت الشعلة التي أضيئت فوق الضريح رمزا مستمرا لتلك التضحية. ثم انتقلت هذه الفكرة إلى دول أخرى، ومنها دول عربية، فأصبحت النصب التذكارية للشهداء جزءا من المشهد الوطني ورمزا من رموز البطولة.

أما طقوس التكريم فتتعدد أشكالها، لكنها تؤدي وظيفة واحدة تتمثل في استحضار الشهيد وإظهار الاعتراف الرسمي والشعبي بتضحيته. ومن هذه الطقوس وضع أكاليل الزهور على القبور والنصب التذكارية، والوقوف دقيقة صمت، وعزف النشيد الوطني، ورفع العلم أو تنكيسه، وإلقاء الخطب الرسمية، وتنظيم الاحتفالات الوطنية والعسكرية.

قبر الجندي المجهول في ساحة شارل ديغول بالعاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

لكن التكريم لا يتوقف عند الرموز والاحتفالات. ففي بعض الدول يتحول الاعتراف بتضحية الشهيد إلى حقوق وامتيازات مادية واجتماعية تقدم لأسرته، مثل توفير المنح الدراسية، وإعطاء الأولوية في التوظيف، وتوفير الرعاية الصحية، وخفض تكاليف المواصلات، وإتاحة بعض الخدمات الثقافية والرياضية، وقد يصل الأمر إلى إطلاق أسماء الشهداء على الشوارع والميادين والمدارس.

وهكذا يتخذ تكريم الشهيد في الدولة المعاصرة صورتين متكاملتين: إحداهما صورة رمزية تتعلق بالذاكرة والهوية الوطنية، والأخرى مادية تتعلق برعاية أسر الشهداء ومنحهم حقوقا وامتيازات خاصة.

واللافت أن الدولة المعاصرة لا تفصل دائما بين الخطاب الوطني والخطاب الديني في تبني معنى "الشهادة". ففي بعض طقوس الحرب وتشييع الشهداء يحضر رجال الدين، كما تستخدم الدولة الخطاب الديني في سياق التضحية، وهذا يكشف أن الدولة الحديثة قد تستثمر الفهم الديني للتضحية، وتوظفه في إضفاء معنى أخلاقي وروحي على الموت من أجل الوطن.

المصدر: الجزيرة

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink