Middle East in Arabic📡 BBC ArabicAug 2, 2026👁 0 views

صناعة المحتوى: هل تصير العُزلة أسلوب حياة يُطمح إليه؟

صناعة المحتوى: هل تصير العُزلة أسلوب حياة يُطمح إليه؟

صدر الصورة، @lanasololife/@dramafreediaries/@devonandwillo

التعليق على الصورة، تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لصانعي محتوى يشاركون فيها متعة العيش بمفردهم
Article Information
    • Published قبل 2 ساعة
    • مدة القراءة: 6 دقائق

    إنها ليلة عطلة نهاية الأسبوع. تعود شابة بخطى متثاقلة إلى شقتها بعد يوم عمل شاق. تدخل مطبخاً نظيفاً، وتفرغ كيساً من البقالة، ثم تخرج بيتزا مجمدة من غلافها وتضعها في الفرن.

    يعقب ذلك روتين ليلي يكاد يكون تأملياً في رتابته: تشعل شمعة وتتأمل سريعاً المنظر الطبيعي المغطى بالثلوج خارج نافذتها، وتضع سلطة جاهزة في طبق إلى جانب البيتزا، وتجلس على أريكتها لتناول الطعام أمام التلفاز.

    ويقول التعليق المصاحب للمشهد: "فتاة عزباء بلا أطفال، ليس لديك أصدقاء، وتعيشين بمفردك، وهكذا تقضين ليلة الجمعة".

      في قلب الفيديو - الذي حصد سبعة ملايين مشاهدة على تيك توك - تبرز لانا إيسا، وهي مديرة مبيعات برمجيات في العشرينات من عمرها، تقيم في تورنتو بكندا.

      إلى جانب توثيقها لروتينها الليلي للعناية بنفسها، تصطحب لانا متابعيها، الذين يقارب عددهم 400 ألف على تيك توك وإنستغرام، في جولات قيادة ليلية لتناول الوجبات السريعة، وجلسات للقراءة على صخرة بجانب البحيرة، وحتى في سلسلة من الأحداث عندما وجدت نفسها عالقة خارج شقتها في منتصف الليل.

      تُعد لانا جزءاً من شريحة متنامية، وإن كانت محدودة، على الإنترنت، حيث يشارك صناع محتوى، ومعظمهم من النساء، طقوسهم اليومية في العيش بمفردهم، مُسلطين الضوء على نمط حياة يُعطي الأولوية للهدوء والعزلة، على النقيض من الإفراط الذي يهيمن على وسائل التواصل الاجتماعي.

      بالنسبة إلى لانا، لم يكن الكشف عن جانب "عدم وجود أصدقاء" في حياتها مجرد شعار، بل كان "الواقع" الذي عاشته لسنوات عديدة.

      وحيدة، لكنها لا تشعر بالوحدة

      صدر الصورة، @lanasololife

      التعليق على الصورة، تقول لانا إيسا إن مقاطع الفيديو التي تنشرها تعكس حياتها الواقعية، ولم يكن هدفها أبداً "تجميل فكرة عدم وجود أصدقاء"

      بعد تنقلها بين عدة مدارس ثانوية، وخوضها العزلة بسبب جائحة كوفيد-19 خلال سنوات دراستها الجامعية، وانتقالها إلى مدينة أخرى بعد أول تجربة عاطفية فاشلة، وجدت لانا نفسها مضطرة للتأقلم مع العيش بمفردها دون أصدقاء مقربين.

      تخطى الأكثر قراءة وواصل القراءةالأكثر قراءة

      الأكثر قراءة نهاية

      تخطى البودكاست وواصل القراءةيستحق الانتباه

      شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

      تقول: "لا يتحدث الناس كثيراً عن عدم وجود أصدقاء في حياتهم... أعتقد أن الأمر لا يزال يُعتبر محرجاً أو من المحظورات نوعاً ما".

      عندما بدأت بمشاركة تجربتها مع الوحدة على مواقع التواصل الاجتماعي، بدأ جمهورها بالتفاعل معها. ارتفع عدد متابعيها على تيك توك من حوالي 2,000 متابع إلى أكثر من 175,000 متابع، في غضون ثمانية أشهر.

      تضيف: "لقد كان من المثير للاهتمام أن أرى أشخاصاً آخرين، يعيشون نفس الوضع الذي عشته... وأن أشعر بأنني أستطيع، إلى حد ما، أن أجد ما يربطني بالآخرين للمرة الأولى منذ فترة".

      وقد لقي ذلك صدى لدى كثيرين بالفعل. فامتلأت التعليقات على حساب لانا بأشخاص يتشاركون تجارب مماثلة، في العيش بمفردهم أو بدون أصدقاء... ليشعروا بالارتياح أن هناك "من يراهم ويفهمهم".

      وكما هو الحال مع معظم الصيحات الرائجة على الإنترنت، سرعان ما تحول الفضول إلى ردود فعل سلبية. فوُصفت لانا وصانعات محتوى شبيهات لها بـ"مؤثِّرات الوحدة"، حيث اعتبرهن البعض جزءاً من فئة جديدة من النساء الحزينات والوحيدات، اللواتي لا ينجبن أطفالاً ويعانين من أزمة.

      واتهمهن آخرون بتصوير العزلة الذاتية بصورة رومانسية، وتشجيع "جو من الاستسلام المريح" من خلال الابتعاد عن الروابط الاجتماعية.

      لكن مقاطعهن القصيرة ترسم نمط حياة قد يكون أقرب إلى تجارب كثيرين مما يرغبون في الاعتراف به. فهؤلاء النساء يصحبن أنفسهن في مواعيد فردية، وينطلقن في رحلات برية عفوية، بل ويتجاوزن أيضاً شعور الحرج المصاحب لحضور الحفلات بمفردهن.

      إزالة الوصمة عن الوحدة

      بالنسبة إلى ديفون نوهرينغ المقيمة في فينيكس بولاية أريزونا في الولايات المتحدة، وهي صانعة محتوى متفرغة وتصف نفسها بأنها انطوائية، فقد كان من "المحبط" أن تُختزل عطلات نهاية الأسبوع، التي تقضيها بمفردها في الطبخ والاسترخاء في المنزل مع كلبها، إلى مجرد عرض من أعراض الوحدة لدى النساء.

      تقول: "إنه النقيض تماماً للهدف من مقاطع الفيديو التي ننشرها. أنا فقط أكره الوصمة التي تساوي بين كون المرء بمفرده وكونه وحيداً".

      وعلى الرغم من أن نوهرينغ لديها مجموعة من الأصدقاء المقربين، إلا أنها كانت تشعر دائماً "بالخجل" من كونها الفتاة الهادئة التي تعاني من القلق الاجتماعي. لم تجد ضالتها إلا بعد أن كشفت عن مخاوفها على الإنترنت، حيث وجدت متابعين من الانطوائيين الذين يتفهمون معاناتها.

      تقول: "أشعر بأكبر قدر من الحرية وأكون على طبيعتي عندما أكون بمفردي. هكذا أستعيد نشاطي، وأشعر بالفخر لكوني مستقلة وأقوم بالأشياء بمفردي... أعتقد أن هذا شيء يستحق الاحتفاء به".

      صدر الصورة، @devonandwillo

      التعليق على الصورة، تقول ديفون نوهرينغ إن محتواها يتمحور حول إعطاء الأولوية لسكينتها وسلامها الداخلي، وتتساءل: "ما الذي يبدو لك محزناً في ذلك؟"

      يعمل بعض الباحثين في مجال الصحة على "إزالة وصمة الوحدة"، من خلال التمييز بين الوحدة المزمنة التي تفرضها الظروف، والوحدة التي يختارها من يملكون حرية اختيار العيش وقضاء الوقت بمفردهم.

      تقول البروفيسور ميلودي دينغ، الباحثة في علم الأوبئة التي تدرس الروابط الاجتماعية والوحدة في جامعة سيدني: "يشعر الجميع بالوحدة في مرحلة ما من حياتهم، لكن البعض لا يتقبل الاعتراف بذلك بسهولة. وهذا قد يخلق توقعاً خاطئاً بضرورة أن يكون المرء سعيداً من الناحية الاجتماعية ومتواصلاً طوال الوقت".

      لكنها تحذر من أنه، رغم قدرة المؤثرين على إظهار العيش بمفردهم بصورة "جذابة للغاية"، فإن البشر يظلون بحاجة إلى التواصل الاجتماعي، وقد يكون الوقوع في حلقة من العزلة الشديدة ضاراً بالصحة النفسية والجسدية.

      تقول دينغ: "نحن كائنات اجتماعية. وتكون فرص بقائنا أفضل في وجود الرفقة والناس من حولنا".

      وتقر بأن احتياجات الناس الاجتماعية تختلف باختلاف مراحل الحياة، لكنها تأمل أن يتمكن من فقدوا علاقاتهم، في نهاية المطاف، من "تقليل التركيز" على جانب افتقار حياتهم إلى الأصدقاء، وبناء روابط اجتماعية جديدة.

      وتضيف دينغ: "من المهم أن يكون لدينا أشخاص في حياتنا، ومن المهم أن تكون هذه العلاقات إيجابية وتُغذي حياتنا".

      "نريد أن نجد أشخاصاً يشبهوننا"

      حتى في اللحظات التي يشعرن فيها بالوحدة، تقول هؤلاء النساء إن الوحدة لا تُحدد مسار حياتهن، وإنهن لا يطمحن إلى البقاء بلا أصدقاء إلى الأبد.

      وتقول إس جي هودلي، التي تعمل في التنظيف في المملكة المتحدة وبدأت توثق حياتها بمفردها بعد أن شاهدت مقاطع لانا: "نحن لا نصف أنفسنا أبداً بأننا وحيدات. وأعتقد أن افتقاري إلى الأصدقاء يزعج المحيطين بي أحياناً أكثر مما يزعجني".

      بعد انفصالها عن شريك حياتها بعد علاقة مسيئة دامت سبع سنوات، انتقلت إلى منطقة جديدة لا تعرف فيها أحداً، وواجهت تحدي إعادة بناء حياتها من جديد. وعلى الرغم من "الصدمة" التي شعرت بها في البداية، فإنها بدأت لاحقاً "تستمتع بذلك الاستقلال وتشعر بالارتياح لقضاء الوقت برفقة نفسها".

      صدر الصورة، @dramafreediaries

      التعليق على الصورة، تصف إس جيه هودلي نفسها بأنها "مؤثرة بالمصادفة"، ولم تتوقع أبداً أن تحظى بهذا العدد الكبير من المتابعين

      في بيئة وسائل التواصل الاجتماعي، التي تزدهر بإغراق صفحاتنا بصور الحياة المثالية وحالة الخوف الدائم من تفويت الفرص أو الأحداث، يمكن أن يشكّل صعود المؤثرين الذين يشاركون تجارب العيش بمفردهم مصدر تأكيد وطمأنينة، لأولئك الذين يرون انعكاساً لأنفسهم في هذا النمط من الحياة، بحسب الدكتورة آن أولدورف-هيرش من جامعة كونيتيكت، المتخصصة في كيفية بناء البشر للمجتمعات عبر الإنترنت.

      تقول: "هناك ردة فعل متصاعدة منذ فترة طويلة ضد فكرة أننا نشاهد حياة مثالية للجميع، أو اللقطات المختارة بعناية من أبرز لحظاتهم".

      وتعتقد أولدورف-هيرش أن جاذبية محتوى العزلة تلبي حاجة اجتماعية لدى صناع المحتوى وجمهورهم، إذ توفر نوعاً من "التوازن" في مواجهة هيمنة ثقافة المؤثرين المفرطة في إضفاء البريق.

      وتضيف: "نحن نتجه إلى تفضيل هؤلاء المؤثرين، الذين يبدون أكثر أصالة ويعيشون حياتهم الحقيقية. نحن فقط نريد أن نجد أشخاصاً نشعر بأنهم يشبهوننا".

      وشهدت هودلي في بعض الفترات زيادة في عدد متابعيها بعشرات الآلاف يومياً، في حين حصدت مقاطع فيديو نوهرينغ ملايين المشاهدات عبر قنواتها المختلفة.

      وقد جعلت هذه العلاقات الإلكترونية هودلي متحمسة لمستقبل تجد فيه "مجموعة صغيرة من الصديقات". وتأمل نوهرينغ في تنظيم لقاء واقعي مع مجتمعها الافتراضي يوماً ما، وتقول لانا إن هذا الدعم منحها "الدافع" الذي كانت تحتاجه، للبدء في التفكير في تكوين صداقات من جديد.

      تقول هودلي: "أعتقد أن الرسالة الأساسية لكل هذا المحتوى هي: ابحث عن طريقك الخاص. ليس من الضروري أن يكون هناك قالب واحد يناسب الجميع، كما يُفرض علينا باستمرار على وسائل التواصل الاجتماعي".

    • روبوتات للتخفيف من عزلة المسنين