Categories
حين تصبح الكاميرا درعا.. كيف تحمي الصحافة ضحايا الكراهية؟
حين تصبح الكاميرا درعا.. كيف تحمي الصحافة ضحايا الكراهية؟
استمعاستمع (5 دقيقة)حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesفي زمن تتعرض فيه الصحافة لانتقادات متزايدة، وتواجه المؤسسات الإعلامية اتهامات بالتدخل أو الانحياز، أعاد تقرير نشرته مجلة جامعة كولومبيا للصحافة التذكير بوظيفتين متناقضتين ظاهريا، لكنهما تمثلان جوهر العمل الصحفي: حماية الحقيقة عبر التوثيق، ومنع تضليل الجمهور عبر الدقة في نقل الوقائع.
وتجلت هاتان الوظيفتان في قصتين مختلفتين، الأولى بطلها مصور شاب منح ضحية شعورا بالأمان، والثانية كشفت كيف أدى حذف كلمة واحدة من عنوان صحفي إلى تضليل ملايين الأشخاص.
الكاميرا بوصفها وسيلة حماية
في الرابع من يوليو/تموز الحالي، كان فين غوميز، البالغ من العمر 23 عاما ويقضي أسبوعه الأول متدربا في وكالة غيتي إيميجز، يجوب شوارع واشنطن بحثا عن صور ميدانية، قبل أن يتلقى تنبيها من محرره بوجود مسيرة لعناصر جماعة "باتريوت فرونت" اليمينية المتطرفة قرب مبنى الكابيتول.
وبعد أن تعقب المجموعة حتى إحدى محطات المترو، تمكن من الصعود إلى عربة امتلأت بمئات المتظاهرين الملثمين، وهناك لفت انتباهه روزويل إنسينا، وهو أميركي من أصل فلبيني، كان محاصرا داخل العربة وسط أفراد الجماعة.
ويقول التقرير إن غوميز لم يبدأ بالتصوير مباشرة، بل عرّف بنفسه أولا وسأل إنسينا إن كان يوافق على التقاط صور له، فجاء الرد: "تفضل، افعل ما تحتاج إليه"؛ فقد أدرك الرجل منذ اللحظة الأولى أن وجود المصور لم يكن لاستغلال الموقف، وإنما لتوثيقه.
وخلال رحلة استمرت سبع محطات، واصل المصور إرسال الصور إلى غرفة الأخبار، بينما ظل يوثق المشهد الذي انتشرت صوره لاحقا في وسائل إعلام حول العالم.
وفي اليوم التالي، نشر إنسينا اثنتين من الصور عبر حسابه على "إنستغرام"، وكتب أن التجربة كانت "مقلقة"، لكنها ذكرته بأن الوطنية الحقيقية لا تقوم على الترهيب أو التخويف، بل على الدفاع عن الحرية والكرامة.
إعلانلكن أكثر ما لفت الانتباه كان شكره الخاص للمصور الشاب، إذ وصف وجوده بأنه "كان مطمئنا بهدوء"، قبل أن يوضح في مقابلة لاحقة أن مجرد وجود شخص يوثق ما يحدث منحه إحساسا بالحماية، لأنه شعر أن هناك شاهدا على ما يجري، وأن الحقيقة لن تضيع.
ويرى كاتب التقرير أن هذه القصة تذكر الصحفيين بأن الأشخاص الذين يغطون قصصهم لا ينظرون إليهم دائما بوصفهم متطفلين، بل قد يرون في وجودهم حماية أخلاقية ورقابية، خصوصا في اللحظات التي يشعرون فيها بالخوف أو العزلة.
عنوان ناقص… ورواية سياسية كاملة
في المقابل، يعرض التقرير وجها آخر من تأثير الصحافة، لكنه هذه المرة يكشف كيف يمكن لخطأ صغير في صياغة عنوان أن يقود إلى موجة تضليل واسعة.
وتبدأ القصة بورقة بحثية أصدرها بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، درست تأثير الهجرة غير النظامية بين عامي 2021 و2024 على سوقي العمل والإسكان في الولايات المتحدة.
وخلصت الدراسة إلى أن الهجرة أسهمت في نحو 30% من الزيادة في أسعار المنازل، ونحو 20% من الزيادة في الإيجارات خلال تلك الفترة، لكنها لم تقل إن أسعار المنازل ارتفعت بنسبة 30% بسبب الهجرة، وهو فارق جوهري في المعنى.
غير أن صحيفة نيويورك بوست، عند إعادة نشر خبر مستند إلى تقرير لقناة فوكس بيزنس، حذفت كلمة صغيرة هي "من" في عنوانها، ليصبح المعنى أن الهجرة "تسببت في ارتفاع أسعار المنازل بنسبة 30%"، بدلا من أنها كانت مسؤولة عن "30% من الزيادة" ورغم أن الفرق لا يتجاوز كلمة واحدة، فإنه غيّر مضمون الدراسة بالكامل.
التضليل ينتشر أسرع من التصحيح
لم يتوقف أثر العنوان عند الموقع الإلكتروني للصحيفة، بل انتشر بسرعة عبر منصة "إكس"، قبل أن يعيد الرئيس الأميركي دونالد ترمب نشره عبر منصته "تروث سوشيال"، كما استشهد به نائب الرئيس جي دي فانس، ووزارة الأمن الداخلي، وعدد من المسؤولين، باعتباره دليلا على سياسات الهجرة في عهد الرئيس السابق جو بايدن.
وحصد المنشور ملايين المشاهدات قبل أن ينتبه عدد محدود من المتخصصين إلى الخطأ، ويبدأوا بمحاولة تصحيحه.
وبعد تواصل كاتب التقرير مع صحيفة نيويورك بوست، عدلت الصحيفة عنوانها، كما حذفت "فوكس" لاحقا منشورا آخر كرر الخطأ، وأذاعت تصحيحا على الهواء.
لكن المشكلة، كما يشير التقرير، أن النسخة المضللة كانت قد انتشرت بالفعل على نطاق واسع، بينما بقي المنشور الأصلي على منصة "إكس" يواصل جمع الإعجابات وإعادة النشر حتى بعد تعديل الخبر.
ويخلص التقرير إلى أن القصتين، رغم اختلافهما، تلتقيان عند جوهر واحد: قوة الصحافة؛ ففي الحالة الأولى، لم تمنح الكاميرا العالم صورة مؤثرة فحسب، بل منحت شخصا محاصرا شعورا بأن هناك من يشهد على ما يتعرض له، وأن الحقيقة لن تختفي.
أما في الحالة الثانية، فقد كشف غياب كلمة واحدة كيف يمكن لعنوان غير دقيق أن يعيد تشكيل النقاش العام، ويغذي خطابا سياسيا يصل إلى أعلى مستويات السلطة قبل أن يتمكن التصحيح من اللحاق به.
وبين هذين المثالين، يذكر التقرير بأن قيمة الصحافة لا تكمن فقط في سرعة النشر أو قوة الصورة، وإنما أيضا في الدقة والمسؤولية، لأن الكلمة والصورة قد تحميان شخصا، أو قد تغيران فهم ملايين الأشخاص للواقع.
إعلان المصدر: مجلة جامعة كولومبيا للصحافةشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylink