Categories
"أسود الأطلس" والقوة الناعمة من قطر إلى أمريكا
"أسود الأطلس" وترويض الاستعراض الأمريكي
منصف اليازغيباحث في السياسات الرياضية (المغرب).
Published On 28/6/202628/6/2026|آخر تحديث: 12:47 (توقيت مكة)آخر تحديث: 12:47 (توقيت مكة)استمعاستمع (11 دقيقة)حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesعندما وضع الأكاديمي والباحث السياسي الأمريكي الراحل جوزيف ناي مفهوم القوة الناعمة، لم يكن يبحث عن بديل للقوة العسكرية والاقتصادية، بقدر ما كان يلفت الأنظار إلى وجه آخر للتأثير طالما أهمل، ويتحدد في قدرة الدولة على أن تجعل غيرها يرغب فيما تريده هي، لا خوفا ولا طمعا، بل اقتناعا وانجذابا.
ومصدر هذه القوة، في تصوره، ثقافة الدولة وقيمها وما يبدو من مصداقية في سلوكها الخارجي، فإن لم يكن هذا المحتوى جذابا، عجزت الدبلوماسية العامة عن إنتاج أي قوة ناعمة.
في هذا الأفق يمكن أن نقرأ كرة القدم، فاللعبة الأكثر شعبية في العالم تمنح صاحبها حضورا رمزيا يعبر الحدود واللغات.
غير أن الأطروحة التي ينهض عليها هذا النص تتجاوز قراءة الحدث في لحظته المعزولة إلى قراءته بوصفه عملية تراكمية، فمونديال قطر 2022 -بالنسبة للمغرب- كان زمن التأسيس وتراكم الرأسمال الرمزي، ومونديال الولايات المتحدة 2026 هو زمن إشعاع هذا الرأسمال واختباره على أرض جديدة.
لا يمكن للقوة الناعمة أن تكون ناجحة تماما ما لم تترجم جاذبيتها الرمزية إلى مكاسب مادية ملموسة، فالإشعاع الخارجي والصورة المشرقة التي رسمت عن المغرب في قطر كسرت الصور النمطية الكلاسيكية التي قد يحملها البعض عن دول الشمال الأفريقي
تستشف القيم في أدبيات القوة الناعمة من السلوك لا من الخطاب. وهنا تحديدا أثار مشهد لاعب مغربي يصعد إلى المدرج في قطر ليقبل رأس أمه، حتى صار توقيعا للمنتخب كله، قراءة عالمية بوصفه مؤشرا على تراتب قيمي تتصدره الأسرة.
ولأن هذه الصور لم تصنع للاستهلاك الخارجي، فقد اكتسبت مصداقية يعجز الخطاب الموجه عن بلوغها، فأسهمت في مراجعة تصورات مسبقة عن الرجل المسلم ذي الأصول العربية والأمازيغية والأفريقية.
وبالموازاة مع منظومة القيم، اشتغل الرمز، فوفق سيمون أنهولت، مؤسس مفهوم العلامة التجارية للدولة (Nation branding)، تلعب الهوية البصرية دورا حاسما في الصورة الذهنية.
إعلانوهكذا تحول القميص الأحمر، بنقوشه المستوحاة من التطريز المغربي، من لباس رياضي إلى لغة انتماء وسلعة تنفد من الأسواق، فمن يرتديه لا يعلن مجرد تشجيع، بل انتماءه إلى حكاية وسردية جاذبة، في زمن صارت فيه الهوية تبنى على السرد أكثر مما تبنى على المكان والزمان.
وهذا ما عكسته بجلاء صور أطفال برازيليين بالقميص الرياضي المغربي، في أزقة إمبراطورية كرة القدم التي لا تغيب عنها الشمس، كنوع من الانحياز الفطري إلى البطل الذي يكسر التوقعات، لكن هذا الأثر لم يكن ليتسع لولا البنية الرقمية التي حولت اللقطات الإنسانية لأسود الأطلس إلى ظاهرة كونية تتكاثر ذاتيا.
هذا الرأسمال الرمزي المتراكم هو الذي عاد ليشع في نسخة 2026 المقامة لأول مرة بمشاركة 48 منتخبا وبتنظيم مشترك بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
فالمنتخب الذي دخل قطر مفاجئا، دخل أمريكا وهو يحمل لقب أول منتخب عربي وأفريقي يبلغ نصف نهائي كأس العالم، رصيد بات يسبقه إلى الملاعب، ومع كل فوز جديد، مع نجوم باتوا أسماء عالمية مثل أشرف حكيمي وابراهيم دياز ونصير مزراوي، تعود الحكاية ذاتها للدوران من جديد، أمام جمهور أوسع وفي جغرافيا أبعد.
غير أن البطل لم يعد المنتخب وحده، بل جمهوره أيضا، إذ تحول المشجعون المغاربة إلى أحد أبرز عناوين البطولة، واعتبرتهم وسائل إعلام دولية من بين أكثر الجماهير تأثيرا، بعدما زحفت أعداد غفيرة من الجالية المغربية المقيمة بالولايات المتحدة وكندا وأوروبا لتؤثث لوحة جماهيرية لافتة في ملاعب نيويورك وبوسطن وأتلانتا.
وهكذا صار "الشتات" المغربي امتدادا طبيعيا لقوة الدولة الناعمة، يحمل قميص المنتخب الوطني إلى قلب المدن الأمريكية.
ولا يمكن للقوة الناعمة أن تكون ناجحة تماما ما لم تترجم جاذبيتها الرمزية إلى مكاسب مادية ملموسة، فالإشعاع الخارجي والصورة المشرقة التي رسمت عن المغرب في قطر كسرت الصور النمطية الكلاسيكية التي قد يحملها البعض عن دول الشمال الأفريقي، وتولد لدى الملايين فضول حقيقي لاكتشاف جغرافيا وثقافة هذا البلد الذي أنجب هؤلاء الأبطال وتلك الأمهات، فأين يظهر أثر ذلك عمليا؟
في السياحة قبل غيرها، فقد قفز عدد الوافدين على المغرب قفزة واضحة تخطى بها منافسين إقليميين راسخين، بعدد قياسي ناهز 20 مليون سائح عام 2025.
تحولت كرة القدم إلى أقوى حملة إعلانية مجانية في تاريخ السياحة المغربية، حملة بنيت على المشاعر الصادقة والإبهار والمشاركة الوجدانية، لا على عروض بأثمان تفضيلية
فيما تشير الإحصائيات إلى تدفق غير مسبوق منذ 2023 للسياح من أسواق جديدة لم تكن تضع المغرب ضمن خياراتها الأولى، مثل أمريكا اللاتينية وآسيا وأوروبا الشرقية، على نحو تجاوز توقعات الدولة في المجال السياحي.
لقد تحولت كرة القدم إلى أقوى حملة إعلانية مجانية في تاريخ السياحة المغربية، حملة بنيت على المشاعر الصادقة والإبهار والمشاركة الوجدانية، لا على عروض بأثمان تفضيلية.
صحيح أن للأمر أسبابا متعددة، من تحديث البنية التحتية مرورا بتقاليد الضيافة المغربية إلى فتح خطوط جوية جديدة، لكن الصورة التي تشكلت في قطر فتحت شهية جنسيات كثيرة لاكتشاف صاحب الحكاية.
إعلانهكذا تحول الانجذاب الرمزي، عبر سلسلة هادئة من الفضول، الاهتمام، ثم الزيارة، فأرقام بشرية واقتصادية. ولم ينطفئ هذا الزخم بانتهاء البطولة، فاستضافة المغرب استحقاقات كبرى، في مقدمتها كأس أفريقيا 2025، أبقت دورة الإشعاع والاستثمار دائرة، فنقلتها من أجواء خارجية إلى دروب الرباط وفاس وطنجة وأكادير ومراكش وكازابلانكا.
وبهذا المعنى، انتقل المغرب من بلد راكم رصيدا رمزيا إلى بلد لديه رأسمال وميزة قابلة للتوظيف. وهنا بالضبط يطل مونديال 2026 بوصفه محطة اختبار هذا الرأسمال على أرض جديدة.
ولم تترك المملكة المغربية اللحظة لعفويتها هذه المرة، بل بدأت تمسك بها رويدا رويدا، وهو تطور نوعي في الدبلوماسية الرياضية.
فقد خصصت الجامعة الملكية تذاكر مدعمة لتيسير حضور الجماهير، وبرمجت الخطوط الملكية المغربية رحلات إضافية نحو المدن المستضيفة بأثمان تفضيلية، رغم ما فرضته عوائق التأشيرة وكلفة السفر من حدود.
أمريكا وحدود توظيف الرياضة
لا تكتمل هذه القراءة دون وضعها في سياق الدولة المضيفة، التي تقدم حالة دالة في الاتجاه المعاكس. فالولايات المتحدة، التي ارتبطت صورتها في المخيال العالمي بالقوة الصلبة من حروب وتدخلات وعقوبات اقتصادية، سعت إلى توظيف استضافة المونديال بوصفه واجهة قوة ناعمة تلطف هذه الصورة وتعيد تقديمها بلباس الانفتاح والاحتفاء الكوني.
وهو توظيف ليس جديدا، فالأحداث الكبرى كثيرا ما استعملتها الدول لإعادة بناء صورتها، من برازيل 2014 إلى روسيا 2018 وصولا إلى قطر 2022.
غير أن الواضح هو أن الرهان الأمريكي في 2026 ارتد جزئيا إلى ضده، إذ طغى منطق القوة الصلبة على الواجهة الناعمة، بفعل سلسلة من قيود الهجرة والتأشيرات التي طالت مشجعين ومسؤولين من دول مشاركة.
حتى وصف بعضهم الحدث بأنه أقرب إلى مونديال "إقصاء" منه إلى مونديال "إدماج"، وتحولت واقعة منع حكم أفريقي بارز من الدخول رغم اعتماده الرسمي إلى صورة تختصر المفارقة.
والخلاصة أن ما جرى أقرب إلى استعراض للقوة منه إلى إنتاج للجاذبية؛ لأن القوة الناعمة، كما نبه جوزيف ناي نفسه، لا تشترى ولا تفرض بالإجراء الإداري، بل تنبع من مصداقية السلوك.
وفي هذا التقابل تبرز قيمة التجربة المغربية، فبينما تكافح قوة عظمى لتصنيع جاذبية تصطدم بسياساتها، يقدم المغرب نموذجا لقوة ناعمة نبتت عفويا من القيمة والرمز، فاكتسبت مصداقية يتعذر شراؤها.
القوة الناعمة رصيد سريع العطب، يتراكم ببطء وينفرط بسرعة، ولا يصير نفوذا دائما ما لم تترجمه الدولة إلى سياسات عمومية ودبلوماسية رياضية محددة الأهداف
ثمة ما تنجزه الكرة ويتعذر على القنوات الرسمية بلوغه، فـ90 دقيقة متكررة رسخت المغرب في مخيلة مئات الملايين ومنحته صورة ودودة لا تشتريها أغلى الحملات، لأن تأثيرها طوعي يتبناه الجمهور باختياره.
التجربة المغربية ليست وحيدة زمانها، فقد سبقتها كرواتيا بعد نهائي 2018، لكن خصوصيتها أنها لم تكتف باللحظة، بل راكمت عليها عبر نسختين، فانتقلت من المفاجأة إلى الترسيخ.
ويبقى أن القوة الناعمة رصيد سريع العطب، يتراكم ببطء وينفرط بسرعة، ولا يصير نفوذا دائما ما لم تترجمه الدولة إلى سياسات عمومية ودبلوماسية رياضية محددة الأهداف.
لقد فتح مونديال قطر نافذة نادرة لتشكيل رأسمال رمزي، وأثبت مونديال أمريكا أن هذا الرأسمال قابل للإشعاع في جغرافيا جديدة، لكن بقاء النافذة مفتوحة مرهون بما سيبنى خلفها من بنية تحتية ودبلوماسية ثقافية واستثمار في الإنسان، عندئذ، يصبح حضور أسود الأطلس رافعة ثابتة للإشعاع، لا ومضة جميلة يعلو وهجها ثم يخبو.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
مقالاتمقالات, رياضة|المغربشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylink