Categories
الاحتكام إلى الناخبين.. سلاح الشعبوية الأوروبية في مواجهة القضاء
الاحتكام إلى الناخبين.. سلاح الشعبوية الأوروبية في مواجهة القضاء
استمعاستمع (12 دقيقة)حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesتتفاقم في أوروبا ظاهرة تتمثل في محاولات قادة التيارات الشعبوية تحويل القرارات القضائية والتحقيقات المالية التي تلاحقهم إلى معارك سياسية مع أجهزة الدولة، عبر مخاطبة الناخبين مباشرة وتقديم أنفسهم بوصفهم ضحايا لتلك المؤسسات.
ويبرز هذا الاتجاه بوضوح في حالتي مارين لوبان زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف في فرنسا، ونايجل فاراج زعيم حزب "إصلاح المملكة المتحدة" البريطاني، اللذين اختارا الاحتكام إلى صناديق الاقتراع بدلا من انتظار نتائج الإجراءات القانونية.
اقرأ أيضا
list of 2 items- list 1 of 2هل بدأت موسكو تعيد النظر في علاقتها مع "الصديق الصيني"؟
- list 2 of 2تصعيد واشنطن وطهران.. كيف تدير الصين توازن النفط والدبلوماسية في عالم متعدد الأقطاب
ويوم الثلاثاء الماضي، قضت محكمة فرنسية بسجن مارين لوبان 3 سنوات، منها سنتان مع وقف التنفيذ، وسنة واحدة تحت المراقبة الإلكترونية عبر سوار إلكتروني في الكاحل، بعد إدانتها في قضية اختلاس أموال من البرلمان الأوروبي.
وخفّضت محكمة الاستئناف في باريس الثلاثاء، مدة حرمان لوبان من تولي المناصب العامة، مما يعني عمليا أن العقوبة ستكون قد انقضت قبل موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، لتظل الأبواب مفتوحة أمام ترشحها للانتخابات الرئاسية في عام 2027 لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون الذي لا يحق له الترشح لولاية جديدة.
لوبان وفاراج.. تشابه في المواقف
هذه التطورات في المشهد السياسي الأوروبي تناولتها بالتحليل صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية وصحيفتا غارديان وفايننشال تايمز البريطانيتان.
ففي تقرير لمدير مكتبها في باريس ستاسي ميكتري، أفادت صحيفة وول ستريت جورنال بأن مارين لوبان ونايجل فاراج يتبعان إستراتيجية متشابهة تقوم على نقل المواجهة من ساحات القضاء وهيئات الرقابة إلى ساحة الرأي العام، باعتبار أن "حكم الشعب" يتقدم -من وجهة نظرهما- على الأحكام القضائية أو التحقيقات الرسمية.
وأشار التقرير إلى أن لوبان أعلنت خوض الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، رغم تثبيت محكمة الاستئناف إدانتها في قضية اختلاس أموال مخصصة للبرلمان الأوروبي، مع استمرار سعيها للطعن أمام أعلى هيئة قضائية في فرنسا.
إعلانأما فاراج، فقد اختار الاستقالة من عضوية مجلس العموم (البرلمان البريطاني)، ودعا إلى إجراء انتخابات فرعية لإعادة انتخابه، بالتزامن مع خضوعه لتحقيق برلماني يتعلق بعدم الإفصاح عن هدية مالية بلغت 5 ملايين جنيه إسترليني (نحو 6.3 ملايين دولار)، حصل عليها من رجل الأعمال المتخصص في العملات المشفرة كريستوفر هاربورن.
مارين لوبان ونايجل فاراج يتبعان إستراتيجية متشابهة تقوم على نقل المواجهة من ساحات القضاء وهيئات الرقابة إلى ساحة الرأي العام
وترى الصحيفة الأمريكية أن القاسم المشترك بين لوبان وفاراج يتمثل في تحويل قضية قانونية إلى قضية سياسية، عبر تصوير نفسيهما ممثلين للإرادة الشعبية في مواجهة ما يصفانه بمؤسسات الدولة التقليدية، بما فيها القضاء وهيئات الرقابة والإعلام والأحزاب التقليدية.
هذه الإستراتيجية -وفقا للصحفي ميكتري- ترمي بالدرجة الأولى إلى وضع الناخبين في مواجهة مباشرة مع القضاة واللجان البرلمانية، وتصوير التحقيقات على أنها مؤامرات تحاك من قِبل نخبة سياسية معزولة تهدف إلى إحباط الإرادة الديمقراطية للشعوب.
وتجلى هذا التوجه بوضوح في فرنسا عقب صدور حكم محكمة الاستئناف الذي أيد إدانة مارين لوبان بتهمة اختلاس أموال الاتحاد الأوروبي، واشترطت عليها ارتداء سوار إلكتروني لمراقبة تحركاتها، غير أن المحكمة أسقطت في الوقت نفسه قرار حظر ترشحها للانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.
وفي هذا السياق، قالت لوبان عقب صدور الحكم إن "الشعب الفرنسي سيكون الحكم"، رافضة الإيحاء بأن الناخبين غير قادرين على اتخاذ قرارهم بصورة مستقلة.
ومن جانبه، وصف فاراج التحقيق البرلماني بأنه محاولة من "المؤسسة السياسية" لمنع حزبه من الوصول إلى السلطة، داعيا ناخبيه إلى توجيه رسالة احتجاج ضد النخبة الحاكمة من خلال إعادة انتخابه.
ويربط تقرير وول ستريت جورنال هذه المقاربة بإرث سياسي بدأ مع رئيس الوزراء الإيطالي الراحل سيلفيو برلسكوني الذي واجه عشرات القضايا القضائية من دون أن يغادر الحياة السياسية، معتمدا خطابا يصور القضاء باعتباره جزءاً من خصومه السياسيين.
كما ترى الصحيفة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عزز هذا النموذج من خلال تقديم ملاحقاته القضائية على أنها استهداف سياسي، وهو الخطاب الذي انعكس على عدد من الحركات الشعبوية الأوروبية.
ومع ذلك، يلفت التقرير إلى أن نجاح هذا النهج ليس مضمونا، لأن الثقة في القضاء الفرنسي لا تزال مرتفعة نسبيا وفق استطلاع رأي أجرته مؤسسة "أودوكسا"، أظهر أن غالبية المستطلعين يرون أن لوبان حظيت بمعاملة قضائية محايدة.
كما أن التجربة البريطانية تشير إلى أن التحقيقات البرلمانية سبق أن أطاحت بشخصيات سياسية بارزة، من بينها رئيس الوزراء الأسبق بوريس جونسون.
وفي موازاة ذلك، توسعت صحيفة غارديان البريطانية -عبر تحقيق أعدته محررة الشؤون المالية آنا آيزاك- في عرض الخلفيات المالية التي تقف وراء التدقيق المتزايد في مصادر تمويل حزب "إصلاح المملكة المتحدة" وزعيمه نايجل فاراج.
إعلانويؤكد التحقيق أن عددا من التحويلات المالية المرتبطة بقيادات الحزب أبلغت بشأنها الوكالة الوطنية البريطانية لمكافحة الجريمة (NCA) من خلال تقارير الأنشطة المشبوهة، وهي آلية تستخدمها البنوك والمؤسسات المالية عندما تثير بعض المعاملات شكوكا تتعلق بإمكان وجود عمليات غسل أموال أو مصادر أموال غير واضحة، مع التشديد على أن هذه التقارير لا تعني إثبات وقوع جريمة، وإنما تمثل مؤشرات تستوجب التحقق.
وتتركز أبرز التساؤلات حول تبرع قيمته مليون جنيه إسترليني (نحو 1.27 مليون دولار) وصل إلى إحدى الجهات المعنية بجمع التبرعات للحزب خلال انتخابات عام 2024.
ووفق غارديان، فإن الأموال مرت عبر منصة مالية أسترالية قبل وصولها، بينما أخفقت البنوك في تحديد المصدر النهائي للمبلغ، مما دفع السلطات البريطانية إلى طلب تعاون الجهات الأسترالية لتتبع مساره.
كما يتناول التحقيق علاقة هذه الأموال بفيونا كوتريل، والدة جورج كوتريل، أحد المقربين من فاراج سبق أن أدين في الولايات المتحدة بقضايا احتيال مالي، وتلفت الصحيفة إلى أن قربه من الحزب وخبرته في العملات الرقمية جعلا المعاملات المرتبطة بأفراد عائلته موضع تدقيق إضافي من المؤسسات المالية.
ويتطرق التحقيق كذلك إلى سلسلة معاملات مالية أخرى تخص نائب زعيم الحزب ريتشارد تايس، تضمنت قرضا من جورج كوتريل، وتحويلات مرتبطة بصفقة عقارية في دبي، وتبرعات لاحقة للحزب.
وترى مصادر مصرفية تحدثت إلى الصحيفة أن ترابط هذه العمليات يبرر إجراء تحقيقات موسعة، خاصة في ظل قواعد مكافحة غسل الأموال التي تفرض رقابة مشددة على الصفقات العقارية والتحويلات الكبيرة.
أما فيما يخص فاراج نفسه، فتوضح آيزاك في تحقيقها أن الهدية المالية البالغة 5 ملايين جنيه إسترليني (نحو 6.3 ملايين دولار)، المقدمة من رجل الأعمال كريستوفر هاربورن، أثارت أيضا تقارير مصرفية بسبب حجمها وطبيعة النشاط الدولي للمتبرع، إضافة إلى التساؤلات حول وجوب الإفصاح عنها وفق القواعد البرلمانية.
وينقل التحقيق ردود الأطراف المعنية، إذ يؤكد فاراج أنه لم يكن على علم بتقديم تقارير الأنشطة المشبوهة، ويقول إنه لا يملك سببا يدفعه للشك في مصدر الأموال، فيما شدد محامو هاربورن على أن المبلغ كان هدية شخصية غير مشروطة قدمت قبل إعلان فاراج ترشحه للانتخابات.
وتخلص غارديان إلى أن القضية تتجاوز الأشخاص المعنيين، لتطرح أسئلة أوسع حول فعالية الرقابة على تمويل الأحزاب السياسية في بريطانيا، ومدى التنسيق بين الهيئات الانتخابية وأجهزة مكافحة غسل الأموال، في وقت تتزايد فيه قوة الأحزاب الشعبوية واحتمالات وصولها إلى السلطة.
فاراج حاول استباق نتائج التحقيق البرلماني بإعادة الاحتكام إلى الناخبين، إلا أن خطوته واجهت تعقيدات بعد إعلان الأحزاب الكبرى عدم خوض الانتخابات الفرعية ضده
وبدورها، تناولت افتتاحية فايننشال تايمز الظاهرة من زاوية مختلفة بحسبانها اختبارا لمستقبل الديمقراطيات الأوروبية، معتبرة أن لجوء لوبان وفاراج إلى الانتخابات ليس مجرد خطوة دفاعية، بل هو تجسيد لفلسفة شعبوية تقوم على تقديم الإرادة الشعبية باعتبارها المرجعية العليا التي تتجاوز المؤسسات الدستورية.
وفي نظر هيئة تحرير الصحيفة، يقول لسان حال الزعيمين "لم أرتكب خطأ، فليحكم الشعب"، وهو خطاب يستند إلى فكرة أن التفويض الانتخابي يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتجاوز الضغوط القضائية أو السياسية، كما حدث في التجربة الأمريكية مع ترمب.
وتلفت الافتتاحية إلى أن فاراج حاول استباق نتائج التحقيق البرلماني بإعادة الاحتكام إلى الناخبين، إلا أن خطوته واجهت تعقيدات بعد إعلان الأحزاب الكبرى عدم خوض الانتخابات الفرعية ضده، الأمر الذي قد يحول المنافسة إلى مشهد رمزي أكثر منه اختبارا سياسيا حقيقيا، دون أن يؤدي ذلك إلى وقف التحقيقات الجارية.
إعلانوفي المقابل، تبدو وضعية لوبان أكثر تعقيدا، إذ إنها لا تزال قادرة قانونيا على الترشح للرئاسة في انتظار قرار المحكمة العليا بشأن الطعن الذي تقدمت به.
ووفقا للصحيفة، سيجد الناخبون الفرنسيون أنفسهم أمام سؤال غير مسبوق إذا أُيد الحكم النهائي قبل موعد الانتخابات: هل يمكن انتخاب رئيسة للجمهورية تحمل إدانة جنائية؟
وتشير الافتتاحية إلى أن جزءا كبيرا من قاعدة لوبان الانتخابية قد لا يعتبر القضية عاملا حاسما، غير أن قدرتها على الفوز ستظل مرتبطة باستمالة الناخبين الوسطيين، الذين قد ينظرون بصورة مختلفة إلى الصدام المفتوح مع مؤسسات الدولة.
وتعتبر فايننشال تايمز أن صعود الشعبوية لا يرتبط فقط بقدرة قادتها على تعبئة أنصارهم، بل أيضا بضعف الأحزاب التقليدية وعجزها عن تقديم بدائل سياسية مقنعة، داعية القوى الوسطية في فرنسا إلى التوافق حول مرشح قادر على منافسة لوبان، كما حذرت في بريطانيا من الاستهانة بقدرة فاراج على استثمار تراجع شعبية الحكومة الحالية.
واستنادا إلى تحليلات الصحف الثلاث، يمكن القول إن النظام الديمقراطي الليبرالي في أوروبا يقف اليوم أمام اختبار حقيقي ووجودي، فبينما تحاول المؤسسات القضائية والرقابية الحفاظ على سيادة القانون وحماية النزاهة المالية للمجال العام، يندفع القادة الشعبويون نحو تفكيك هذه الضوابط من خلال الاحتكام المباشر للجماهير الغاضبة من إخفاقات النخب التقليدية.
المصدر: الجزيرة + غارديان + فايننشال تايمز + وول ستريت جورنالشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylink