Categories
من الشارع إلى الاقتراع.. هل التقطت الأحزاب المغربية مطالب جيل زد؟
من الشارع إلى الاقتراع.. هل التقطت الأحزاب المغربية مطالب جيل زد؟
استمعاستمع (11 دقيقة)حفظ
شارِكْ من الشارع إلى الاقتراع.. هل التقطت الأحزاب المغربية مطالب جيل زد؟ على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesالرباط – بعد أشهر من احتجاجات "جيل زد 212″، التي رفعت مطالب مرتبطة بالصحة والتعليم وفرص الشغل ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات العمومية والكرامة والعدالة الاجتماعية، يجد المغرب نفسه أمام اختبار قدرة المؤسسات السياسية على التقاط ما جاء من مخرجاتها وإعادة صياغته في برامج قابلة للتنفيذ والمحاسبة، وذلك مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 سبتمبر/أيلول.
لا يتعلق السؤال فقط بما إذا كانت مطالب الشباب قد وجدت طريقها إلى البرامج الانتخابية، بل باستطاعة الأحزاب أن تحولها من شعارات رفعت في الشارع والفضاء الرقمي إلى التزامات واضحة وسياسات قابلة للقياس.
قصص مقترحة
list of 2 items- list 1 of 23 سيناريوهات قد ترسم ملامح الحكومة المغربية القادمة
- list 2 of 248 دقيقة تكفي.. لمحات زياش تثير إعجاب الصحافة البرازيلية (فيديو)
وتزداد المفارقة وضوحا حين يوضع السؤال إلى جانب مؤشرات التسجيل في اللوائح الانتخابية، التي تكشف بدورها فجوة واضحة بين الأجيال داخل الهيئة الناخبة.
فالفئة العمرية الواقعة بين 18 و24 سنة لا تمثل سوى نحو 3% من المسجلين في اللوائح، وفق معطيات الهيئة الناخبة في وضعية 10 يوليو/تموز 2026، مقابل 8% في انتخابات 2021، ولا تتجاوز حصة المسجلين ممن هم دون 35 سنة 18%، حسب المعطيات نفسها. وفي المقابل، سجلت حصة من تتجاوز أعمارهم 60 سنة نحو 30%.
غير أن قراءة هذه الأرقام باعتبارها دليلا مباشرا على ابتعاد الشباب عن السياسة قد تكون مضللة. إذ إن المشاركة السياسية، حسب محللين سياسيين، لا تختزل في التصويت أو الانتماء إلى حزب، بل تشمل أشكالا أخرى من التعبير والاحتجاج والتفاعل مع القضايا العامة.
يشير عبد المنعم لزعر، أستاذ علم السياسة بجامعة محمد الخامس، في تصريح للجزيرة نت، إلى أن ضعف التسجيل لا يعني بالضرورة ضعف المشاركة السياسية، موضحا أن علاقة الشباب بالشأن العام يمكن أن تتخذ أشكالا أخرى خارج المؤسسات الانتخابية، من الانخراط في النقاش والحوار السياسيين إلى المشاركة في بعض التعبيرات الاحتجاجية.
إعلانويذهب محمد الدعدوي، أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة أوكلاهوما سيتي، في حديث للجزيرة نت، في الاتجاه نفسه، معتبرا أن قياس اهتمام الشباب بالسياسة من خلال نسبة التصويت وحدها يقود إلى استنتاج ناقص، وأن تجربة "جيل زد 212" تكشف البحث عن قنوات جديدة للتعبير أكثر منها انسحابا من السياسة، إذ أصبح الشباب قادرين على الالتقاء حول مطالب مشتركة من دون الحاجة إلى حزب أو قيادة تقليدية تتحدث باسمهم.
ويختصر الأكاديمي المغربي الدعدوي هذه المفارقة بالقول إن عدم المشاركة في الانتخابات لا يعني بالضرورة عدم الاهتمام بالسياسة، وإن العزوف عن الانتخابات نفسه قد يكون أحيانا تعبيرا عن موقف سياسي.
وتكشف مواقف شباب التقتهم الجزيرة نت أن العزوف لا يرتبط بموقف واحد، فبينما يرى بعضهم في عدم التسجيل في اللوائح رسالة اعتراض على وعود انتخابية لا تلامس قضايا الشغل والكرامة اليومية، يعتبر آخرون التسجيل امتدادا لنشاطهم المدني والرقمي ووسيلة للتأثير في أولويات المرحلة المقبلة ومحاسبة الفاعلين.
وهنا تصبح الانتخابات أمام تحدّ مختلف، ليس فقط إقناع الشباب بالتصويت، بل إقناعهم أولا بأن المؤسسات قادرة على تحويل مطالبهم إلى نتائج ملموسة.
يبدو أن موقف جزء من الشباب من الانتخابات لا ينبغي تفسيره باعتباره رفضا للديمقراطية، بل بأنه يعكس أزمة ثقة في جدوى المؤسسات والقائمين عليها.
وأظهرت دراسة ميدانية أجراها الأستاذ بقسم الإنسانيات والفلسفة والدين في كلية جون أبوت، الدكتور هشام تيفلاتي، واعتمدت إثنوغرافية رقمية على "ديسكورد"، عن تباين لافت في أولويات الشباب المغربي: فأولوية الاستقرار ومحاربة الفساد تصل إلى 65.2%، مقابل 24.5% فقط لتعزيز الديمقراطية بوصفها قيمة مجردة.
كما يوضح الأكاديمي المغربي تيفلاتي للجزيرة نت، أن الشباب المغربي ينظر إلى الصندوق الانتخابي باعتباره أداة من بين أدوات أخرى لتحقيق نتائج مادية ملموسة، لا غاية في حد ذاتها.
وتبرز الدراسة أيضا أن 82% من المشاركين يفكرون بجدية في الهجرة، وهو مؤشر يقرؤه الباحث نفسه في سياق انسداد آفاق التغيير لدى شريحة من الشباب.
من جهته، يحذر الباحث الدعدوي من مساواة العزوف الانتخابي بالعزوف السياسي، فالشاب قد يبتعد عن الانتخابات لعدم ثقته في الأحزاب، لكنه يظل حاضرا في المجال العام بوسائل أخرى.
وهنا يصبح التحدي أمام الانتخابات المقبلة مزدوجا: رفع نسب المشاركة التقليدية من جهة، وإعادة بناء الصلة بينها وبين الأشكال الجديدة التي طورها جيل نشأ داخل الفضاء الرقمي من جهة أخرى.
تؤدي الانتخابات وظيفة تتجاوز اختيار ممثلين، فهي تنقل المطالب الاجتماعية من المجال غير الرسمي إلى المجال المؤسساتي.
ويوضح الأكاديمي لزعر الفكرة بقوله إن وظيفة الانتخابات تتمثل في نقل المطالب الاجتماعية والسياسية من بعدها غير الرسمي إلى بعدها الرسمي، مع إضفاء البعد المؤسساتي عليها.
إعلانوعند قراءة البرامج الانتخابية للأحزاب مجتمعة، تبدو قضايا الصحة والتعليم والتشغيل ومحاربة الفساد حاضرة بدرجات متفاوتة، وتتقاطع في معظمها مع مطالب "جيل زد 212".
غير أن حضور القضية لا يعني أن طريقة معالجتها واحدة، فالفارق الحقيقي يظهر في درجة التحديد ومؤشرات القياس والآجال والموارد المرصودة.
ويرى الباحث لزعر أن البرامج الانتخابية تكشف أيضا ما تراهن عليه الأحزاب سياسيا، وأن الاستثمار الجدي في قضايا الشباب قد يرفع العوائد الانتخابية للحزب المعني ويقلص في الوقت نفسه الفجوة القائمة بينه وبين هذه الفئة والمؤسسات التمثيلية عموما.
لكن الباحث في العلوم السياسية الدكتور محمد شقير، يلفت إلى أن المشكلة لا تتعلق بالبرامج وحدها، بل تمتد إلى بنية التمثيل الحزبي نفسها، إذ إن التقدم في خطاب التشبيب لا يوازي، في نظره، تحولا مماثلا داخل التنظيمات الحزبية أو الترشيحات، ويستدل على ذلك بإلغاء اللوائح الشبابية في الاستحقاق الحالي، في وقت جرى فيه الحفاظ على اللائحة الجهوية النسائية.
ويوضح الأستاذ شقير، في تصريح للجزيرة نت، أن استمرار حضور القيادات المتقدمة في السن وضعف تداول النخب يجعلان الخبرة والشبكات والموارد عوامل تمنح المرشحين التقليديين تفوقا واضحا على الشباب، ولذلك فإن وجود الشباب في الخطاب لا يكفي ما لم ينعكس على موقعهم الفعلي في مواقع القرار.
تظهر المسافة الأصعب بين الشارع والبرنامج عند اختبار البرامج، إذ إن مطالب الصحة والتعليم والتشغيل تدخل بسهولة نسبيا إلى الخطاب الانتخابي، لكن تحويلها إلى التزامات قابلة للقياس هو ما يحدد قدرة الأحزاب على استعادة ثقة الشباب.
ويعتبر الأستاذ تيفلاتي هذا الشرط جوهريا في موقف جيل زد، مشيرا إلى أن ما سيحسم موقف الشباب ليس الانتماء الحزبي، بل قدرة الفاعلين السياسيين على الحديث بلغة الالتزامات القابلة للقياس بدل لغة الشعارات والوعود العامة.
ويرى أن الشباب لا يتعاملون مع الانتخابات كتلة تصويتية واحدة، بل قد يختارون قضية بقضية ومرشحا بمرشح، فيما يسميه الليبرالية الهجينة، محذرا من أن أي حملة انتخابية غائبة عن هذه المنصات ستكون غائبة عمليا عن الجيل نفسه.
وفي المقابل، فإن إجراءات تشجيع الشباب على المنافسة، ومن بينها دعم عمومي يغطي 75% من مصاريف حملات المرشحين الذين هم دون 35 سنة بسقف 500 ألف درهم، إلى جانب فتح أجل استثنائي للتسجيل، تمثل محاولة لتقليص اختلال التمثيل.
وكان مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، قد أوضح، في وقت سابق (خلال ندوة صحفية عقب مصادقة المجلس الوزاري على مشاريع القوانين التنظيمية للانتخابات في أكتوبر/تشرين الأول 2025)، أن هذا الدعم يهدف إلى تشجيع انخراط الشباب، من داخل الأحزاب السياسية أو خارجها، في الحياة السياسية وتعزيز حضورهم في المؤسسات التمثيلية.
غير أن الأكاديمي المغربي شقير يرى أن هذه الإجراءات تظل محدودة الأثر ما لم تتغير بنية المنافسة نفسها، معتبرا أنها استجابة سياسية لتداعيات حراك جيل زد، وإشارة سياسية للقيادات الحزبية بضرورة العمل على تشبيب وتجديد هياكلها التنظيمية، لكنها لا تكفي وحدها لاختراق المنظومة التمثيلية.
تبدو الانتخابات المقبلة أمام مفارقة واضحة، جيل خرج مطالبا بنتائج ملموسة، وأحزاب تحمل برامج تتحدث عن جزء كبير من تلك المطالب، لكن المسافة بين الطرفين لا تختصر في مضمون البرامج، بل تمتد إلى الثقة في قدرة المؤسسات على التنفيذ، وإلى جعل الصندوق نفسه يبدو للشباب وسيلة فعالة للتغيير لا مجرد محطة دورية.
وقد تكون الرسالة الأهم لاحتجاجات "جيل زد 212" أن الشباب لم يختف من المجال السياسي، بل يعيد تعريف طريقة حضوره فيه، بينما ستكشف الانتخابات المقبلة ما إذا كانت الأحزاب قد التقطت هذا التحول فعلا، أم أن الفجوة بين جيل يحتج بحثا عن نتائج ومؤسسات تطلب منه العودة إلى التصويت لا تزال قائمة.
إعلان المصدر: الجزيرةمراسلو الجزيرةسياسة|المغربشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylink