Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicJul 27, 2026👁 0 views

نحن في الخليج نعرف لماذا تهاجمنا إيران وتحيّد إسرائيل

نحن في الخليج نعرف لماذا تهاجمنا إيران وتحيّد إسرائيل

صالح المطيري

إعلامي كويتي.

Published On 27/7/202627/7/2026|آخر تحديث: 17:08 (توقيت مكة)آخر تحديث: 17:08 (توقيت مكة)استمعاستمع (12 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
تصاعد الدخان عقب هجوم بطائرة مسيرة إيرانية استهدف خزانات وقود في مطار الكويت الدولي بمدينة الكويت في 1 أبريل/نيسان 2026 (وكالة الأناضول)

ثمة سؤال آخر لا يقل أهمية عن سؤال: لماذا تُستهدف دول الخليج؟ وهو سؤال يكاد يغيب عن كثير من النقاشات، رغم أنه يقع في قلب المشهد كله: لماذا لا تستهدف إيران إسرائيل، وهي التي تقول إن هذه المواجهة تخوضها بسبب إسرائيل؟

الإجابة، في تقديري، ليست معقدة. فإيران تدرك جيدا طبيعة المواجهة المباشرة مع إسرائيل، وتعرف أن استهدافها سيجلب ثمنا مختلفا تماما عن استهداف دول الخليج.

إسرائيل لا تكتفي بإعلان الرد، وإنما تمتلك قدرة عالية على تنفيذ عمليات انتقامية معقدة، والوصول إلى مواقع وقيادات تعتبرها مسؤولة عن الهجمات، مستفيدة من تفوق استخباراتي وتقني وعسكري تراكم على مدى عقود.

ولذلك فإن كلفة فتح مواجهة مباشرة معها قد تكون كبيرة إلى درجة تهدد بنية القرار داخل إيران نفسها، وربما تطال مراكز القيادة العليا.

ولهذا تبدو الإجابة عن سؤال: لماذا لا تستهدف إيران إسرائيل؟ واضحة إلى حد كبير. أما السؤال الذي يستحق التوقف عنده فهو: لماذا تُستهدف الكويت؟ ولماذا البحرين؟ ولماذا تتحول بعض دول الخليج إلى ساحات لإرسال الرسائل؟

التاريخ السياسي الكويتي يشير بوضوح إلى أن الكويت حرصت دائما على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، وانتهجت سياسة متوازنة في علاقاتها الإقليمية، حتى خلال أكثر مراحل المنطقة توترا

هنا لا يعود الحديث عن مواجهة عسكرية مباشرة بين طرفين متكافئين في طبيعة الرد، وإنما عن اختيار أهداف تدرك الجهة المهاجمة أن كلفة استهدافها أقل، وأن طبيعة الرد عليها تختلف عن الرد الإسرائيلي. فالمعادلة تصبح أقرب إلى استخدام الجغرافيا الخليجية كوسيلة ضغط في صراع لا تدور أطرافه الرئيسية داخل هذه الدول.

ومن هنا يمكن فهم التحول في شعار الرد الذي ترفعه إيران، والقائم على مبدأ العين بالعين والسن بالسن. فالمشهد العملي يوحي بأن المعادلة أصبحت: العين بعين الكويت أو بعين الخليج، والسن بسن الكويت أو بسن الخليج، بينما يبقى الخصم الذي تُعلن إيران مواجهته بعيدا عن دائرة الاستهداف المباشر.

إعلان

فإذا كانت الحجة أن الصراع يستهدف الولايات المتحدة، فما علاقة محطة كهرباء كويتية بهذا الصراع؟ وما علاقة منشأة لتحلية المياه، أو مطار مدني، أو شارع، أو منزل، أو مركز حدودي؟ هذه كلها أهداف مدنية لا ترتبط بوجود عسكري أمريكي، ولا يمكن وضعها ضمن إطار الرد على قواعد أو مصالح عسكرية.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية في الخطاب التبريري الذي رافق بعض هذه الهجمات. فربطها بالمواجهة مع واشنطن لا ينسجم مع طبيعة الأهداف التي تعرضت للخطر. فالولايات المتحدة موجودة في المنطقة منذ عقود، لكن تحويل المجتمعات الخليجية إلى مساحة لتبادل الرسائل العسكرية يعني نقل الصراع إلى مستوى آخر، تصبح فيه حياة المدنيين والبنية التحتية أدوات ضغط.

ولا يرتبط هذا الاستهداف، في تقديري، بموقف كويتي محدد أو بسياسة خارجية اتخذتها الكويت تجاه إيران. فالتاريخ السياسي الكويتي يشير بوضوح إلى أن الكويت حرصت دائما على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، وانتهجت سياسة متوازنة في علاقاتها الإقليمية، حتى خلال أكثر مراحل المنطقة توترا.

ولذلك فإن تفسير ما يحدث باعتباره نتيجة خلاف سياسي مباشر بين الكويت وإيران تفسير لا يلامس جوهر القضية.

الأقرب أن المسألة تتعلق بمنطق الرسائل. فعندما يعجز طرف عن توجيه رسالته إلى خصمه الأساسي، فإنه يبحث عن ساحات أخرى لإيصالها. وهنا تصبح دول الجوار جزءا من معادلة الضغط، ليس لأنها طرف في النزاع، وإنما لأنها الحلقة التي يُعتقد أن استهدافها يحقق أثرا سياسيا وأمنيا من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الطرف الأقوى.

وهذا يعيدنا إلى السؤال الأساسي: لماذا الكويت تحديدا؟

الإجابة ترتبط بموقع الكويت داخل منظومة الخليج، وبرمزيتها السياسية، وبحساسيتها الجغرافية. فالكويت ليست مجرد دولة صغيرة في مساحة الخليج، وإنما تقع في منطقة تتقاطع فيها حسابات الأمن والطاقة والجغرافيا السياسية. واستهدافها يحمل رسالة تتجاوز حدودها؛ لأنه يوجه إنذارا إلى المنظومة الخليجية بأكملها.

كما أن استهداف مركز "العبدلي" الحدودي يحمل دلالة خاصة لا ينبغي تجاوزها. فـ"العبدلي" ليس منشأة عسكرية، بل منفذا سياديا يمثل بوابة الكويت البرية نحو العراق، وله أهمية أمنية واقتصادية وسياسية. وعندما يدخل موقع بهذا المعنى ضمن دائرة الاستهداف، فإن الرسالة تتجاوز إصابة هدف محدد، لتصل إلى فكرة القدرة على الاقتراب من مفاصل الدولة ورموز سيادتها.

والأمر نفسه ينطبق على استهداف منشآت الكهرباء وتحلية المياه. فهذه المرافق تمثل أساس الحياة اليومية، واستهدافها يختلف جذريا عن استهداف موقع عسكري. فالقانون الدولي يميز بوضوح بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، وضرب المنشآت التي يعتمد عليها السكان يفتح بابا واسعا أمام توصيفات قانونية خطيرة؛ لأن أثرها يمتد إلى المدنيين قبل غيرهم.

لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن فكرة الأمن الإقليمي المشترك تحتاج إلى مراجعة واقعية. فالأمن لا يمكن أن يقوم على حسن النيات وحده، وإنما يحتاج إلى قواعد واضحة، وإلى احترام سيادة الدول، وإلى إدراك أن استهداف دولة خليجية واحدة ينعكس على أمن الخليج كله

ومن المهم قراءة هذه التطورات ضمن سياق تاريخي أوسع. فالكويت لم تكن للمرة الأولى في موقع المواجهة، رغم أنها لم تكن طرفا في الصراعات الكبرى. ففي الحرب العراقية الإيرانية تعرضت الكويت لهجمات وتفجيرات، كما استُهدفت ناقلات النفط الكويتية خلال ما عُرف بحرب الناقلات، واضطرت الكويت إلى الاستعانة بالحضور الدولي لضمان أمن الملاحة.

إعلان

كما شهدت المنطقة أحداثا مرتبطة بالسعودية خلال مواسم الحج، وتعرضت البحرين لضغوط ومحاولات زعزعة استقرار، كما دخلت قطر ضمن دائرة الاستهداف الصاروخي خلال المواجهات الأخيرة. وهذه الوقائع تشير إلى نمط متكرر يجعل دول الخليج جزءا من تداعيات الصراع، حتى عندما لا تكون طرفا مباشرا فيه.

ولهذا فإن قراءة ما يحدث اليوم بوصفه حادثة منفردة قد تقود إلى فهم ناقص. فهناك مسار طويل من التعامل مع أمن الخليج باعتباره ورقة يمكن استخدامها في إدارة الصراعات الإقليمية. وقد انتقلت إيران، بحسب كثير من المؤشرات، من مرحلة استخدام أدوات النفوذ السياسي إلى مرحلة أكثر وضوحا في توظيف القوة والضغط المباشر.

كنت قد أشرت بعد الرد الإيراني الأول في 28 فبراير/شباط إلى أن استهداف دول المنطقة يمثل خطأ إستراتيجيا؛ لأن دول الخليج كانت يمكن أن تكون جزءا من أي مسار سياسي يهدف إلى تخفيف التوتر. أما استمرار هذا النهج فيعني خسارة المزيد من المساحات التي يمكن أن تُستخدم للحوار، ويجعل المنطقة أقرب إلى معادلة تقوم على الشك والاحتراز بدلا من الثقة والتعاون.

والسؤال هنا لا يتعلق فقط بالعمليات العسكرية، وإنما بطبيعة القرار الذي يقف خلفها. فالدول التي تخوض مواجهة سياسية طويلة تحتاج عادة إلى الحفاظ على علاقاتها مع محيطها؛ لأن الجوار يمثل مساحة للمصالح والاتصالات. أما حين يصبح الجوار نفسه هدفا، فإن ذلك يكشف أن الحسابات الأمنية والعسكرية أصبحت تتقدم على الحسابات السياسية.

ومن هنا يمكن فهم التحولات التي طرأت على صورة إيران في المنطقة. فقد ظل الجدل قائما لسنوات حول أهدافها النهائية، وهل يتعلق الأمر بحماية النظام، أم بالبرنامج النووي، أم بمواجهة النفوذ الأمريكي والإسرائيلي. لكن استهداف دول الخليج والمنشآت المدنية يضيف بعدا آخر، يتعلق بالسعي إلى تكريس النفوذ وفرض معادلات إقليمية جديدة.

وهذه الصورة تختلف عن الدور الذي كانت إيران تؤديه خلال عهد الشاه، حين كانت تُعرف بوصفها شرطي الخليج ضمن ترتيبات القوى الكبرى آنذاك. أما السلوك الحالي فيقدم نموذجا مختلفا يقوم على استخدام أدوات القوة لفرض التأثير، وتحويل دول المنطقة إلى ساحات اختبار للقدرة على الردع.

ومع ذلك، فإن نجاح الدفاعات الخليجية في اعتراض نسبة كبيرة من الهجمات يمثل جانبا مهما من المشهد، لكنه لا يكفي وحده. فالتحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بقدرة الأنظمة الدفاعية على إسقاط الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإنما بضرورة بناء رؤية أمنية خليجية أكثر تكاملا، تشمل الدفاع المشترك، وتبادل المعلومات، وحماية البنية التحتية، وتعزيز القدرة على التعامل مع التهديدات الجديدة.

لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن فكرة الأمن الإقليمي المشترك تحتاج إلى مراجعة واقعية. فالأمن لا يمكن أن يقوم على حسن النيات وحده، وإنما يحتاج إلى قواعد واضحة، وإلى احترام سيادة الدول، وإلى إدراك أن استهداف دولة خليجية واحدة ينعكس على أمن الخليج كله.

العين التي يجب أن تكون في مواجهة الخصم أصبحت، في هذا المشهد، تبحث عن هدف أسهل. والسؤال الذي سيبقى مطروحا هو: لماذا أصبحت عين الرد تتجه إلى الكويت بدلا من عين أمريكا وإسرائيل

ويبقى السؤال: لماذا الكويت؟

ربما لأن الكويت تمثل نموذجا للدولة التي اختارت دائما لغة الحوار، وحاولت أن تبقي لنفسها مساحة توازن في منطقة شديدة التعقيد. وربما لأن موقعها يجعلها جزءا مهما من المعادلة الخليجية، أو لأن استهدافها يوجه رسالة إلى محيطها كله.

لكن الرسالة الأوضح التي كشفتها هذه التطورات هي أن الصراع لم يعد يدور فقط حول الأصول العسكرية أو الملفات النووية أو التنافس بين القوى الكبرى. لقد أصبح أمن المجتمعات الخليجية نفسها جزءا من الحسابات. وعندما تتحول المدن والمنشآت المدنية إلى أدوات في صراع سياسي، فإن المنطقة تحتاج إلى قراءة مختلفة للتهديدات، وإلى إستراتيجية جديدة تحمي أمنها وتمنع أن تصبح الكويت أو أي دولة خليجية أخرى بديلا عن استهداف الخصم المباشر.

إعلان

فالعين التي يجب أن تكون في مواجهة الخصم أصبحت، في هذا المشهد، تبحث عن هدف أسهل. والسؤال الذي سيبقى مطروحا هو: لماذا أصبحت عين الرد تتجه إلى الكويت بدلا من عين أمريكا وإسرائيل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink