Categories
لماذا لم تعد الغرفة وحدها تكفي؟.. هكذا تراهن تونس على "سياحة المعايشة"
لماذا لم تعد الغرفة وحدها تكفي؟.. هكذا تراهن تونس على "سياحة المعايشة"
استمعاستمع (8 دقيقة)حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylinkplay videoplay videoمدة الفيديو 04 دقيقة 15 ثانية play-arrow04:15علي القاسميPublished On 12/7/202612/7/2026|آخر تحديث: 17:28 (توقيت مكة)آخر تحديث: 17:28 (توقيت مكة)بين أزقة المدينة العتيقة في العاصمة تونس، تقف دار تاريخية كادت أن تندثر قبل أن تستعيد حياتها من جديد. منزل بمعمار عربي قديم أعيد ترميمه مع الحفاظ على تفاصيله، ليتحول من بناية مهددة بالسقوط إلى فضاء يستقبل الزوار الباحثين عن تجربة سياحية مختلفة.
يقول محمد رحمومة، مدير دار بن قاسم للضيافة، للجزيرة نت إن السياحة في تونس تشهد تحولا تدريجيا في أنماط الإقبال، موضحا أن "عددا متزايدا من السياح لم يعد يبحث فقط عن الإقامة داخل الفنادق، بل يريد تجربة تقربه من البلد الذي يزوره، وثقافته وعاداته اليومية".
أما جبران، وهو سائح من باكستان، فيقول في حديثه للجزيرة نت "أي شخص يأتي إلى تونس أنصحه بزيارة هذه الأماكن في المدينة، وفي الضواحي في المرسى أو قمرت. تجربة فريدة من حيث الطعام ونمط الحياة في هذه الأماكن".
سياحة المعايشة من المدينة إلى الريف
لا تقتصر هذه التجارب على المدن العتيقة، إذ باتت الإقامات الريفية تستقطب اهتمام السياح التونسيين والأجانب، عبر عرض يقوم على الطبيعة والتراث والمعايشة مع المحيط المحلي.
في منطقة بئر بورقبة بمحافظة نابل شمال شرقي تونس، أصبحت "دار جبل" وجهة يقصدها الزوار الراغبون في الابتعاد عن نمط السياحة التقليدية. وسط المساحات الخضراء وإرث الأجداد، يعيش السياح تجربة ترتبط بالأرض والموروث الزراعي والغذائي للمنطقة.
وتقول صاحبة الإقامة الريفية آمال جعيط للجزيرة نت إن الدار لا تكتفي بتوفير مكان للإقامة، بل تقدم أنشطة مختلفة تتيح للزوار المشاركة في تفاصيل الحياة اليومية داخل الضيعة، موضحة أن البرامج تتغير بحسب الفصول؛ ففي الخريف يشارك السياح في جني الزيتون وتقليم الأشجار والعناية بالنباتات، كما يشاركون في إعداد الخبز التقليدي وتحضير أطباق تعتمد على منتجات الضيعة.
إعلانوتضيف أن "السائح اليوم يبحث عن تجربة يعيشها، وليس فقط عن غرفة يقيم فيها"، معتبرة أن الإقامات الريفية تتيح التعرف على الثقافة المحلية من خلال الطعام والعادات والطبيعة.
قطاع واعد بأرقام غير مرئية
تعد دور الضيافة والإقامات الريفية من أبرز مكونات السياحة البديلة في تونس، إذ تراهن عليها الجهات المهنية لتنويع العرض السياحي وخلق فرص عمل وتنشيط مناطق خارج المسارات التقليدية.
وتشير معطيات الديوان الوطني التونسي للسياحة إلى تنامي الاهتمام بالإيواء البديل؛ فقد شهد عام 2023 افتتاح 9 دور ضيافة و3 نزل ريفية جديدة، إلى جانب إعداد مرجع خاص بعلامة الجودة لفائدة مؤسسات الإيواء البديل لتحسين الخدمات وتنظيم القطاع.
في المقابل، لا تتوفر إحصاءات رسمية دقيقة بعدد مؤسسات الإيواء البديل الناشطة، وهو ما يجعل تقدير حجم القطاع يعتمد على بيانات الهياكل المهنية. وتقول الجامعة المهنية المشتركة للسياحة إن "عددا كبيرا من دور الضيافة يبقى غير معترف به من قبل الدولة"، مشيرة إلى أن العدد قد يصل إلى نحو 2500 دار، بينما لا تعترف السلطات حتى الآن إلا بنشاط نحو 150 دار.
ويقول رئيس الجامعة المهنية المشتركة للسياحة التونسية وليد طريطر للجزيرة نت إن دور الضيافة أصبحت "عنصرا حيويا في تنشيط الاقتصاد المحلي، خصوصا في المناطق الداخلية"، موضحا أن خصوصية هذا النمط السياحي تقوم على فكرة المعايشة، حيث يعيش السائح تجربة مرتبطة بالمحيط الاجتماعي والبيئي للمنطقة.
ويؤكد أن أبرز الإشكاليات التي تواجه القطاع تتمثل في الإطار القانوني، مشيرا إلى أن "أغلب المشاريع لا تحظى باعتراف رسمي، وهو ما يجعل من الصعب تحديد مساهمتها الاقتصادية الحقيقية"، لافتا إلى أن الفاعلين في القطاع يعملون مع الجهات المعنية على استكمال إعداد كراس شروط جديدة وعصرية تسمح بممارسة النشاط في إطار قانوني واضح.
انتشار سريع وتقنين بطيء
تؤكد الجامعة المهنية المشتركة للسياحة أن عدد مؤسسات الإيواء البديل توسع خلال السنوات الأخيرة، غير أن جزءا مهما منها ما زال خارج المنظومة القانونية بسبب صعوبات الإجراءات الإدارية وطول مسار الحصول على التراخيص.
ويرى مهنيون أن غياب إطار تنظيمي واضح حرم الدولة من قياس الحجم الحقيقي للقطاع ومساهمته الاقتصادية، كما حدّ من قدرة المستثمرين على الاستفادة من برامج الدعم والترويج السياحي.
من جهتها، تعمل وزارة السياحة على مراجعة النصوص المنظمة لدور الضيافة والإقامات الريفية، بهدف تبسيط إجراءات الترخيص وتحسين جودة الخدمات ودمج أكبر عدد من المؤسسات ضمن الاقتصاد المنظم، كما خصصت منحا استثمارية بقيمة 2.5 مليون دينار (نحو 800 ألف دولار) لدعم مشاريع سياحية تنموية تشجع الأنماط السياحية البديلة، خاصة في المناطق الداخلية.
من المدينة العتيقة إلى الصحراء
تنتشر مشاريع الإيواء البديل في عدد من المناطق التونسية، من بينها المدينة العتيقة بالعاصمة تونس وسيدي بوسعيد، إضافة إلى الوطن القبلي والشمال الغربي والمناطق الصحراوية في توزر وقبلي وتطاوين ومطماطة.
إعلانويعتمد أصحاب هذه المشاريع على إعادة توظيف المنازل التقليدية والقصور القديمة والمساكن الريفية والجبلية لاستقبال الزوار، في محاولة للجمع بين الحفاظ على التراث وتحقيق عائد اقتصادي.
ويرى مختصون أن هذا النوع من السياحة يمكن أن يساهم في توزيع العائدات السياحية على نطاق أوسع، من خلال دعم الحرفيين والمنتجات المحلية وربط النشاط السياحي بالثقافة والبيئة.
نحو تغيير نموذج السياحة التونسية
يعتبر النائب في البرلمان التونسي ياسين مامي، في تصريح للجزيرة نت، أن إصلاح القطاع السياحي يمر عبر "كسر النمط التقليدي الذي يرتكز أساسا على الفنادق الكبرى، والتوجه نحو السياحة البديلة باعتبارها خيارا إستراتيجيا لتنويع الاقتصاد المحلي".
ويقول مامي إن "غياب النصوص التطبيقية والبطء في إصدار كراسات الشروط المنظمة للإيواء السياحي البديل يمثلان عائقا بيروقراطيا أمام المستثمرين الشباب الراغبين في إنشاء دور ضيافة وإقامات ريفية".
ويضيف أن نجاح المواسم السياحية لا يجب أن يقاس فقط بعدد الليالي المقضاة داخل النزل، بل عبر "دمج المحيط الخارجي من خلال تثمين المتاحف والمطاعم الثقافية والمعالم التاريخية بما ينشط الدورة الاقتصادية للمجتمعات المحلية".
وبين رغبة المستثمرين في تطوير هذا النمط السياحي وحاجة الدولة إلى تنظيمه، تبدو دور الضيافة والإقامات الريفية أمام فرصة للتحول من تجارب فردية محدودة إلى رافد اقتصادي قادر على إعادة رسم جزء من المشهد السياحي التونسي.
المصدر: الجزيرةمراسلو الجزيرةسياحة وسفر|تونس