Categories
الدحيح.. "المسيح الصغير" الذي قضى على شلل الأطفال
الدحيح.. "المسيح الصغير" الذي قضى على شلل الأطفال
في أوائل خمسينيات القرن الماضي، أي في خضم الحرب الباردة، سُئل الأمريكيون عن أكثر ما يخيفهم، فكان ردهم أنه شلل الأطفال، وذلك رغم تدني حالات الإصابة بهذا المرض داخل الولايات المتحدة في ذلك الوقت.اقرأ المزيد
وحسب ما قاله أحمد الغندور في حلقة 12 سبتمبر/أيلول 2026 من برنامج "الدحيح"، فإن السيناريوهات غير المعروفة للمرض في ذلك الوقت جعلته مخيفا للعائلات أكثر من الأسلحة التي قتلت أضعاف ما قتله شلل الأطفال. فقد كان شلل الأطفال آنذاك يشبه مقامرة بحياة الطفل، وهو ما دفع الحكومة الأمريكية لاستغلال هذه الهستيريا الشعبية من المرض للقضاء عليه.
ولطالما قتل شلل الأطفال كثيرين على مدار مئات السنين، لكنّ نقطة التحول في التعامل معه كانت عام 1921 عندما أصاب الرئيس الأمريكي آنذاك فرانكلين روزفلت، وهو في سن الأربعين.
صحيح أن بعض الآراء ذهبت إلى أن روزفلت كان يعاني أعراض مرض آخر، لكنّ التشخيص النهائي لحالته خلص إلى أنه مصاب بشلل الأطفال، وهو ما اعتبرته الكاتبة كاثرين بلاك نقطة التحول في القضاء على هذا المرض.
فالرئيس الأمريكي الذي أُصيب بالمرض حشد كل نفوذه المادي والسياسي لهزيمته، رغم أنه كان في خضم الكساد العظيم الذي أدى إلى إغلاق كثير من المؤسسات والجمعيات الخيرية، وأفقد ملايين الأمريكيين وظائفهم، واستدعى إنقاذ العديد من القطاعات الاقتصادية.
لكنّ الرئيس الأمريكي كان عازما على فعل ما يريد، فلجأ إلى صديقه وشريكه رجل القانون المعروف بازيل أوكونور، الذي كان يمتلك نفوذا وقدرة واسعة على جمع التمويلات.
وفي كتابه "شلل الأطفال.. قصة أمريكية"، قال ديفيد أورشينسكي إن أوكونور كان مؤمنا جدا بروزفلت، ووجد أن المرض يمنعه من تولي القضايا الوطنية الأخرى المهمة، فقرر تولي مسؤولية قتل شلل الأطفال نيابة عنه.
وبسبب ظروف الكساد، لم يلجأ أوكونور إلى الطريقة التقليدية القائمة على جمع تبرعات كبيرة من الأثرياء، ولكنه قرر جمع مبالغ صغيرة جدا من كل مواطن أمريكي قادر على الدفع.
وهكذا، بدأ رجل القانون حملة لجمع ولو 10 سنتات ممن يريد المشاركة في القضاء على شلل الأطفال، فجمع مليوني دولار في أول عام، حتى جذب انتباه مشاهير قرروا تقديم الدعم ودعوة الآخرين للمشاركة.
ولم يكتف أوكونور بهذه الاستجابة، فقرر توعية الناس بالمرض، فبدأ عرض تسجيلات توعوية قبل عرض أفلام السينما، ووضع صندوقا للتبرعات بجوار باب السينما، حتى تحول الأمر إلى رهاب من المرض وبدأ البعض يرش المبيدات الحشرية في الشوارع خوفا من انتشار الفيروس المسبب للمرض.
وبهذه الطريقة تحول المرض إلى مرض قومي، وأصبحت حملة التبرعات قومية أيضا، فجُمعت 22 مليون دولار سنويا بنهاية الأربعينيات، بسبب هستيريا الدعاية. لكنّ أوكونور لم يكتف بهذا، فابتكر دعاية جديدة تتضمن صورتين لطفل واحد في السادسة من عمره، إحداهما وهو يمسك عكازا، وأخرى بدون عكاز، مصحوبة بجملة: "بسبب السنتات العشرة التي تبرعتَ بها أصبحت قادرا على المشي".
والمعروف أن التبرعات لم تكن تذهب لمعالجة من تضرروا من شلل الأطفال وإعادتهم لحالتهم الطبيعية لأن هذا غير ممكن علميا، وإنما لمساعدتهم في مواجهة واقعهم الجديد. لكنّ أوكونور اعتمد هذه الدعاية لشحذ عواطف الجماهير ودفعهم إلى مواصلة التبرع.
وبنهاية الأربعينيات، خرج أوكونور معلنا دنو القضاء على شلل الأطفال ليدفع الناس نحو مزيد من التبرع، رغم غضب المجتمع الطبي الذي كان يعرف يقينا أن الرجل يعطي وعودا لا يمكن تحقيقها علميا.
وفي ذلك الوقت، كان علماء كثيرون يحاولون إيجاد لقاح لهذا الفيروس، ومن بينهم ألبرت سابين الذي كان يعمل على نظرية "لقاح الفيروس الحي"، القائمة على إضعاف الفيروس وحقن الطفل به حتى تتمكن مناعة الجسد من مقاومته وإنتاج مقاومات له، على غرار ما حدث مع الجدري والحمى الصفراء.
كانت الطريقة معروفة لكنّ التجارب السابقة تثبت أنها بحاجة لسنوات لا شأن لها بوعود أوكونور الذي كان يبحث عن عالم مختلف يتعامل مع رهاب الناس بعيدا عن قواعد العلم الصلبة التي تخضع للتقاليد.
وبالفعل عثر أوكونور على جوناس سالك، الذي تقول الكاتبة شارلوت جاكوبس في كتابها "حياة جوناس سالك"، إنه كان يحلم بإنقاذ العالم منذ طفولته، حتى إن المحيطين به كانوا يلقبونه بالمسيح الصغير.
ولم يكن هذا "المسيح الصغير" يريد القضاء على شلل الأطفال الذي يقتل حوالي 58 ألفا فقط، وهو رقم ضئيل جدا مقارنة بقتلى الحروب والفيروسات الأخرى، ولكنه كان يريد القضاء على الإنفلونزا التي قتلت عشرات الملايين، عبر طريقة جديدة هي "لقاح الفيروس الميت".
كانت الفكرة معروفة لكنها لم تكن سائدة لأن حمايتها محدودة، بيد أن سالك نجح في إنتاج لقاح للإنفلونزا بهذه الطريقة وهو ما منح شعورا بإمكانية تكرار الأمر في مرض آخر، وهكذا أصبح سالك بمثابة المخلص المنتظر من أمراض أخرى.
وبدأ سالك الظهور في مجلات غير علمية لمخاطبة الناس عن لقاحه الجديد بطريقة أثارت غضب مجتمع العلماء، الذين وجدوا في سلوكه بحثا عن الشهرة بطريقة قد تسيء إلى البحث العلمي.
ومن خلال هذا العالم القادر على مخاطبة الجماهير، بدأ أوكونور التخطيط لتوسيع حملته، وبالفعل حصل سالك على عرض بتمويل قدره 150 ألف دولار مقابل توجيه أبحاثه من الإنفلونزا إلى شلل الأطفال، رغم رفض المجتمع العلمي، وتحديدا سابين، الذي كان يقدس القواعد مهما استغرقت من وقت.
وبدأ سالك القفز على التقاليد المعملية القديمة التي تتطلب زمنا، فجمع فيروسات وأجرى تجارب لإنتاج أجسام مضادة، وعند لحظة معينة قرر إجراء تجارب على أطفال مصابين بالشلل رغم خطورة التجربة على حياتهم، لكنّ تجاربه أعطت نتائج جيدة، مما دفعه إلى إجراء تجارب على عشرات الأطفال المعاقين ذهنيا، الذين عرضهم للموت أو الشلل لمعرفة الأعراض الجانبية للقاح قيد التجريب.
في الأخير، ومن خلال تعريض حياة مئات الأطفال الأبرياء للخطر تمكن العالم من إنتاج لقاح أنقذ حياة مئات ملايين الأطفال الآخرين، كمن قرر أن قتل البعض قد يكون مقبولا علميا في سبيل إنقاذ الكل، لأنه كان إنسانا بالفعل ولم يكن تاجر علم كما ظن البعض، كما يقول الدحيح.
وفي 26 أبريل/نيسان 1954، ورغم حملة تخويف كبيرة شنها أحد الصحفيين، بدأ سالك تلقيح آلاف الأطفال بمنتجه الجديد في واحدة من أكبر التجارب العلمية الميدانية في التاريخ، حيث احتشد 1.5 مليون طفل وتم تلقيح 600 ألف منهم فعليا.
وبعد عام من هذه اللحظة، وتحديدا في 12 أبريل/نيسان 1955، أعلن البروفيسور توماس فرانسيس أن تلميذه جوناس سالك حقق المعجزة، وقدم اللقاح الآمن والفعال لشلل الأطفال، لتُقرع أجراس الكنائس ويحتفل الناس في الشوارع، وذلك بعد 10 سنوات من وفاة روزفلت الذي بدأ هذه الحرب على المرض.
وبعد هذا النجاح التاريخي، سُئل سالك عن المستفيد من الحقوق المالية لهذا اللقاح الذي حمل اسمه "سالك فاكسين"، فأجاب بأنه سيكون ملكا للناس، وأنه لن يحصل على أي حقوق مالية لبراءة الاختراع.
Published On 12/9/202612/9/2026حفظ
شارِكْ الدحيح.. "المسيح الصغير" الذي قضى على شلل الأطفال على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylinkالمصدر: الجزيرة