Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicAug 3, 2026👁 1 views

البحر أمامكم..

البحر أمامكم..

حسن أوريد

أكاديمي وسياسي مغربي، وأستاذ للعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط.

Published On 3/8/20263/8/2026استمعاستمع (9 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
آلاف المهاجرين غير النظاميين عادوا طوعا إلى المغرب من سبتة المحتلة تحت مراقبة عناصر الجيش الإسباني (رويترز)

لم يسبق لحالة نزوح لمهاجرين غير نظاميين من مغاربة وغيرهم أن بلغت ما بلغته من عدد، نحو سبتة، الجيب المحتل من قِبَل إسبانيا، كذلك الذي حدث في ليلة 29 إلى غاية 31 يوليو/تموز، من حيث عدد النازحين الذي يربو على 50 ألفاً، وعدد الضحايا الذي يتجاوز 100 إلى غاية كتابة هذه السطور، من المعلن عنهم.

وذلك عدا المفقودين، والتداعيات الدولية للحدث في إسبانيا وأوروبا، وخشيتها من تداعيات الحدث، أو على مستوى الأمين العام للأمم المتحدة، ودعوته لحفظ كرامة النازحين، بل حتى على مستوى الولايات المتحدة، وما ورد من تصريح لترمب الذي شجب سياسة إسبانيا المتغاضية حيال الهجرة، وحذر من سيناريو شبيه بما حل بسبتة إذا ما فاز الديمقراطيون، فضلا عن التغطيات الإعلامية على المستوى الدولي.

في 29 يوليو/تموز، كان ما يتصدر الأخبار في المغرب وفي إسبانيا، صورة فتاة ترتدي بدلة للسباحة واقية من برد البحر في منطقة تعبُرها تيارات باردة، وتضع طقما طبيا للأسنان، وكانت بطلة رياضية، واستطاعت أن تجتاز الممر البحري، من شاطئ الفنيدق، أو كاستييخو بالإسبانية (تصغير الفندق)، إلى سبتة.

تداعيات الحدث مرشحة أن تتفاعل في إسبانيا، فمن المحتمل أن يستغل أقصى اليمين الحادث ويركب عليه للترويج لخطابه، حول خطر "المورو" (المغاربة)، وشبح أسلمة أوروبا

كانت كل التحليلات تذهب إلى الملمح الجديد لـ"الحراكة" -أي المهاجرين غير النظاميين- مما يفيد أنهم ليسوا ممن أقعد بهم الفقر، وإنما لمن يتوقون لسياق تصان فيه كرامتهم، وتحاط فيه حريتهم بالاحترام.

وكانت بعض التحليلات تربط النزوح سباحة إلى قرار اتخذته المحكمة العليا الإسبانية لمنع طرد من يصل سباحة إلى سبتة، وكان هذا القرار ما أغرى من يتتبعون سوق بورصة الهجرة، من مافيات منظمة، إلى الدفع بجحافل المغامرين.

لكن الصورة تغيرت، يوم 30 يوليو/تموز، مما شاهدته بأم عيني من جحافل تمشي راجلة من تطوان نحو الشريط الحدودي، أي 40 كيلومترا، ثم من الشريط الطرقي من تطوان إلى طنجة، أي زهاء 60 كيلومترا، مشيا على الأقدام في هجير شمس محرقة، ومنهم من يتسلق شاحنات النقل. كانت الأعداد ووتيرة جحافل المشاة، تبيّن أن قوات الأمن أصبحت مُتجاوَزة.

إعلان

دخل أكثر من 50 ألفاً إلى سبتة في 48 ساعة، وهي أساسا قلعة احتلها البرتغال عام 1415، وسيطرت عليها إسبانيا، ولكنها لم تصبح المدينة المتعارف عليها حاليا إلا بعد توسع إسبانيا فيما يعرف بحرب تطوان، عام 1860، ثم أصبحت مسيجة بعد تواتر محاولات اقتحامها، من قِبَل المهاجرين من جنوب الصحراء، ولم يعد من سبيل لاقتحامها سوى البحر، كما حدث عام 2021، أو الطوفان البشري على الحدود.

وفي 31 من الشهر نفسه، وفي مليلية المحتلة، صعدت جحافل من مواطنين من القرية المحاذية بني أنصار الشباك العازل، في محاولة لاقتحامه.

لم يكن الأمر ينذر بكارثة إنسانية فقط، لأن سبتة لا يمكن أن تتحمل تدفق ثلثي عدد سكانها، ولكن سياسية، في إسبانيا أولا، وهو الأمر الذي دفع رئيس الحكومة الإسباني بيدرو سانشيز إلى الانتقال لسبتة، والتصريح بأن ما وقع هو انتهاك للسيادة الإسبانية، والتنديد بمافيات المتاجرة بالمهاجرين، والإشادة بالتعاون المغربي.

لا يمكن قبول التأويلات المتسرعة والمغرضة التي تزعم أن المغرب تم توظيفه من أجل قرصة أذن لإسبانيا، لمواقفها حيال القضية الفلسطينية، في تواطؤ مع إسرائيل، أو أن حدث النزوح هو رد فعل لزيارة بيدرو سانشيز إلى الجزائر، لسبب بسيط، هو أن ما حدث يسيء للمغرب ولصورته

وعلى مستوى أوروبا، هددت إيطاليا بإخراج إسبانيا من منطقة شينغن، وكذا جمهورية التشيك، ودفعت فرنسا بتشديد المراقبة على حدودها البرية.

تداعيات الحدث مرشحة أن تتفاعل في إسبانيا، فمن المحتمل أن يستغل أقصى اليمين الحادث ويركب عليه للترويج لخطابه، حول خطر "المورو" (المغاربة)، وشبح أسلمة أوروبا، وهو الخطاب الذي يجد آذانا صاغية لدى فئات عريضة في إسبانيا وأوروبا قاطبة، تتأثر لخطاب أقصى اليمين.

وينزل الحدث بثقله على المغرب بطبيعة الحال، فلا يمكن قبول التأويلات المتسرعة والمغرضة التي تزعم أن المغرب تم توظيفه من أجل قرصة أذن لإسبانيا، لمواقفها حيال القضية الفلسطينية، في تواطؤ مع إسرائيل، أو أن حدث النزوح هو رد فعل لزيارة بيدرو سانشيز إلى الجزائر، لسبب بسيط، هو أن ما حدث يسيء للمغرب ولصورته، وللخطاب الذي تُروجه السلطة، وهو ما عبرت عنه سفيرة المغرب في مدريد، السيدة كريمة بنيعيش من أن ما حدث من نزوح لا يسر المغرب ولا يرضيه، وكيف وهو يتزامن مع عيد جلوس الملك، إذ الحدث ينقض مدلول الخطاب حول الإنجازات والرؤية الإستراتيجية.

التزمت السلطات المغربية الصمت حول الحدث، وكذا الأحزاب، وهو صمت لم يرُق لفعاليات من الرأي العام المغربي التي اعتبرت تداعيات الحدث كارثة وطنية جراء العدد المرتفع لحالات الوفاة غرقا، مما يستوجب إعلان حداد وطني. وبالمقابل بدأ تجند السلطات العمومية في تنظيم عودة النازحين من سبتة.

يعيد حدث النزوح إلى سبتة، أو الهروب الكبير، كما يسمى في الصحافة المغربية، القضية الاجتماعية في المغرب إلى الواجهة، لكن الحدث يتجاوز البعد الاجتماعي ويكتسي طابعا سياسيا.

لم تعد للمغرب بنيات وسيطة، أو هيئات للتنشئة تضطلع بدورها في تأطير المواطنين وتوعيتهم، من أحزاب سياسية، ومجتمع مدني، وصحافة، ومدرسة.

إعلان

أضحى الفعل السياسي موزعا بين السلطة وأدواتها الزجرية، والشارع وخطابه الهلامي وعنفه غير المنظم، ويكتسي الوضع خطورة دائمة.

المغرب ككل بيت، له واجهة وله حديقة خلفية، والنظرة الحصيفة، هي تلك التي تنظر إلى الواجهتين، ولا تنتظر أن يفصح الواقع عن الحديقة الخلفية

الإنجازات التي حققها المغرب، تقوم على ما يسمى اقتصاد مزدوج، كما في البنية الاستعمارية، لا ينال منه المغاربة إلا الرذاذ، ولا يمكن إقناعهم ببنيات متطورة حين يستعصي عليهم التطبيب، أو إيجاد شغل، مما يفضي إلى بنيتين اجتماعيتين متنافرتين.

لم تتم قراءة التحولات السوسيولوجية في المجتمع المغربي، بعد هزة احتجاجات "جيل زد". تتعامل السلطات مع التحولات بصفتها أرقاما، بما فيها مندوبية التخطيط، وليس كحالات.

لم تعد شريحة ما يسمى بـ "نيت" (NEET) أي غير المندمجة في الشغل أو التعليم، تطفح بالغضب فقط، بل تحمل العنف كذلك، وهي شريحة تقل أعمارها عن 20 سنة، وهي نتاج ما سمي بمدونة الأسرة، عُدت فتحا مبينا حينها، وهي التي قلصت سلطة الأب وجعلت العلاقة الزوجية علاقة تكافؤ و ليس تكافلا وتكاملا.

عدد كبير من النازحين، هم أبناء أسر من ولي واحد، أي من نتاج مدونة الأسرة، والتي ظهرت آثارها السلبية في تظاهرات الأطراف، والجنوح إلى العنف.

لقد كشف الحدث وضع الاحتلال الذي ترزح فيه مدينة سبتة، وهو الوضع الذي يعد من مخلفات الماضي.

صحيح، لم يرفع واحد من النازحين مطلب تحرير سبتة، ولكن هذا الشعور، كان حاضرا في مليلية، ممن حاولوا دك السياج العازل، من ساكنة منطقة بني أنصار.

هناك وضع استعماري قائم لا شيء يبرره، في سبتة ومليلية وصخرة بادس، وجزر متاخمة للساحل المغربي في البحر الأبيض المتوسط.

يقر المسؤولون في المغرب بوضع مغرب بسرعتين، ويشجبون هذه الوضعية.

والمغرب ككل بيت، له واجهة وله حديقة خلفية، والنظرة الحصيفة، هي تلك التي تنظر إلى الواجهتين، ولا تنتظر أن يفصح الواقع عن الحديقة الخلفية، بطريقة فجة، أو تغطي الشمس بالغربال، كما يقول المثل المغربي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink