Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicJul 9, 2026👁 0 views

إسرائيل: نهاية المطاف؟

إسرائيل: نهاية المطاف؟

آفي شلايم

أحد أبرز المؤرخين العالميين، ومن مؤسسي تيار "المؤرخين الجدد"، وأستاذ فخري في العلاقات الدولية بجامعة أوكسفورد.

Published On 9/7/20269/7/2026استمعاستمع (10 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
حرب الإبادة التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي ما زالت مستمرة في قطاع غزة (وكالة الأناضول)

لا تزال الإبادة الجماعية في غزة، التي اندلعت في أعقاب هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مستمرة، غير أنها أسفرت بالفعل عن صدور كم هائل من الكتب التي تتناول الصراع من زوايا متعددة. ويبرز كتاب "إسرائيل: ما الذي مضى في الاتجاه الخاطئ؟" لعمر بارتوف، كأحد الإصدارات التي حظيت بإشادة نقدية واسعة ومستحقة على ضفتي الأطلسي.

يتناول هذا الكتاب، كما يوحي عنوانه، الانحدار الأخلاقي والسياسي لدولة إسرائيل. ويتمتع مؤلفه، عمر بارتوف، بمؤهلات لا غبار عليها لتأليفه؛ فقد ولد في كيبوتس، وخدم كضابط في جيش الدفاع الإسرائيلي، ويعمل حاليا أستاذا لدراسات المحرقة والإبادة الجماعية في جامعة براون بالولايات المتحدة. وقد أهدى كتابه إلى والده، حانوخ بارتوف، "آخر الصهاينة"، في إشارة إلى تيار الصهيونية الليبرالي الذي لطالما أخلصت له الأسرة بأكملها.

ومع ذلك، كتب هذا المؤلَّف بمداد من الحزن أكثر منه من الغضب. إذ لا يهدف إلى إدانة إسرائيل، بل يسعى لتفسير انحدارها من أيقونة ليبرالية إلى دولة منبوذة دوليا، ومن حلم إلى كابوس يتجلى في الحرب على غزة.

خلال أول عامين ونصف أعقبت هجوم حماس، قتل جيش الدفاع الإسرائيلي أكثر من 73 ألف شخص، ثلثهم من الأطفال؛ وهجر 90 % من السكان قسرا، بعضهم لأكثر من عشر مرات؛ ودمر 82 % من المنازل والبنية التحتية المدنية؛ وألحق أضرارا فادحة بالمرافق الصحية والنظام التعليم

 

يرى بارتوف أن الأمور اتخذت مسارا خاطئا منذ البداية، وتحديدا منذ نشأة إسرائيل. ويتحسر في فصل بعنوان "الدستور المفقود" على إخفاق الآباء المؤسسين في حل معضلة الحفاظ على دولة متعددة الأعراق بوصفها يهودية وديمقراطية في آن واحد؛ أو بعبارة أخرى، إخفاقهم في إيجاد معادلة توفق بين القومية العرقية والتعددية.

ويجادل الكاتب بأنه لو جرى اعتماد دستور مكتوب، ونشأت أجيال من الإسرائيليين على احترام هذا الدستور والاعتزاز بوثيقة حقوق تشمل البشر جميعا، "لربما تراجعت حدة العنصرية الزاحفة في المجتمع الإسرائيلي، ولربما أثارت اللامبالاة المذهلة تجاه الإبادة الجماعية المرتكبة في غزة والجرائم والمذابح اليومية في الضفة الغربية شعورا أعمق بالفضيحة".

إعلان

ربما يكون هذا صحيحا؛ فالتاريخ لا يفصح عن بدائله. غير أن ثمة أسبابا وجيهة للتشكيك في أن دستورا مكتوبا ووثيقة حقوق كان بوسعهما تغيير مسار التاريخ الإسرائيلي. وفي واقع الأمر، لقد حددت وثيقة مكتوبة سلفا طابع الدولة الوليدة. إذ وعدت "وثيقة الاستقلال"، التي وقعها الآباء المؤسسون الصهاينة في 15 مايو/أيار 1948، بإرساء "المساواة الاجتماعية والسياسية التامة لجميع مواطنيها دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو الجنس".

بيد أن هذا الوعد لم يتحقق قط. ولم يكن ذلك سوى مثال واحد من أمثلة كثيرة على الهوة السحيقة بين الخطاب الصهيوني الليبرالي المنادي بالقيم العالمية، والواقع العنصري والتمييزي؛ وهي هوة اعتاد قادة إسرائيل على ردمها بالنفاق والخداع.

ولعل إحدى الحسنات القليلة جدا التي يمكن أن تحسب لصالح الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة الحالية هي تخليها عن الخطاب الليبرالي، وكشفها الوجه القبيح للمجتمع الإسرائيلي المعاصر أمام الملأ.

ففي ظل قيادات حزب العمل، اعتدنا على القبضة الحديدية المخبأة خلف قفاز مخملي. أما اليوم، في ظل حزب الليكود وشركائه في الائتلاف الصهيوني الديني، فنشهد تمييزا صارخا ضد المواطنين الفلسطينيين في البلاد البالغ عددهم نحو مليوني نسمة، إلى جانب قبضة حديدية سافرة في التعامل مع 5.6 ملايين فلسطيني في الأراضي المحتلة. وبطبيعة الحال، لا تعد وحشية الصهيونية أمرا جديدا من منظور الضحايا الفلسطينيين؛ فقد أدركوها وكابدوها طيلة الوقت.

بدون الدعم الغربي، سيبدأ المشروع الاستعماري الصهيوني في التداعي، ليمثل هذا المسار أفضل أمل لجميع القاطنين بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط

 

لا يعود بارتوف بالزمن إلى الوراء بما يكفي لاستكشاف الجذور العميقة للعنصرية الإسرائيلية. فالصهيونية هي حركة استعمارية استيطانية معلنة، وصنيعتها السياسية الأبرز- أي دولة إسرائيل- هي دولة استعمارية استيطانية. ويقوم منطق الاستعمار الاستيطاني على محو السكان الأصليين، وهو هدف ينجز عبر التطهير العرقي. ففي عام 1948، وإبان الحرب العربية الإسرائيلية الأولى، طردت إسرائيل 750 ألف شخص، أي ما يربو على نصف السكان الفلسطينيين.

وخلال حرب يونيو/حزيران 1967، أطلقت إسرائيل موجة نزوح أخرى شملت 250 ألف لاجئ من الضفة الغربية. وكان بعض هؤلاء لاجئين للمرة الثانية، ومجددا، منعوا من العودة إلى ديارهم، تماما كما حدث في عام 1948. وتعرف أحداث عام 1948 في اللغة العربية باسم "النكبة". ورغم ذلك، لا تمثل النكبة حدثا عابرا بل سيرورة مستمرة، بلغت ذروتها الأكثر وحشية في الحرب الحالية على غزة.

ولئن لم تبدأ الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول، إلا أن هجوم حماس وفر فرصة سانحة للتهجير الجماعي للمدنيين من قطاع غزة. ففي وثيقة مسربة بتاريخ 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، رسمت وزارة الاستخبارات الإسرائيلية خطة لترحيل سكان قطاع غزة، البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة، إلى شبه جزيرة سيناء المصرية.

غير أن الرفض المصري أحبط هذه الخطة. إثر ذلك، صعدت إسرائيل هجومها على السكان المدنيين عبر منع تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة، بما يشمل الغذاء والماء والوقود والإمدادات الطبية. وبتوظيفها التجويع كسلاح حرب، باتت إسرائيل مذنبة بارتكاب إبادة جماعية للمرة الأولى في تاريخها.

إعلان

وخلال أول عامين ونصف أعقبت هجوم حماس، قتل جيش الدفاع الإسرائيلي أكثر من 73 ألف شخص، ثلثهم من الأطفال؛ وهجر 90% من السكان قسرا، بعضهم لأكثر من عشر مرات؛ ودمر 82% من المنازل والبنية التحتية المدنية؛ وألحق أضرارا فادحة بالمرافق الصحية والنظام التعليمي؛ كما تسبب في أضرار بيئية يتعذر إصلاحها؛ وقلص المساحة الصالحة للزراعة من 40% إلى 4% من مساحة القطاع؛ ليفلح تماما في جعل غزة بيئة غير صالحة للسكن. وفي الضفة الغربية، كثف المستوطنون اليمينيون المتطرفون حملات التطهير العرقي، بتشجيع من الحكومة وحماية من الجيش.

بات جيش الدفاع الإسرائيلي، الذي طالما روج له بوصفه "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم"، يُرى باطراد كواحد من أكثر الجيوش النظامية وحشية وسادية في العالم

 

ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ارتكبت إسرائيل سلسلة من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وعلى رأسها أم الجرائم قاطبة؛ الإبادة الجماعية. ورغم ذلك، لم تحاسب على انتهاكاتها الصارخة للقانون الإنساني الدولي، وظلت تفلت بجرائم القتل، بالمعنى الحرفي للكلمة.

وتواصل القوى الغربية، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، تزويد إسرائيل بالأسلحة والغطاء الدبلوماسي. ورغم التحول الجذري الذي شهده الرأي العام الغربي ضد إسرائيل ولصالح الفلسطينيين، سيتعين على الحكومات الغربية في نهاية المطاف أن تقتفي أثر شعوبها.

وبدون الدعم الغربي، سيبدأ المشروع الاستعماري الصهيوني في التداعي، ليمثل هذا المسار أفضل أمل لجميع القاطنين بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط. ولا يقتصر الأمر على الأراضي المحتلة فحسب، بل إن إسرائيل ذاتها بحاجة إلى إنهاء استعمارها.

إن التدهور الأخلاقي والسياسي لدولة إسرائيل ليس وليد غياب دستور مكتوب، بل هو نتاج متأخر، ولكنه حتمي، للاستعمار الاستيطاني. كما أن الضرر الذي لحق بسمعة إسرائيل جراء تدمير غزة فادح للغاية. فبأفعالها، حولت إسرائيل نفسها إلى دولة منبوذة دوليا.

وبات جيش الدفاع الإسرائيلي، الذي طالما روج له بوصفه "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم"، يُرى باطراد كواحد من أكثر الجيوش النظامية وحشية وسادية في العالم.

صحيح أن عجلات العدالة الدولية تدور ببطء، إلا أنها بدأت بالفعل في التحرك ضد إسرائيل. فقد قضت محكمة العدل الدولية في لاهاي بعدم قانونية الاحتلال برمته، في حين أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي اعتقال بحق بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت.

ورغم الإقرار بأن أهمية هذه القرارات رمزية أكثر منها عملية، إلا أنها تشكل إشارات واضحة على أن إسرائيل ستحاسب عاجلا أم آجلا على جرائمها؛ جرائم قوة استعمارية وحشية عفا عليها الزمن في حقبة ما بعد الاستعمار.

وكما يقول المثل العربي المأثور: "ما بني على باطل فهو باطل".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink