Categories
حين يستمر العالم ويتوقف عالمك.. كيف يواصل الأهل حياتهم بعد فقد طفلهم؟
حين يستمر العالم ويتوقف عالمك.. كيف يواصل الأهل حياتهم بعد فقد طفلهم؟
استمعاستمع (9 دقيقة)حفظ
شارِكْ حين يستمر العالم ويتوقف عالمك.. كيف يواصل الأهل حياتهم بعد فقد طفلهم؟ على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesبعد رحيل الطفل، تبقى أشياؤه في مكانها: سريره وملابسه، وربما كوب تركه على الطاولة، لكن غيابه يغيّر البيت وحياة أهله في حين تستمر الحياة خارجه بإيقاعها المعتاد. يواجه الأبوان أسئلة شاقة: كيف يدبّران يومهما؟ وماذا يقولان لإخوته؟ وكيف يتعايشان مع فقده؟
لا توجد إجابة واحدة تناسب الجميع. ففي تقريرها السريري "دعم الأسرة بعد وفاة طفل أو مراهق"، الصادر عام 2023، تؤكد الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال أن التعبير عن الحزن ومدته يختلفان من شخص إلى آخر، وأن ظروف الوفاة، سواء كانت مفاجئة أو بسبب حادث أو مرض أو خطأ طبي، قد تؤثر في استجابة الأسرة للفقد.
قصص مقترحة
list of 2 items- list 1 of 2قسوة أم إحباط عابر.. لماذا يحتاج طفلك إلى مواجهة بعض الخيبات؟
- list 2 of 2تركت أطفالها الأربعة وذهبت في رحلة بحرية.. أين ينتهي استقلال الطفل ويبدأ إهمال الأبوين؟
ويصف التقرير ردود الأهل والإخوة بأنها موجات من الأسى والغضب والقلق والشعور بالذنب والخدر العاطفي، مشيرا إلى أنها قد تُعاش بقسوة تجعلها أقرب إلى "تسونامي" يعصف بالأسرة.
وفي إرشاداتها الموجهة للأسر، تشدد الأكاديمية على أنه لا يوجد جدول زمني صحيح للحزن ولا علاج سحري للألم، وأن الحياة تستعيد تدريجيا إيقاعا ومعنى جديدين. أي أنه لا يمكن مطالبة الأسرة بأن "تتجاوز" وفاة طفلها، أو بتحديد موعد تستعيد فيه حياتها السابقة.
الأيام الأولى.. حين تصبح الأشياء الصغيرة ثقيلة
قد يمر الأبوان في الأيام الأولى بحالة من الذهول، أو ينتقلان بين البكاء والغضب والشعور بالذنب. وقد يصعب عليهما اتخاذ قرار بسيط، فضلا عن متابعة الاتصالات وترتيبات العزاء وشؤون البيت. وتوضح مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأمريكية (CDC) أن الحزن قد يصاحبه تغير في الشهية والمزاج ومستوى الطاقة وأنماط النوم، إلى جانب مشاعر مركبة كالعجز والغضب والخدر والارتباك. ويضيف المعهد الوطني الأمريكي للسرطان أن الحزن الطبيعي قد يشمل فقدان النوم والشهية والإرهاق، وأن نوبات الألم تأتي وتذهب ولا تكون ثابتة.
إعلانفي هذه المرحلة، قد تكون المساعدة الأكثر نفعا شديدة العملية: شخص موثوق به يتولى الرد على بعض الاتصالات، وآخر يحضر الطعام، وقريب يساعد في رعاية الأطفال أو إنجاز الأوراق.
وتدعو الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال إلى أن تستعين الأسر بشبكة أوسع من الدعم تشمل رجال الدين والأقارب والجيران ومدرسة الطفل وزملاء العمل ومستشاري الحزن.
ويمكن للأسرة أن تختصر يومها، قدر الإمكان، في مهام قليلة: تناول شيء من الطعام، وشرب الماء، والحصول على قدر من الراحة، والبقاء على اتصال بشخص تأمنه. وتنصح مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأمريكية بالحفاظ على قدر من الروتين يساعد على التركيز على ما يمكن التحكم فيه، مع الحرص على الأكل الصحي ومواعيد نوم منتظمة.
ولا يحتاج الأبوان إلى اتخاذ قرارات فورية بشأن غرفة طفلهما أو أمتعته. قد يرغب أحدهما في إبقاء الأشياء كما هي، بينما يحتاج الآخر إلى إبعاد بعضها عن نظره. ويمكن أن تتغير هذه الرغبة لاحقا؛ لذا من الأفضل أن يترك المحيطون بهما القرار لهما، وألا يفسروا اختلافهما على أنه اختلاف في مقدار الحب أو الحزن.
قد يبكي أحد الوالدين كثيرا، بينما ينصرف الآخر إلى ترتيبات البيت والعمل. وقد يتحدث أحدهما عن الطفل باستمرار، في حين لا يستطيع الآخر النظر إلى صوره. هذا التباين قد يسبب سوء فهم بينهما إذا توقع كل طرف أن يظهر الحزن بالطريقة نفسها.
وتؤكد الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال أن كل فرد يحزن على طريقته، وأن احتياجات كل أسرة فريدة تبعًا لتركيبتها وثقافتها ومعتقداتها. كما تلفت تقاريرها إلى أن نظريات الحزن تطورت بعيدا عن تصور المراحل الثابتة التي يمر بها الجميع بالترتيب نفسه. وقد يساعد الحديث بصراحة عن الاحتياجات اليومية أكثر من محاولة تفسير صمت الآخر أو دموعه: "لا أستطيع إجراء هذه المكالمات اليوم"، أو "أريد أن نتحدث عنه"، أو "أحتاج إلى بعض الوقت وحدي".
الإخوة.. حزن متقطع يحتاج إلى وضوح
أما الإخوة، فقد يظهر حزنهم على فترات متقطعة؛ يسألون سؤالا صعبا، ثم يعودون إلى اللعب. ويوضح مستشفى الأطفال في فيلادلفيا (CHOP) أن الأطفال قد يكررون الأسئلة نفسها عن الموت، وأن الصغار منهم قد يظنون الموت أمرا مؤقتا أو قابلا للعكس.
لذلك يحتاجون إلى شرح واضح يناسب أعمارهم، من دون عبارات ملتبسة توحي بأن أخاهم "نائم" أو "ذهب بعيدا". ويحذر المستشفى من أن هذه التعبيرات لا تشرح للطفل بشكل ملموس أن أخاه قد مات، بل قد تزرع فيه الخوف من النوم. ومن المهم أيضا طمأنتهم إلى أنهم لم يتسببوا في وفاته، إذ قد يفسر بعض الأطفال حزن الأسرة الصامت على أنه ذنبهم.
وتنبه الأكاديمية الأمريكية لطب الطفولة والمراهقة (AACAP) إلى أن الإخوة قد يُصدمون مرتين: بالفقد نفسه، وبانشغال الكبار عنهم لشدة حزنهم. ويستحسن إبلاغ المدرسة أو من يرعاهم بما حدث حتى يجدوا تفهما إذا تغير سلوكهم أو احتاجوا إلى دعم إضافي؛ وهو ما تؤكده الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال التي تدعو إلى ضمان حصول الأطفال المفجوعين على الدعم في البيت والمدرسة معا.
مكان للذكرى في حياة تمضي
قد يختار الأهل الاحتفاظ بصور أو رسائل صوتية، أو جمع حكايات يرويها الأصدقاء عن طفلهم. وقد يفضلون الدعاء له، أو القيام بعمل خيري باسمه، أو زيارة مكان أحبّه في يوم ميلاده. ولا ينبغي أن تتحول الذكرى إلى واجب سنوي مرهق؛ فما يمنحهم بعض السكينة هذا العام قد لا يناسبهم في العام التالي.
إعلانتوصي مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها بتكريم الراحلين بخطوات صغيرة لتذكرهم والاحتفاء بحياتهم، بما يتفق مع إيمان الأسرة وتقاليدها الثقافية. وتقترح الأكاديمية الأمريكية لطب الطفولة والمراهقة أفكارا عملية تناسب الأطفال أيضا، مثل إشعال شمعة، أو الدعاء، أو إعداد ألبوم للذكريات، أو تصفح الصور، أو رواية قصة عن الفقيد. وتبقى الطريقة والتوقيت قرارا شخصيا: ليس على الأهل إخفاء أثر طفلهم ليواصلوا حياتهم، ولا عليهم الاحتفاظ بكل شيء إذا صار ذلك مؤلما لهم.
قد تتجدد موجات الحزن مع بداية عام دراسي، أو رؤية طفل في العمر الذي كان سيبلغه ابنهم، أو سماع أغنية أحبها. وتتناول إرشادات الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال هذه المواقف ضمن "محفزات الحزن" و"ردود الذكرى السنوية"، موضحة أن عودة الألم بعد فترة من الهدوء لا تعني تراجع قدرة الأسرة على مواصلة حياتها؛ فالتكيف مع الفقد لا تحكمه مدة محددة.
متى تصبح المساعدة المتخصصة ضرورية؟
يمكن للأسرة طلب دعم مختص نفسي في أي وقت تشعر فيه بالحاجة إليه، من دون انتظار أن تبلغ حد العجز.
ويصبح طلب المساعدة أشد إلحاحا إذا استمر اضطراب النوم الشديد، أو أعاقت نوبات الهلع والصور المقتحمة القدرة على العمل والحياة اليومية، أو ازداد الانعزال، أو أصبحت الكحول أو غيرها وسيلة لتحمل اليوم.
ويؤكد المعهد الوطني الأمريكي للصحة النفسية أن أعراض ما بعد الأحداث الصادمة تخف لدى معظم الناس بمرور الوقت، لكن استمرارها أو تأثيرها في الحياة اليومية يستدعي طلب مساعدة متخصصة.
ولا يعني استمرار الاشتياق سنوات وجود اضطراب نفسي. فالجمعية الأمريكية للطب النفسي، التي أضافت "اضطراب الحزن المطول" إلى دليلها التشخيصي عام 2022، تشترط لتشخيصه مرور 12 شهرا على الأقل على الوفاة لدى البالغين، و6 أشهر لدى الأطفال والمراهقين، مع حزن شديد يسبب ضيقا أو يعطل الحياة اليومية، ويتجاوز المألوف في ثقافة الشخص ومعتقداته.
ولا تُقاس قدرة الأهل على مواصلة الحياة بسرعة عودتهم إلى العمل أو بقدرتهم على الابتسام؛ فقد تبدأ بخطوات صغيرة وطلب المساعدة، ثم إيجاد مساحة لذكرى طفلهم في يومياتهم، حيث يبقى غيابه وأثر حياته حاضرين.
المصدر: الجزيرةشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylink