Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicJul 3, 2026👁 0 views

الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟

الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟

ياسر محجوب الحسين

كاتب صحفي وأكاديمي سوداني.

Published On 3/7/20263/7/2026|آخر تحديث: 19:16 (توقيت مكة)آخر تحديث: 19:16 (توقيت مكة)استمعاستمع (8 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
الكاتب أكد أن نهر النيل جعل من الشمال والوسط معبرا للتجارة والأفكار (رويترز)

منذ أن فتح النيل ذراعيه ليحتضن أرض السودان، ومنذ أن همست رياح البحر الأحمر بأسرار التجارة والمعرفة في أذن مدن مثل دنقلا وبربر، تشكلت في هذا الوادي الخصيب ثقافة سودانية أصيلة، لم تكن يوما ثقافة عرق واحد أو قبيلة بعينها، بل ثقافة مركز حضاري انفتح على العالم واستوعب ما وفد إليه ثم أعاد إنتاجه في صورة سودانية خاصة.

وبعضهم، بدافع الممانعة العبثية أو الرغبة في نزع الشرعية عنها، سماها "ثقافة الوسط والشمال"، كأنما يريد اختزال تاريخ أمة في وصف جغرافي ضيق، أو تحويل نهر متدفق إلى جدول طائفي.

لم يتشكل هذا المركز الثقافي بقرار من سلطة، ولا نتيجة فرض قسري لهوية بعينها، وإنما كان ثمرة عوامل جيوسياسية وتاريخية تراكمت عبر القرون.

فقد جعل النيل من الشمال والوسط معبرا للتجارة والأفكار، وربط البحر الأحمر السودان بمحيطه العربي والإسلامي وبطرق الملاحة الدولية، فكانا معا شريانين لنقل البشر، وتنوع اللغات، والمذاهب، والفنون.

لم يتشكل هذا المركز الثقافي بقرار من سلطة، ولا نتيجة فرض قسري لهوية بعينها، وإنما كان ثمرة عوامل جيوسياسية وتاريخية تراكمت عبر القرون

وتعزز هذا الموقع في مراحل لاحقة مع ازدياد التواصل مع مصر والجزيرة العربية، فتعمقت حركة التبادل الثقافي والديني والتجاري.

وفي المقابل، احتفظت أقاليم أخرى، بحكم الجغرافيا الوعرة وبعدها عن هذه المسارات، بقدر أكبر من خصوصياتها المحلية؛ وليس في ذلك تفضيل أو انتقاص، بل هو منطق الجغرافيا وحركة التاريخ.

وقد عبر طه حسين عن فكرة مشابهة حين رأى أن الثقافة المصرية لم تكن يوما منغلقة على نفسها، وإنما ازدادت ثراء بقدرتها على الاستيعاب والتلاقح.

وكذلك الثقافة السودانية المركزية؛ فهي ليست ثقافة إقصاء، وإنما فضاء حضاري يتسع للتنوع ويغتني به.

فالاستقرار والسلم الأهلي يهيئان بيئة يلتقي فيها الناس، فتتسع اللغة، وتتداخل العادات، وتتجدد الأذواق، وتنمو ثقافة سودانية أكثر ثراء وتماسكا، دون أن تلغي الخصوصيات المحلية أو تصادرها.

إعلان

وقد أثرت ثقافة الانفتاح الحضاري هذه تأثيرا بالغا في تعزيز السلم الاجتماعي في شمال ووسط السودان؛ فلم تسجل المصادر التاريخية الحديثة أن نحو 400 قبيلة يضمها هذا النطاق الجغرافي الواسع قد لجأت إلى حل خلافاتها عبر السلاح، بل سادت بينها آليات التفاهم والتعايش السلمي والمصاهرة والتحالفات، مما يعكس عمق التأثير الحضاري والثقافي المشترك.

الاستقرار والسلم الأهلي يهيئان بيئة يلتقي فيها الناس، فتتسع اللغة، وتتداخل العادات، وتتجدد الأذواق، وتنمو ثقافة سودانية أكثر ثراء وتماسكا، دون أن تلغي الخصوصيات المحلية أو تصادرها

ولم يقتصر أثر هذا الانفتاح على التجارة وتبادل الأفكار، بل انعكس أيضا في وعي المجتمع بأهمية التعليم؛ فقد بادر أهل الوسط والشمال إلى إنشاء مدارس التعليم الأهلي قبل أن تتوسع الدولة في هذا المجال، إدراكا منهم أن التعليم هو المدخل الأهم للترقي الاجتماعي والانفتاح على العالم.

وكان لهذا الخيار المبكر أثر واضح في تعزيز صلاتهم بالمحيطين العربي والدولي، ورفع مستوياتهم المعرفية والمعيشية، وترسيخ ثقافة قوامها التعلم والتواصل، لا الامتياز السياسي ولا الرعاية الحكومية.

أما إذا رفضنا هذا الميكانيزم الطبيعي في تطور الأمم، فإننا نعاكس تيار التاريخ؛ حينئذ إما أن تبحث الثقافات الأخرى عن مراكز جذب مجاورة، وقد تجد ما يناسبها خارج الحدود، أو أن تدفع أثمانا باهظة وعالية الكلفة في مشاريع انفصالية فاشلة، وللتاريخ دروس بليغة.

غير أن هذه الحقيقة التاريخية جرى، في العقود الأخيرة، تحميلها ما لا تحتمل؛ فقد عمدت بعض الحركات المسلحة والنخب السياسية في الأقاليم البعيدة إلى تصوير الثقافة السودانية المركزية وكأنها مشروع متعمد للهيمنة والإقصاء، وربطت بروزها بسياسات القهر والتهميش، متجاهلة أن تشكلها سابق على الدولة الوطنية نفسها، وأنه نتاج قرون من التفاعل الطبيعي بين الجغرافيا، والتجارة، والتعليم، والدين.

ولا يعني ذلك إنكار وجود اختلالات في التنمية أو تفاوت في الخدمات بين أقاليم السودان؛ فهذه مشكلات حقيقية تستحق المعالجة العادلة.

غير أن تحويلها إلى دليل على وجود مؤامرة ثقافية أمر آخر؛ فالثقافة لا تولد بمرسوم حكومي، ولا تفرض بقوة السلاح، وإنما تنشأ حيث تتوافر شروط التفاعل الحضاري.

أما التنمية فهي مسؤولية الدولة وسياساتها، وقد تقصر فيها الحكومات تجاه المركز كما تجاه الأطراف.

بادر أهل الوسط والشمال إلى إنشاء مدارس التعليم الأهلي قبل أن تتوسع الدولة في هذا المجال، إدراكا منهم أن التعليم هو المدخل الأهم للترقي الاجتماعي والانفتاح على العالم

واللافت أن كثيرا من الخطاب الذي رفع شعار مقاومة "ثقافة المركز" انتهى، في محطات عديدة، إلى مجرد ورقة تفاوض سياسي؛ فما إن تفتح أبواب تقاسم السلطة أو الامتيازات حتى تتراجع الشعارات الكبرى، بينما تبقى المجتمعات التي ادعي الدفاع عنها تواجه المشكلات نفسها من فقر وضعف خدمات وتراجع في فرص التنمية.

وهكذا يتحول ما قدم بوصفه صراعا من أجل العدالة إلى منافسة بين النخب على مواقع النفوذ، فيما يبقى المواطن العادي الخاسر الأكبر.

إعلان

أما الحرب الراهنة، التي أشعلت فتيلها مجموعات منغلقة متمثلة في مليشيا الدعم السريع، فقد أثبتت أن مواطني الأطراف يميلون بطبعهم إلى الثقافة المركزية ومؤسسات الدولة؛ إذ نزحت أعداد ضخمة منهم نحو العاصمة الآمنة والمناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني، بوصفه أحد أعرق مؤسسات الدولة المتشبثة بهذه الثقافة الجامعة.

إن ثقافة الوسط والشمال ليست ملكا لجهة دون أخرى، ولا هي مشروع سلطة أو امتياز سياسي، بل إرث سوداني مشترك تشكل عبر قرون من التفاعل بين النيل والصحراء، والتجارة والعلم والتصوف، حتى غدا جسرا بين أفريقيا والعروبة والإسلام.

والخطر الحقيقي ليس في وجود ثقافة مركزية، فكل أمة تعرف مركزا حضاريا تتجمع حوله عناصر هويتها، وإنما في تحويل هذا المركز إلى خصم سياسي، وفي استثمار مظالم التنمية لإشعال صراع على الهوية لا يخدم إلا الباحثين عن السلطة.

إن واجبنا اليوم ليس هدم هذا المركز الثقافي، بل توسيع دائرته، حتى يشعر كل سوداني بأنه شريك في صناعته، مع معالجة اختلالات التنمية والتمثيل بوصفها قضايا عدالة وسياسات عامة، لا ذريعة لتفكيك الهوية الوطنية.

فالسودان الكبير لا يستقر إلا بثقافة مركزية متجددة، تتسع للجميع، وتمنح تنوعه إطارا جامعا، وتحول اختلاف روافده إلى قوة تصب جميعها في مجرى الوطن الواحد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink