Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicJun 19, 2026👁 0 views

صيادو غزة.. الداخل إلى البحر مفقود والخارج منه مولود

صيادو غزة.. الداخل إلى البحر مفقود والخارج منه مولود

استمعاستمع (5 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylinkplay videoplay videoمدة الفيديو 12 دقيقة 28 ثانية play-arrow12:28Published On 19/6/202619/6/2026|آخر تحديث: 21:19 (توقيت مكة)آخر تحديث: 21:19 (توقيت مكة)

في قلب مرافئ قطاع غزة، يخيم صمت ثقيل لا تكسره إلا حسرات الرجال وهم ينظرون إلى بحر باتت ثرواته بعيدة، ومراكبهم التي تحولت إلى شواهد على حرب طحنت الأخضر واليابس.

بين شباك ممزقة ومرافئ مدمرة، تقف شريحة الصيادين في غزة كواحدة من أكثر الفئات تضررا جراء الحرب الأخيرة. فلم تعد الرحلة إلى البحر سعيا وراء الرزق فحسب، بل أصبحت مغامرة محفوفة بالموت، ورحلة يصفها أصحابها بأن "الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود".

يتذكر أبو محمد، أحد الصيادين القدامى في ميناء غزة، كيف كان حالهم قبل الحرب بكثير من الشجن؛ ويقول "قبل الحرب، كانت الأسماك متوفرة بكثرة، وكنا نصدر الفائض إلى الأسواق المجاورة. كنا قد طورنا مهنتنا واستعنا بالتقنيات الحديثة مثل الأقمار الصناعية وأجهزة الـ "جي بي إس" لتحديد مواقع الأسماك، وكان أسطولنا البحري من الأجمل والأكثر تطورا".

بيد أن هذا الازدهار تبخر تماما. فالحرب لم تترك ميناء ولا مركبا إلا وألحقت به الدمار؛ حيث حُرقت المعدات، ودُمرت اللنشات والمراكب الكبيرة. واليوم، يجد الصيادون أنفسهم مجبرين على ركوب البحر باستخدام "ثلاجات وحسكات بدائية جدا" (ألواح من الفلين تستخدم لحفظ الأغذية) يضعون عليها كشافات صغيرة، ويجذفون بالمجاديف لعلهم يظفرون بقوت يومهم.

حتى شباك الصيد وغزل المراكب لم تسلم، حيث ارتفعت أسعارها بشكل جنوني؛ لفة الغزل التي كانت تباع بـ 100 شيكل (نحو 34 دولاراً)، بات سعرها اليوم يتجاوز 2500 شيكل (نحو 844 دولاراً)، بينما يفتقر الصيادون للمال لإعادة بناء ما دمرته الحرب.

الاحتلال ألحق دمارا كبيرا بمعدات الصيد البحري في قطاع غزة (مواقع التواصل)

شح في الصيد وارتفاع فاحش في الأسعار

وأدى غياب المراكب الكبيرة المجهزة، وحظر الدخول إلى أعماق البحر، إلى حصر عمليات الصيد في شريط ساحلي ضيق جدا لا يتجاوز مئات الأمتار. هذه المساحة الضيقة جعلت الصيد يقتصر على الأسماك الصغيرة جدا التي يطلق عليها الصيادون "البذرة"، وهي أسماك كانت قبل الحرب تلقى كمخصبات زراعية للأشجار لعدم جدواها الاقتصادية، أما اليوم، فقد أصبحت قوتا أساسيا يباع في الأسواق لسد رمق المواطنين.

إعلان

هذا الشح الحاد انعكس قفزة هائلة في الأسعار بلغت ما بين 4 إلى 7 أضعاف السعر القديم. فصندوق السمك (البوكسة) الذي كان يباع بـ 3 إلى 5 شواكل قبل الحرب، أصبح الكيلو الواحد من نفس النوع الرديء يباع اليوم بـ 20 إلى 35 شيكلاً.

أما الأنواع الفاخرة مثل "المليطة والسويس واللوقس"، فقد أصبحت ترفا لا يقوى حتى الصياد نفسه على تذوقه أو شرائه لأطفاله، حيث يحتاج رب الأسرة إلى ما بين 70 شيكلاً و100 شيكل لشراء وجبة سمك متواضعة، وهو مبلغ صار عزيز المنال في ظل الانعدام التام لفرص العمل.

صيادو غزة يتحركون في شريط ضيق لا يتعدى مئات الأمتار (الجزيرة)

خطر الموت والاعتقال المتربص

لا تتوقف معاناة صيادي غزة عند حدود الخسائر المادية، بل تتعداها إلى تهديد مباشر لحياتهم. فالزوارق الحربية الإسرائيلية تتربص بكل من يحاول كسب عيشه من البحر. ويؤكد الصيادون أن النيران تفتح عليهم دون سابق إنذار، مما أسفر عن سقوط العديد من الشهداء والجرحى في صفوفهم، فضلا عن عمليات الاعتقال المستمرة ومصادرة ما تبقى من قواربهم البدائية.

يتحدث أحد العاملين في الميناء بحرقة عن رفاقه قائلا "في الآونة الأخيرة فقط، استشهد صياد شاب يافع، واعتقل أكثر من 15 آخر من عرض البحر. نحن لا نغامر؛ نحن نرمي بأنفسنا في أحضان الموت لكي لا يموت أطفالنا جوعا".

وسط هذه اللوحة القاتمة، يشعر صيادو غزة بعزلة شديدة وتهميش من قبل المؤسسات الدولية والإغاثية. فمنذ بداية الحرب، لم تلتفت أي جهة بشكل ملموس لإعادة تأهيل هذا القطاع الحيوي الذي يعيل آلاف الأسر.

وينادي صيادو القطاع اليوم، من بين ركام مرافئهم، كل الضمائر الحية في العالم والدول التي تحترم حقوق الإنسان، للتدخل والضغط من أجل رفع الحصار البحري عنهم، وإمدادهم بالمعدات الأساسية مثل المراكب واللنشات والشباك، ليعود البحر كما كان يوما.. مصدرا للحياة، لا مصيدة للموت.

المصدر: الجزيرة