Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicJul 11, 2026👁 0 views

لفائف البحر الميت.. أسرار نصوص دينية خبّأتها كهوف قمران

لفائف البحر الميت.. أسرار نصوص دينية خبّأتها كهوف قمران

استمعاستمع (10 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
أجزاء من مخطوطة سفر إشعياء التي عُثر عليها في كهف قرب البحر الميت (غيتي)
Published On 11/7/202611/7/2026|آخر تحديث: 18:36 (توقيت مكة)آخر تحديث: 18:36 (توقيت مكة)

مجموعة من النصوص المكتوبة بخط اليد بلغات أبرزها العبرية والآرامية، يعود تاريخها إلى الفترة بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن الثاني الميلادي، اكتُشفت للمرة الأولى عام 1947 في كهف على الساحل الشمالي الغربي للبحر الميت، وتضم أقدم نسخة من نصوص الكتاب المقدّس اليهودي.

تسمى هذه المخطوطات أيضا "لفائف قمران"، نسبة إلى مواقع الكهوف التي وجدت فيها؛ فقد استخرجت من 11 كهفا في منطقة وادي قمران التي تقع على بعد نحو 20 كيلومترا شرقي القدس، وجاء اكتشافها على يد راعٍ بدوي كان يبحث عن إحدى أغنامه الضالة، قبل أن تقود هذه المصادفة إلى أحد أبرز الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين، وتقدّم نظرة متعمقة للديانة اليهودية قبل عصر المسيح وبعده، وتكتسب أهمية كبيرة لما تكشفه من تشابه بين اليهودية والمسيحية المبكرة.

وتتكون المجموعة من نحو 15 ألف قطعة، معظمها قصاصات وشظايا لبقايا ما بين 800 و900 مخطوطة أصلية. وقد اعتمد الباحثون نظامًا لتصنيفها يقوم على رقم الكهف المستخرجة منه، والحروف الأولى من عنوان المخطوطة بالعبرية. فعلى سبيل المثال، يشير الرمز "1 كيو إم" (1QM) إلى الكهف الأول في قمران (Qumran) ولفيفة "مِلْحَمَاه"، وهي الكلمة العبرية التي تعني "الحرب". كما مُنحت كل مخطوطة رقمًا تعريفيًا مستقلًا.

أحد الكهوف في خربة قمران بالضفة الغربية حيث عُثر على بعض مخطوطات البحر الميت عام 1947 (غيتي)

اكتُشفت مخطوطات البحر الميت مصادفة في أوائل عام 1947، على يد رعاة أغنام من البدو في أحد كهوف خربة قمران بالضفة الغربية. تقول المصادر إن الراعي محمد التعامرة خرج يبحث عن معزى ضالة له، فألقى حجرًا باتجاه إحدى المغارات في منطقة قمران، فسمع صوت تحطم وعاء فخاري في الداخل. وعندما عاد إلى المكان في اليوم التالي رفقة صديقه، عثرا على مجموعة من الأواني الفخارية التي احتوت على نحو 70 مخطوطةً ملفوفة، من بينها 7 لفائف كاملة مكتوبة على الجلد والبردي، إلى جانب عدد من القصاصات.

إعلان

وسرعان ما أثار هذا الاكتشاف اهتمام الباحثين، لتبدأ بعدها عمليات بحث واسعة عن مخطوطات أخرى في المنطقة، وسط تنافس بين السكان المحليين وسلطات الآثار الأردنية آنذاك. وعلى مدى العقد التالي، كُشف عن 10 كهوف إضافية موزعة على 5 مواقع رئيسية، هي: خربة قمران، ووادي المربعات، ووادي الخبرة، ووادي السيال، ووادي دالية، إضافة إلى مسعدة.

عثر في هذه الكهوف على نحو 900 مخطوطة مكتوبة بعدة لغات، أبرزها العبرية، والآرامية التي يُعتقد أنها اللغة التي كان يتحدثها نبي الله عيسى عليه السلام، إضافة إلى اليونانية. وتضمّنت المخطوطات كافة أسفار العهد القديم باستثناء سفر أستير، كما تضمنت نصوصا دينية تقليدية من خارج الكتاب المقدس، إلى جانب تفاسير. وتُعد هذه اللفائف أقدم نسخ معروفة حتى اليوم لنصوص الكتاب المقدّس اليهودي أو ما يعرف بالعهد القديم.

وعند اكتشافها، وضعت بعض المخطوطات في متحف الآثار الفلسطيني الذي كانت تديره السلطات الأردنية، غير أنّه بعد احتلال إسرائيل القدس والضفة الغربية في نكسة 1967، نقلت المخطوطات من متحف الآثار الفلسطيني إلى "ضريح الكتاب" في القدس الغربية.

مخطوطات البحر الميت اكتُشفت صدفة على يد رعاة أغنام من البدو في أحد كهوف خربة قمران بالضفة الغربية عام 1947 (غيتي)

يعتقد معظم العلماء أنّ مخطوطات البحر الميت تعود إلى الإسينيين، وهي فرقة يهودية من الأكثر غموضا، عاشت في جماعات شبه رهبانية انعزلت عن المجتمع، وكرّست حياتها للعبادة والدراسة والتقشف، وكان أفرادها يعيشون حياة جماعية صارمة، ويولون أهمية كبيرة للطهارة والاغتسال والشعائر اليومية.

ويُعتقد أن الجماعة هربت أو أُجبرت على الرحيل بعد نزاع مع القيادات الكهنوتية في القدس حول مسائل تفسيرية في الشريعة، فطوّرت هذه الجماعة على إثر ذلك رؤية خاصة للعالم، رفضت فيها بقية أفراد المجتمع اليهودي، وتبنّت تصورا ثنائيا صارما، يقوم على الانقسام الحاد بين الخير والشر، والنور والظلام.

وتعبّر النصوص التي نالت اهتماما ضمن مجموعة المخطوطات عن عقيدة هذه الجماعة وأسلوب حياتها، وقد أطلقت على نفسها اسم "الاتحاد"، وتأسست على يد شخصية مسيحانية عرفت باسم "معلّم البر".

 فعلى سبيل المثال، تضم النصوص أدلة تنظيمية، ومن بينها قاعدة الجماعة التي تتناول العقيدة والنظام الأساسي واللوائح الخاصة بها، إضافة إلى "لفيفة الحرب" التي تصف انتصار "أبناء النور" على "أبناء الظلام".

فحص قصاصات من مخطوطات البحر الميت في مختبر بالقدس عام 2012 (غيتي)

كما ركز الباحثون على التفاسير، ومن بينها شروح أسفار إشعياء وناحوم والمزامير، والتي تربط بين النصوص المقدسة وظروف الجماعة وتاريخها، إلى جانب النصوص المتعلقة بالطقوس، كأناشيد ذبيحة السبت وتراتيل الشكر، إضافة إلى النصوص ذات المبادئ الأخلاقية.

لكن تنوع النصوص التي تضمها هذه المخطوطات أكسبها قيمة علمية تتجاوز حدود جماعة قمران، إذ تُعد من أغنى المصادر لفهم تعدد المعتقدات والممارسات الدينية في اليهودية القديمة. إذ تشكل نصوص الكتاب المقدس العبري حوالي ربع المخطوطات، كما تضم نصوصا مثل سفر أخنوخ وسفر اليوبيلات وسفر طوبيا، وهي نصوص لم تكن تُعد حكرًا على جماعة أو طائفة.

إعلان

وفي سياق متصل، ذهب بعض الباحثين إلى أن اللفائف تمثل في الأصل محتويات مكتبات في القدس أُخفيت قبيل الحصار الروماني للمدينة (66-73 للميلاد)، غير أن هذه الفرضية لا تحظى بأرضية متينة.

أما كون الجماعة نموذجا للحركات اليهودية المسيحانية، فمنح هذه المخطوطات أهمية إضافية، إذ قورنت بالجماعات المسيحية المبكرة على الصعيدين الاجتماعي والتاريخي. ويستند التشابه بينهما إلى عدد من السمات المشتركة، أبرزها الاعتقاد بأن النصوص المقدسة تحمل نبوءات تتعلق بأحداث العصر الذي عاشته كل من الجماعتين، مع تأكيد كثير من الدارسين أن هذه القواسم قد تعكس الخلفية اليهودية المشتركة أكثر مما تثبت وجود صلة مباشرة بينهما.

مخطوطات البحر الميت عُثر عليها داخل أوان فخارية ومن بينها 7 لفائف كاملة مكتوبة على الجلد والبردي (غيتي)

تحليل بالذكاء الاصطناعي

عام 2021، كشف باحثون في جامعة غرونينغن في هولندا تفاصيل جديدة عن المخطوطات بعد إجراء دراسة على لفيفة سفر إشعياء -وهي الأطول بين المخطوطات- باستخدام تقنيات حديثة في الذكاء الاصطناعي للتعرف على أنماط الكتابة في المخطوطة، إذ قاموا بتحليل حرف الألف العبري (א) الذي يظهر أكثر من 5 آلاف مرة فيها.

وبعد استخلاص آثار الحبر من صور المخطوطة الرقمية، خلصت الدراسة إلى أنها نُسخت على الأرجح على يد ناسخين اثنين، إذ ترتبط آثار الحبر القديم مباشرة بحركة عضلات الكاتب، فتكشف الاختلاف من شخص إلى آخر.

وأضاف الباحثون أن "السيناريو المحتمل هو أن كاتبين مختلفين عملا معاً عن كثب وحاولا الحفاظ على نمط الكتابة نفسه، ومع ذلك كشفا عن نفسيهما، وعن الخاصية الفردية لكل واحد منهما".

ورجّحوا أن التشابه اللافت في أسلوب الكتابة يشير إلى أن الناسخين تلقيا تدريبًا مشتركًا، ربما في مدرسة واحدة أو ضمن تقليد عائلي لتعليم النسخ، بحيث يكون أحدهما قد تتلمذ على يد الآخر، أو حتى أن يكون أبٌ قد علّم ابنه فن الكتابة. وأضافوا أن درجة التشابه بين خطيهما كانت قريبة جدا، إلى حد حال دون تمكن الباحثين -على مدى عقود- من التمييز بينهما.

مخطوطات البحر الميت في متحف إسرائيل بالقدس (غيتي)

ظلت ملكية مخطوطات البحر الميت موضع جدل سياسي وقانوني على مدى عقود. ففي عام 2010، طالب الأردن إسرائيل بإعادة عدد من اللفائف، معتبرا أنها استولت عليها بصورة غير قانونية من متحف في القدس الشرقية خلال حرب الأيام الستة عام 1967، عندما كان المتحف خاضعًا للإدارة الأردنية.

في المقابل، رفضت إسرائيل هذه المطالب، وقالت وزارة خارجيتها إن السيطرة الأردنية على الضفة الغربية لم تحظَ باعتراف المجتمع الدولي، وإن المملكة كانت قد تخلت عن جميع مطالباتها بهذه الأراضي.

وتحتفظ إسرائيل بالمخطوطات في "ضريح الكتاب" داخل متحف إسرائيل في القدس، غير أن إدارتها لها أثارت انتقادات واسعة، ولا سيما فيما يتعلق بالقيود المفروضة على الوصول إليها. فبينما نُشرت معظم المخطوطات الطويلة والأكثر اكتمالًا بعد فترة وجيزة من اكتشافها، اتسم نشر الشظايا والقصاصات الصغيرة ببطء شديد، وظل الاطلاع على الأجزاء غير المنشورة مقتصرًا لفترة طويلة على أعضاء اللجنة العلمية المكلفة بتحريرها ودراستها.

وخلال السنوات اللاحقة، ومع تصاعد الضغوط الأكاديمية، وافق الباحثون في سلطة الآثار الإسرائيلية على رفع القيود التي ظلت مفروضة لسنوات طويلة على لفائف البحر الميت، مما أتاح نطاقًا أوسع من الوصول إلى المخطوطات ودراستها من قبل الباحثين.

المصدر: الجزيرة + الموسوعة البريطانية + بي بي سي + رويترز

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink