Categories
الذكرى الـ66 لاستقلال ووحدة الصومال.. من استذكار الماضي إلى استشراف مستقبل واعد
الذكرى الـ66 لاستقلال ووحدة الصومال.. من استذكار الماضي إلى استشراف مستقبل واعد
محمد أحمد شيخ عليPublished On 29/7/202629/7/2026استمعاستمع (14 دقيقة)حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesفي مطلع شهر يوليو/تموز من كل عام، يحتفل الصوماليون بذكرى استقلال بلادهم ووحدتها، وهي مناسبة وطنية راسخة في وجدانهم، تُوّج فيها نضال الآباء المؤسسين في الأول من يوليو/تموز عام 1960، حين اتحد شطرا البلاد، الصومال البريطاني والصومال الإيطالي، في لحظة تاريخية شهدت ميلاد الجمهورية الصومالية المستقلة.
ومنذ ذلك الحين، ظل شهر يوليو/تموز رمزا لانتصار فكرة الوحدة الوطنية التي شكلت جوهر المشروع السياسي للحركة الوطنية الصومالية منذ انطلاقتها خلال فترة الحرب العالمية الثانية.
ورغم ما مرت به البلاد لاحقا من تحولات وتحديات، بقيت ذكرى الاستقلال والوحدة مناسبة وطنية جامعة يستلهم منها الصوماليون إيمانهم بوحدة وطنهم، ويستمدون منها الأمل في بناء مستقبل راسخ يقوم على الاستقرار والتنمية.
غير أن ذكرى هذا العام حملت دلالات تجاوزت مجرد الاحتفاء بحدث تاريخي؛ إذ عكست تحولا تدريجيا في المزاج الوطني، وانتقالا من استذكار الماضي المثقل بالحروب والانقسامات إلى التطلع نحو مستقبل أكثر إشراقا، يستند إلى خطوات تحققت على أرض الواقع، ومؤشرات تبعث على الثقة بأن مسيرة استعادة الدولة تمضي -رغم التحديات- في الاتجاه الصحيح.
فعلى مدى عقود، كان الأول من يوليو/تموز يأتي مثقلا بذكريات انهيار الدولة والحرب الأهلية وتعثر مسيرة إعادة البناء، فتختلط بهجة المناسبة بمرارة الماضي، ويطغى الحديث عن الأزمات على التفكير في المستقبل.
شهدت الدولة الصومالية خلال السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا في حضورها الإقليمي والدولي، تجسد في سلسلة من الإنجازات التي عززت تنامي الثقة الدولية بمؤسساتها
أما هذا العام، فقد اتسمت الاحتفالات بروح مختلفة؛ إذ لم يعد التركيز منصبا على استذكار الإخفاقات بقدر ما اتجه نحو استحضار ما تحقق من إنجازات، واستشراف ما يمكن تحقيقه خلال السنوات المقبلة.
إعلانويبرز التحسن الأمني بوصفه أحد أهم ملامح هذا التحول، بعدما استعادت القوات الحكومية، بالتعاون مع القوى المحلية، مناطق واسعة كانت تحت سيطرة حركة الشباب، الأمر الذي أسهم في تحسن الحياة اليومية بعودة النشاط العمراني، وارتفاع حجم الاستثمارات، وتزايد أعداد العائدين من أبناء الجاليات الصومالية في المهجر، فضلا عن تنامي حضور المستثمرين والزائرين الأجانب، في مؤشر واضح على استعادة البلاد ثقة الداخل والخارج.
وتزامن ذلك مع حراك مجتمعي متجدد، بدأ معه المجتمع الصومالي يستعيد ثقته بالحياة المدنية بعد عقود طغت فيها صور الحرب والعنف. فقد توسعت فرص التعليم، وانتشرت المدارس والجامعات ومراكز الأبحاث، واستعادت الأنشطة الثقافية والإعلامية والفنية والرياضية حضورها، وانتعشت حركة النشر والترجمة، وأصبحت الملاعب والمنتديات العامة ساحات للإبداع والتنافس، تعكس تطلع الأجيال الجديدة لبناء المستقبل بالعلم والعمل، لا بالعنف والانقسام.
وقد أسهمت هذه التحولات في تصحيح الصورة النمطية التي ارتبطت بالصومال لسنوات طويلة، لتبرز صورة مجتمع يستعيد عافيته، ويتمسك بخيار السلام والتنمية، ويواصل إعادة بناء مؤسساته على أسس أكثر رسوخا.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يمثل استكمال مسار إعفاء الديون الخارجية خطوة مهمة نحو تعزيز الاستثمار وتحفيز التنمية،. كما يتيح التنقيب عن النفط والغاز إمكانات اقتصادية واعدة، ولا سيما مع جهود الحكومة في وضع الأطر التشريعية والتنظيمية الكفيلة بإدارة هذا المورد الحيوي وفق مبادئ الحوكمة الرشيدة والشفافية، بما يضمن توظيفها في خدمة التنمية وتحقيق المصلحة العامة.
أما دبلوماسيا، فقد شهدت الدولة الصومالية خلال السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا في حضورها الإقليمي والدولي، تجسد في سلسلة من الإنجازات التي عززت تنامي الثقة الدولية بمؤسساتها.
فقد رُفع حظر السلاح المفروض عليها منذ عقود، في خطوة دعمت قدرة الدولة على استكمال بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية، وتمكينها من الاضطلاع بمسؤولياتها في حماية أمنها وسيادتها.
وعلى المستوى الإقليمي، انضمت الصومال إلى مجموعة شرق أفريقيا، بما يفتح آفاقا للتعاون الاقتصادي والتجاري، ويعزز اندماجها في محيطها الإقليمي، ويوسع فرص الاستثمار والشراكات التنموية.
إن استعادة الدولة بعد تفككها لم تكن مهمة سهلة، بل عملية معقدة تطلبت تراكما في الإنجاز، ونفسا طويلا، وتوافقا وطنيا واسعا
أما على المستوى الدولي، فقد اُنتخب الصومال عضوا غير دائم في مجلس الأمن الدولي، وهو إنجاز يجسد استعادة مكانته على الساحة الدولية بعد غيبة طويلة، ويؤكد تنامي الثقة بقدرة مؤسساته على الاضطلاع بمسؤولياتها الدولية.
ولم يقتصر الحضور الدبلوماسي على تعزيز مكانة الصومال الخارجية، بل امتد إلى الدفاع عن سيادته ووحدة أراضيه، استنادا إلى قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وفي الوقت نفسه، أكد رئيس الجمهورية مرارا استعداد الدولة لمعالجة المظالم التاريخية بالحوار والعدالة والإنصاف، انطلاقا من قناعة راسخة بأن المصالحة الوطنية تمثل الركيزة الأساسية لترسيخ الاستقرار وصون الوحدة الوطنية.
إعلانوفي مجال بناء المؤسسات، أُنجزت مراجعة الدستور، بعد مشاورات وطنية امتدت لأكثر من عقد، وأقرها البرلمان، بما يمثل خطوة مهمة نحو إرساء المؤسسات الدستورية وفاعلية النظام السياسي.
كما شرعت البلاد في توسيع المشاركة الشعبية عبر الانتقال التدريجي نحو الانتخابات المباشرة بدءا بانتخابات المجالس البلدية والولائية، بمشاركة عدد من الأحزاب السياسية، ووصولا إلى الانتخابات على المستوى الفدرالي، بما يمثل توجها نحو دعم الممارسة الديمقراطية، وتعزيز دور المواطنين في اختيار ممثليهم والمشاركة في إدارة الشأن العام.
ورغم استمرار تحفظ بعض القوى السياسية بشأن جوانب هذا المسار، فإن استمرار الحوار بين الحكومة ومختلف القوى الوطنية يعكس إدراكا متزايدا بأن التوافق الوطني يظل الطريق الأنسب والأكثر أمانا لترسيخ الاستقرار السياسي، وتعزيز بناء مؤسسات الدولة، وصون وحدة البلاد.
لا تزال أمام الصومال تحديات سياسية وتنموية وأمنية، يأتي في مقدمتها استكمال المصالحة الوطنية، وضمان سيادة القانون، ودفع مسيرة التنمية الشاملة، ومواصلة الجهود الرامية إلى مواجهة حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة
ومن العوامل التي أسهمت في تحقيق هذه الإنجازات حالة التفاهم والتنسيق بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، والعمل بروح الفريق الواحد في إدارة شؤون الدولة، وهو ما شكل تحولا ملحوظا مقارنة بسنوات سابقة كانت الخلافات بين رأسي السلطة التنفيذية تعطل عمل المؤسسات وتدخل البلاد في أزمات سياسية متكررة.
أما خلال السنوات الأربع الماضية، فقد اتسم الأداء الحكومي بدرجة عالية من الاستقرار، الأمر الذي هيأ بيئة مواتية لتحقيق عدد من الإنجازات التي امتدت آثارها إلى مختلف القطاعات.
ولفهم دلالات هذه التحولات، لا بد من النظر إليها في سياق المسار التاريخي الذي سلكته الدولة الصومالية منذ الاستقلال. فالجمهورية الفتية لم تمض سوى سنوات قليلة على قيامها حتى دخلت مرحلة من التحولات السياسية العميقة؛ إذ لم يدم العهد الديمقراطي الذي انتهجته في سنواتها الأولى سوى تسع سنوات، في مجتمع كان لا يزال يبني مؤسساته الحديثة، ويعمل على توطيد هوية وطنية جامعة، في حين ظلت البنية العشائرية التقليدية تمثل الإطار الاجتماعي الأكثر تأثيرا، ولم تكن مؤسسات الدولة قد اكتسبت القدر الكافي من الرسوخ لإرساء ثقافة الدولة الحديثة.
ثم جاء الانقلاب العسكري عام 1969 حاملا مشروعا سياسيا ذا توجهات اشتراكية، سعى إلى إحداث تحول جذري في بنية الدولة والمجتمع بوتيرة متسارعة. ورغم ما حققته تلك الحقبة من إنجازات في مجالات التعليم والإدارة وبناء مؤسسات الدولة، فإنها واجهت تحديات داخلية وخارجية معقدة، كما اصطدمت بالبنى الاجتماعية التقليدية، وتأثرت باستقطابات الحرب الباردة وما أفرزته من صراعات إقليمية في منطقة القرن الأفريقي. وانتهت تلك المرحلة بانهيار الدولة المركزية مطلع تسعينيات القرن الماضي، ودخول البلاد في حرب أهلية طويلة خلفت آثارا عميقة في بنية الدولة والمجتمع.
ومن ثم، فإن استعادة الدولة بعد تفككها لم تكن مهمة سهلة، بل عملية معقدة تطلبت تراكما في الإنجاز، ونفسا طويلا، وتوافقا وطنيا واسعا. ولذلك، فإن ما تحقق خلال السنوات الأخيرة من إعادة بناء المؤسسات، وتحسن الأوضاع الأمنية، وتنشيط الحركة الاقتصادية، واستعادة الحضور الإقليمي والدولي، مثل خطوة مهمة في مسار طويل نحو ترسيخ الدولة وتعزيز أركانها.
ومع ذلك، لا تزال أمام الصومال تحديات سياسية وتنموية وأمنية، يأتي في مقدمتها استكمال المصالحة الوطنية، وضمان سيادة القانون، ودفع مسيرة التنمية الشاملة، ومواصلة الجهود الرامية إلى مواجهة حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة التي ظلت على مدى العقدين الماضيين تسعى إلى تقويض مؤسسات الدولة، وتعطيل جهود بسط الأمن والاستقرار، وإعاقة مسيرة التنمية.
إن استمرار الحوار بين الحكومة ومختلف القوى الوطنية يعكس إدراكا متزايدا بأن التوافق الوطني يظل الطريق الأنسب والأكثر أمانا لترسيخ الاستقرار السياسي، وتعزيز بناء مؤسسات الدولة، وصون وحدة البلاد
وفي ضوء التطورات الميدانية خلال السنوات الماضية، شهدت حركة الشباب تراجعا ملحوظا في قدراتها العسكرية وانخفاضا في مستوى عملياتها، نتيجة الضغوط المتواصلة التي تعرضت لها عبر الحملات الأمنية والاقتصادية والتوعوية والإعلامية التي قادتها الحكومة، مما أسهم في إضعاف البنية التنظيمية للحركة، وتقليص قدرتها على تنفيذ عمليات واسعة، والحد من مصادر تمويلها وتأثيرها المجتمعي، الأمر الذي يؤكد فاعلية المقاربة الشاملة في إضعاف قدرات الحركة واحتواء التحدي الذي تشكله على الدولة والمجتمع.
إعلانوتجدر الإشارة إلى أن مواجهة خطر حركة الشباب لا تقتصر على الجانب الأمني فحسب، بل تتصل أيضا بحماية الدولة الوطنية ومؤسساتها، في ظل محاولات الحركة تقويضها وتعطيل قدرتها على أداء وظائفها، في الوقت الذي يحرص فيه المجتمع على الحفاظ على دولته، باعتبارها الإطار الجامع الذي يصون سيادة الوطن، ويحفظ حقوق المواطنين ومصالحهم، ويوفر البيئة اللازمة لتحقيق الاستقرار والتنمية.
وقد عُرف المجتمع الصومالي باعتزازه بدينه وتاريخه ووطنيته، وحرصه على حماية ثوابته الوطنية ودولته. ومن ثم، فإن مكافحة الإرهاب ليست معركة أمنية فحسب، وإنما هي أيضا معركة من أجل حماية الدولة، وترسيخ سلطة القانون، وصون وحدة المجتمع، وتأمين مستقبله.
ومن هنا، فإن أهمية الذكرى السادسة والستين للاستقلال والوحدة لا ترتبط فقط بمرور أكثر من ستة عقود على ميلاد الجمهورية الصومالية، وإنما بما حملته من مشاعر مختلفة لدى الصوماليين مقارنة بالاحتفالات السابقة، في ظل إحساس متزايد بأن البلاد مقبلة على مرحلة جديدة أكثر ارتباطا بالثقة والأمل والعمل من أجل المستقبل. فبعد سنوات طويلة ظل فيها الماضي، بما يحمله من أزمات وصراعات، حاضرا بقوة في الذاكرة الوطنية، بدأت تتشكل ملامح مسار جديد قوامه البناء واستعادة الثقة بمستقبل الدولة.
ولا يعني ذلك أن الطريق أصبح خاليا من العقبات؛ فبناء الدول عملية طويلة تقوم على التراكم والمثابرة. غير أن صناعة الأمل تبدأ حين تؤمن الشعوب بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل من الماضي، وأن هذا الإيمان لا يكتمل إلا إذا اقترن بالعمل والإرادة والإنجاز.
ومن هذا المنطلق، لم يكن احتفال الأول من يوليو/تموز هذا العام مجرد احتفاء بذكرى الاستقلال والوحدة، بل كان أيضا احتفاء بما تحقق من خطوات على طريق استعادة الدولة، وتجديدا للثقة بقدرة الصومال على النهوض بعد عقود من الصراع، وبعزم شعبه على مواصلة استكمال جهود ترسيخ أركان دولة مستقرة وموحدة، بما يمكنها من تحقيق تطلعات أبنائها، واستعادة مكانتهم بين الأمم.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
شارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylink