Categories
من طابور الماء إلى مقعد الدراسة.. أطفال في غزة يعودون إلى التعليم
من طابور الماء إلى مقعد الدراسة.. أطفال غزة يعودون إلى التعليم
استمعاستمع (6 دقيقة)حفظ
شارِكْ من طابور الماء إلى مقعد الدراسة.. أطفال غزة يعودون إلى التعليم على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylinkplay videoplay videoمدة الفيديو 10 دقيقة 57 ثانية play-arrow10:57Published On 19/9/202619/9/2026|آخر تحديث: 21:38 (توقيت مكة)آخر تحديث: 21:38 (توقيت مكة)في ساحة رملية بين خيام النزوح، يقف الأطفال في طابور صباحي ويرفعون أيديهم قبل أن ينصرفوا إلى خيام تحولت إلى صفوف. لا جدران تحميهم من حر الشمس، ولا مقاعد تكفيهم، لكن المشهد يقول إن التعليم عاد إلى غزة ولو بحده الأدنى.
في صور بثتها "الجزيرة مباشر" لا تبدو العودة إلى المدرسة خبرا إداريا عن بدء عام دراسي جديد. إنها محاولة لاستعادة جزء من حياة قطعتها الحرب والنزوح والفقد. فالأطفال الذين اعتادوا على طوابير الماء والمساعدات يجدون أنفسهم في طابور مختلف: طابور ينادي أسماءهم للحضور، ويطلب منهم فتح الدفاتر، ويعيد إليهم إيقاعا بسيطا من الطفولة.
قصص مقترحة
list of 2 items- list 1 of 2شاهد.. فعالية في فيينا تطالب بإلغاء مباراة النمسا وإسرائيل
- list 2 of 2تصعيد إسرائيلي متواصل في غزة يخلّف شهداء وجرحى
تقول معلمة في إحدى الخيام إن الإقبال على الدراسة حاضر رغم الظروف، لكنها تصف بيئة لا تصلح للفصل الدراسي: حرارة شديدة، وطلاب يجلسون على شوادر مفروشة على الأرض، نقص في المياه ودورات المياه والمقاعد. وتضيف أن بين من يداومون أبناء شهداء وجرحى، يحاولون الاستمرار في التعليم رغم ما فقدوه.
يوم دراسي لا يشبه المدرسة
لا يواجه الأطفال نقص المكان فقط، بل نقص وقت الدراسة أيضا. تقول طالبة إن الدوام أصبح 3 ساعات ومرة كل يومين، ويقتصر التعليم الحالي على 4 مواد هي العربية والإنجليزية والرياضيات والعلوم، بعدما كانت تمضي بين 5 و6 ساعات لتدرس 6 مواد، في مدرسة تضم مقاعد ونوافذ وكتبا ومواد أكثر.
لكن الفارق بين المدرستين لا يقتصر على عدد ساعات الدوام فقط. ففي المدرسة السابقة كان الصف مساحة مستقرة، أما اليوم فالخيمة نفسها تذكر الطفل بالنزوح. وتصف معلمة أخرى بداية العام بأنها خليط من التفاؤل والحزن: طفل فقد بيته وقرطاسيته وبيئته التعليمية، ثم عاد ليجلس في مكان لا يقيه حر الشمس ولا يمنحه الحد الأدنى من الاستقرار.
لهذا لا يقتصر ما يجري داخل الخيام على الدروس. وتظهر الصور أنشطة لعب ومسرح دمى وفقرات تفاعلية، في محاولة لدمج التعليم بالدعم النفسي. ليست هذه إضافات ترفيهية، بل جزء من استجابة لمعاناة أطفال يحملون آثار القصف والنزوح والفقد إلى الصف.
انتزاع الطفل من طوابير النجاة
يلخص مشرف تربوي في التقرير المعنى الأعمق لهذه المبادرات، حين يقول إنهم يحاولون سحب الطفل من طوابير التكية والماء والشارع إلى طابور المدرسة والتعليم.
إعلانوحول المدرسة الخيامية التي يتحدث عنها ينتشر قرابة 20 مخيما للنزوح، وفقا لما يورده المشرف، وهي تستقبل نازحين ومقيمين في منطقة تبتعد عنها المدارس الحكومية ومدارس الأونروا. ويقول إن 90% من احتياجات التعليم غير متوفرة، من المواصلات والمباني إلى الزي والقرطاسية، وإن أطفالا يصلون مشيا قاطعين مسافات طويلة.
تلك الصورة تضع معنى مختلفا لعبارة "العودة إلى التعليم". فالمطلوب ليس فتح صف أو توزيع منهج مختصر فقط، بل الوصول إلى الطفل في بيئة صار فيها الانتقال نفسه مخاطرة ومشقة، وحيث تتقدم ضرورات البقاء على كل ما عداها، كما يقول المشرف التربوي.
عكاز لا يمنع الدرس
من بين الوجوه، يظهر فتى مصاب يسير مستندا إلى عكاز. يقول إنه جاء إلى المدرسة ليتعلم بعد سنوات من القصف والنزوح وتدمير المدارس، وإنه يريد أن يفرغ ما يسميه الطاقة السلبية عبر التعلم.
ولا يقدم الفتى قصة بطولة مصقولة، ولا يحتاج إلى ذلك. فالعكاز في المشهد لا يحيل إلى إصابة فردية فحسب، بل إلى واقع يذهب فيه إلى المدرسة محملا بأثر الحرب على جسده وذاكرته.
وتقول طالبة أخرى إنها تريد أن تكون من الأوائل، رغم أن الخيام لا توفر ما كانت تجده في المدرسة قبل الحرب. وفي هذا الإصرار، لا يصبح التفوق وعدا فرديا فقط، بل طريقة لمقاومة فكرة أن الحرب تستطيع مصادرة المستقبل إلى الأبد.
حق يعود بصورة مؤقتة
في مدارس الإيواء، تتكرر الشكوى من فقدان الكتب والقرطاسية والمقاعد. وتقول مسؤولة تعليمية إن المدارس تعمل تحت مظلة الأونروا، لكنها تحتاج إلى هذه المتطلبات الأساسية لتعويض الفاقد التعليمي.
وتتسق مشاهد التقرير مع تقدير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، الذي قال إن الاستعداد للعام الدراسي الجديد في غزة يشمل 359 مساحة تعلم مؤقتة، في ظل استمرار العوائق أمام التعليم الآمن بسبب النزوح وانعدام الأمن وتضرر المنشآت والقيود على الوصول.
لكن المساحة المؤقتة ليست مدرسة مكتملة، كما أن العودة إلى الدرس ليست نهاية الفاقد التعليمي. هي بداية هشة تحتاج إلى كتب ومقاعد ومياه آمنة وطرق يمكن للأطفال عبورها من دون خوف، قبل أن تحتاج إلى وقت يعوض سنوات انقطع فيها التعليم.
وتتحدث أم عن خوفها من الطريق: المسافة بعيدة، ولا مواصلات، والحرب لم تنته بالكامل. تخشى على أبنائها من الشظايا، لكنها ترسلهم لأن الأمل في أن يتعلموا ويعيشوا أقوى من الخوف.
هذه هي المفارقة التي يحملها التقرير: المدرسة ليست مكانا آمنا بالمعنى المعتاد، لكنها تبقى أحد آخر الأماكن التي يمكن أن تعيد للطفل شعورا بأن الغد قابل للتخيل.
وفي غزة، لا تستعيد الخيمة معنى المدرسة كاملا. لكنها تحفظ شيئا أساسيا منها: أن للطفل حقا في أن يجلس إلى درس، وأن يخطئ ويجيب ويرفع يده، وأن يكون له مستقبل أكبر من الحرب التي أحاطت بيومه.
المصدر: الجزيرة