Categories
من "ماشا والدب" إلى "مزرعة الحيوان".. هل تخفي الرسوم المتحركة رسائل سياسية؟
من "ماشا والدب" إلى "مزرعة الحيوان".. هل تخفي الرسوم المتحركة رسائل سياسية؟
استمعاستمع (8 دقيقة)حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesأثار مسلسل الأطفال الروسي "ماشا والدب" (Masha and the Bear) الجدل مؤخرا في بريطانيا، بعد المطالبات البرلمانية بمراجعة استمراره على المنصات الرقمية بدعوى أنه يمثل إحدى أدوات القوة الناعمة الروسية، ما يعيد إلى الواجهة موضوعًا أُثير عدة مرات من قبل على مر تاريخ أفلام الرسوم المتحركة، حول دورها في نقل الرسائل السياسية والأيديولوجية.
منذ ظهور الرسوم المتحركة، لم تبقَ بمنأى عن التحولات السياسية والحروب والصراعات الدولية، ووجدت نفسها في أحيان كثيرة طرفا في هذه التحولات، سواء عبر توظيفها عمدًا في خدمة أهداف الدول، أو من خلال قراءات سياسية أُسقطت عليها لاحقا.
اقرأ أيضا
list of 2 items- list 1 of 2مهرجان سان سيباستيان يعلن القائمة الكاملة للمسابقة الرسمية
- list 2 of 2هوليوود تعيد اختراع الخوف.. 4 اتجاهات ترسم ملامح مستقبل أفلام الرعب
وبين الدعاية المباشرة في زمن الحروب، والاتهامات الحديثة المرتبطة بالقوة الناعمة والهوية والثقافة، تبدو العلاقة بين السياسة والرسوم المتحركة أكثر تعقيدا مما تبدو عليه ظاهريا، وبالتالي فإن الجدل حول "ماشا والدب" ليس استثناء، وهنا نستعرض هذا التاريخ الطويل من تسييس عالم الكرتون.
هل كانت الرسوم المتحركة بريئة يوما؟
منذ أعوام طويلة، لم يعد يُنظر إلى أفلام الرسوم المتحركة على أنها مجرد وسيلة ترفيهية للأطفال، بل واحدة من المسارات المحتملة لتشكيل الصورة الذهنية للدول ونقل قيمها وثقافتها، وهو ما يندرج ضمن مفهوم "القوة الناعمة". ومع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، تصاعدت الحساسية الغربية تجاه المنتجات الثقافية الروسية، لتصبح الأعمال نفسها موضع مساءلة سياسية، حتى وإن لم تتضمن رسائل مباشرة أو معلنة.
ويرجع السبب وراء هذا الجدل الواسع حول "ماشا والدب" إلى أن النواب البريطانيين يرون أنه يقدم صورة إيجابية عن روسيا، ويُطبع بعض الرموز السوفيتية لدى الأطفال، مستندين إلى ظهور البطلة في بعض الحلقات بقبعات أو أزياء ذات طابع عسكري سوفيتي، فضلا عن الانتشار العالمي الواسع للعمل عبر المنصات الرقمية.
إعلانورأى النواب أن هذا الانتشار يمنح روسيا وسيلة للتأثير الثقافي في الأجيال الجديدة، بينما نفت شركة "أنيماكورد" Animaccord المنتجة للمسلسل هذه الاتهامات، مؤكدة أن العمل ترفيهي بحت ولا يحمل أي رسائل سياسية، وأن الشركة مستقلة عن الحكومة الروسية.
ويبدو هذا الجدل حديثً، غير أن الربط بين الرسوم المتحركة والسياسة ليس وليد الأزمة الجارية، فخلال الحرب العالمية الثانية أدركت الحكومات مبكرًا قدرة الشخصيات الكرتونية على الوصول إلى الجمهور بطريقة أكثر تأثيرًا من الخطابات الرسمية، وتحولت الرسوم المتحركة إلى أداة دعائية صريحة.
ففي الولايات المتحدة، أنتجت استوديوهات ديزني فيلم "وجه الزعيم" (Der Fuehrer’s Face)، الذي سخر من أدولف هتلر والنظام النازي بهدف دعم المجهود الحربي الأمريكي، كما قدمت فيلم "التعليم من أجل الموت" (Education for Death)، الذي يصور كيف يحول النظام النازي الأطفال إلى أدوات للدولة عبر التعليم والدعاية. وفي المقابل، استخدمت اليابان الإمبراطورية الرسوم المتحركة بالطريقة نفسها من خلال فيلم "بحارة موموتارو المقدسون" (Momotaro: Sacred Sailors)، الذي شجع الأطفال على تأييد الجيش والإمبراطورية.
من ساحات القتال إلى حرب الأفكار
اتخذت العلاقة بين الرسوم المتحركة والسياسة، مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، شكلًا مختلفًا، حيث أصبحت جزءا من الصراع الأيديولوجي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وجزءا من معركة كسب العقول وترسيخ النموذج السياسي والاقتصادي لكل معسكر.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك فيلم "مزرعة الحيوان" (Animal Farm)، المقتبس عن رواية جورج أورويل الشهيرة. فعلى الرغم من أن الرواية كانت في الأصل نقدا للأنظمة الشمولية، كشفت وثائق رُفعت عنها السرية في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) في تسعينيات القرن الماضي أن الوكالة موّلت إنتاج النسخة الكرتونية عام 1954 سرًا، وعدّلت نهايتها مقارنة بالرواية الأصلية.
ففي حين تنتهي رواية أورويل بإيحاء أن الاستبداد يعيد إنتاج نفسه مهما تغيرت الوجوه، جعل الفيلم الحيوانات تثور مجددا، في رسالة أكثر تفاؤلًا تخدم الخطاب الأمريكي الداعي إلى مقاومة الأنظمة الشيوعية خلال الحرب الباردة.
وفي الجهة المقابلة، وظف الاتحاد السوفيتي الرسوم المتحركة لترسيخ رؤيته السياسية كذلك، فقد أنتج استوديو "سويوزمولتفيلم" Soyuzmultfilm، الذي يُعد أكبر استوديو للرسوم المتحركة في الاتحاد السوفيتي، عشرات الأفلام التي مجدت قيم العمل الجماعي، والانتماء للدولة، والتعاون على حساب النزعة الفردية، وهي القيم التي شكلت جزءا أساسيا من الخطاب السوفيتي آنذاك. ولم تكن هذه الأعمال تهاجم الغرب بصورة مباشرة دائمًا، لكنها قدمت نموذج المواطن السوفيتي المثالي الذي يعكس قيم النظام الاشتراكي.
ومع اتساع رقعة الحرب الباردة، أصبحت الرسوم المتحركة جزءا من التنافس الثقافي بين القوتين العظميين، وسعت كل منهما إلى تصدير رؤيتها إلى العالم بأكمله عبر السينما والتلفزيون، لتنتقل الرسوم المتحركة من أداة تعبئة في زمن الحرب إلى وسيلة للتأثير الثقافي طويل المدى، وهو التحول الذي مهد لاحقًا لظهور مفهوم القوة الناعمة، الذي عاد إلى الواجهة اليوم مع الجدل الدائر حول "ماشا والدب".
من الدعاية إلى التأويل
واليوم تمتد هذه الاتهامات الموجهة إلى أفلام الرسوم المتحركة لتصل إلى أعمال لم يعلن صناعها أي نية لتقديم رسائل أيديولوجية، فمع اتساع المنصات الرقمية وسهولة وصول المحتوى إلى جمهور عالمي، باتت الرسوم المتحركة تُقرأ في ضوء السياقات السياسية والثقافية التي تُعرض فيها.
وأحد أبرز الأمثلة على هذا التحول فيلم "زوتوبيا" (Zootopia)، فعلى الرغم من كونه فيلما عائليا عن تقبل الآخر ونبذ الأحكام المسبقة، فإن كثيرين قرأوه كاستعارة عن العنصرية والتمييز المؤسسي، بينما رأى آخرون أنه يطرح رؤية سياسية لقضايا اجتماعية معقدة داخل عمل موجه للأطفال. ولم يكن هذا الجدل نابعا من تبني ديزني موقفا سياسيا محددا، بقدر ما ارتبط بالطريقة التي استقبل بها الجمهور والنقاد الفيلم في ظل النقاشات المجتمعية المحتدمة حول هذه الموضوعات.
إعلانوبصورة مشابهة، أثار مسلسل "كابتن بلانيت وفرقة الكواكب" (Captain Planet and the Planeteers)، منذ تسعينيات القرن الماضي، نقاشا حول الحدود الفاصلة بين التوعية والدعاية، بعدما اتهمه بعض المحافظين بالترويج لأفكار بيئية مناهضة للرأسمالية، في حين اعتبره آخرون مجرد عمل يهدف إلى تشجيع الأطفال على حماية البيئة والموارد الطبيعية. وأظهر الجدل أن العمل الواحد قد يكتسب دلالات سياسية مختلفة تبعًا لزاوية النظر إليه، حتى وإن لم يكن قد أُنتج لهذا الغرض.
وبالتالي، فإن أزمة "ماشا والدب" هي امتداد لهذا التحول الأوسع الذي شهدته قراءة أفلام الرسوم المتحركة في العقود الأخيرة، فبعد أن كانت الحكومات تستخدمها أداة دعائية مباشرة خلال الحرب العالمية الثانية، ثم وسيلة للتأثير الأيديولوجي خلال الحرب الباردة، أصبحت اليوم أعمالا تُخضعها الصراعات الجيوسياسية والثقافية لتفسيرات متباينة، قد تتجاوز كثيرا ما قصده صناعها.
المصدر: الجزيرةشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylink