Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicJun 23, 2026👁 0 views

هل توقف عودة ملك الشمال أزمات بريطانيا؟

إذا عاد "ملك الشمال" فهل يغير من طبيعة بريطانيا؟

د. عدنان سيف

باحث في قسم التنمية الدولية بجامعة برمنغهام (بريطانيا).

Published On 23/6/202623/6/2026|آخر تحديث: 13:47 (توقيت مكة)آخر تحديث: 13:47 (توقيت مكة)استمعاستمع (10 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
آندي بيرنهام المرشح الأقوى لزعامة حزب العمال البريطاني (الفرنسية)

قبل أيام قليلة كان السؤال المطروح في السياسة البريطانية هو ما إذا كان نموذج وستمنستر قد أصبح عاجزا عن إدارة دولة تواجه أزمات متراكمة وانقسامات متزايدة. أما اليوم، فقد اكتسب هذا النقاش بعدا جديدا مع عودة آندي بيرنهام، الملقب بـ"ملك الشمال"، إلى مجلس العموم.

فالرجل الذي أمضى السنوات الأخيرة عمدة لمانشستر الكبرى ومدافعا شرسا عن حقوق المدن والأقاليم خارج لندن، يعود إلى قلب السياسة الوطنية حاملا معه رؤية تختلف عن السائد في وستمنستر بقدر ما تختلف عن مسيرة كير ستارمر نفسه.

فخلال جائحة كورونا مثلا، دخل بيرنهام في مواجهة علنية مع حكومة بوريس جونسون دفاعا عن الدعم المالي المخصص لشمال إنجلترا، ما جعله في نظر كثيرين رمزا لمقاومة هيمنة لندن على القرار السياسي والاقتصادي.

ولا تكمن أهمية عودة بيرنهام في طموحه الصريح لقيادة حزب العمال، أو الوصول إلى رئاسة الوزراء، بل في أنه يقدم تشخيصا مختلفا للأزمة البريطانية. ففي حين يعزو كثيرون اضطرابات العقد الأخير إلى تداعيات بريكست أو إلى إخفاقات الحكومات المتعاقبة، يرى بيرنهام أن جذور الأزمة أعمق من ذلك، وأنها ترتبط بالمركزية المفرطة التي حكمت الدولة البريطانية لعقود طويلة، وما ترتب عليها من تهميش اقتصادي وسياسي للمناطق والأقاليم خارج لندن.

ومن هذا المنظور، لا تمثل عودته إلى مجلس العموم مجرد حدث سياسي عابر، بل قد تكون بداية لنقاش جديد حول طبيعة الدولة البريطانية وكيفية إدارتها.

وجاءت عودة بيرنهام في لحظة اضطراب غير مسبوقة داخل حزب العمال، بعدما أطاح نواب الحزب بكير ستارمر إثر سلسلة من الانتكاسات الانتخابية وصعود حزب "الإصلاح"، ما فتح الباب أمام البحث عن قيادة جديدة قادرة على استعادة ثقة الناخبين.

هل كان ستارمر مجرد مرحلة انتقالية؟

يطرح بعض المعلقين السياسيين سؤالا بات يتردد على نطاق واسع داخل الأوساط العمالية: هل كان كير ستارمر الرجل المناسب لإخراج المحافظين من السلطة، لكنه لم يكن بالضرورة الرجل المناسب لإدارة المرحلة التالية؟

إعلان

لم يكن ستارمر يرى نفسه بهذه الصورة. ففي خطاب استقالته من أمام مقر رئاسة الوزراء في "10 داونينغ ستريت"، استعرض سلسلة الإنجازات التي حققتها حكومته خلال فترة قصيرة نسبيا. تحدث عن اقتصاد ينمو بوتيرة أسرع من اقتصادات مماثلة، وعن ارتفاع الأجور بمعدلات تفوق التضخم، وعن استثمارات جديدة ومشاريع للبنية التحتية، فضلا عن تقليص قوائم الانتظار في هيئة الخدمات الصحية الوطنية وإنهاء حقبة التقشف.

لكن هذه الإنجازات، على أهميتها، لم تكن كافية للحفاظ على ثقة نواب حزبه.

والسبب لا يتعلق فقط بالحصيلة الحكومية، بل بطبيعة القيادة السياسية نفسها. فستارمر جاء إلى السياسة من عالم القانون، لا من دهاليز الأحزاب. ولم يقضِ عقودا في بناء التحالفات أو تشكيل التيارات الفكرية داخل حزب العمال مثلما فعل أسلافه. كما أنه تعمد تقديم نفسه باعتباره سياسيا عمليا لا أيديولوجيا، معتبرا أن غياب ما يسمى "الستارمرية" يمثل نقطة قوة لا نقطة ضعف.

غير أن هذا ما تحول لاحقا إلى أحد أبرز مواطن الانتقاد الموجهة إليه. فمع مرور الوقت، رأى كثير من النواب والناشطين أن ستارمر يفتقر إلى رؤية سياسية ملهمة قادرة على توحيد الحزب وإقناع الناخبين. وفي عصر أصبحت فيه القدرة على التواصل وصناعة السردية السياسية لا تقل أهمية عن الكفاءة الإدارية، بدا ستارمر في نظر منتقديه قائدا ناجحا في إدارة الدولة، لكنه أقل نجاحا في إلهام الجمهور، أو رسم صورة مقنعة لمستقبل البلاد.

ولعل المفارقة الكبرى أن السمة نفسها التي ساعدته على الوصول إلى السلطة- أي ابتعاده عن الاستقطاب الأيديولوجي- أصبحت لاحقا أحد الأسباب التي عجلت برحيله.

ما الذي يمكن أن يقدمه بيرنهام وعجز عنه ستارمر؟

هنا يكمن جوهر المقارنة بين الرجلين.

فبينما تشكلت تجربة ستارمر السياسية داخل مؤسسات وستمنستر التقليدية، أمضى بيرنهام السنوات الأخيرة في إدارة مانشستر الكبرى والتعامل المباشر مع قضايا النقل والإسكان والتنمية الاقتصادية والخدمات العامة. ولذلك فإن خبرته السياسية ترتبط بإدارة المدن والمجتمعات المحلية أكثر مما ترتبط بإدارة التوازنات الحزبية داخل البرلمان.

كما يمثل بيرنهام بالنسبة لكثيرين صوت بريطانيا خارج لندن. فقد بنى مكانته السياسية على الدفاع عن المدن الشمالية والمناطق التي شعرت لعقود بأنها مهمشة اقتصاديا وسياسيا. ومن هنا فإن عودته قد تمنح حزب العمال فرصة لإعادة بناء جسوره مع شرائح من الناخبين فقد الحزب جزءا من نفوذه بينها منذ استفتاء بريكست.

لكن الفارق الأهم بين الرجلين يتمثل في رؤيتهما لطبيعة الدولة نفسها. فبينما اعتمد ستارمر على نموذج قيادي شديد المركزية والانضباط، يقوم مشروع بيرنهام على نقل السلطة والموارد إلى المدن والأقاليم ومنحها دورا أكبر في صنع القرار. وهو لا ينظر إلى اللامركزية باعتبارها مجرد إصلاح إداري، بل باعتبارها استجابة سياسية لأزمة أعمق تعاني منها بريطانيا منذ سنوات.

وفي خلفية هذا المشهد يبرز نايجل فاراج وحزب "الإصلاح" بوصفهما المستفيد الأكبر من تراجع الثقة بالأحزاب التقليدية. فبينما يخاطب فاراج شعورا واسعا بالتهميش والغضب تجاه النخب السياسية، يحاول بيرنهام تقديم إجابة مختلفة للمشكلة نفسها، تقوم على إعادة توزيع السلطة والموارد داخل بريطانيا بدلا من الاكتفاء بخطاب الاحتجاج على المؤسسة السياسية.

إعلان

هنا تحديدا يتمتع بيرنهام بميزة سياسية نادرة؛ فهو قادر على مخاطبة الناخبين الذين أيدوا بريكست احتجاجا على النخب السياسية، وفي الوقت نفسه الاحتفاظ بعلاقته مع القاعدة التقليدية لحزب العمال في المدن الكبرى. وهي معادلة فشل الحزب مرارا في تحقيقها خلال العقد الأخير، واستغلها فاراج وأمثاله من القادة الشعبويين.

ومع ذلك، فإن عودة بيرنهام لا تعني بالضرورة أن حزب العمال وجد الحل السحري لأزماته. فبريطانيا لا تزال تواجه تحديات هيكلية عميقة، من آثار بريكست الاقتصادية إلى أزمة الإنتاجية والإسكان والخدمات العامة، فضلا عن الانقسامات الثقافية والسياسية المتزايدة. ولذلك فإن القدرة على تشخيص المشكلات لا تعني بالضرورة القدرة على حلها.

قد لا تكون أهمية عودة آندي بيرنهام إلى مجلس العموم في أنه أصبح المرشح الأوفر حظا لقيادة حزب العمال أو الوصول إلى رئاسة الوزراء. فالأهم أنه أعاد إلى قلب السياسة البريطانية سؤالا ظل مطروحا منذ استفتاء بريكست: هل تكمن أزمة البلاد في الأشخاص الذين يتولون السلطة، أم في طبيعة النظام الذي يديرها؟

وإذا كان العقد الماضي قد كشف حدود قدرة النخب السياسية على إدارة الأزمات المتلاحقة، فإن عودة بيرنهام قد تعيد فتح نقاش أعمق حول ما إذا كانت بريطانيا بحاجة إلى تغيير قادتها فحسب، أم إلى إعادة التفكير في الطريقة التي تحكم بها الدولة نفسها.

غير أن أمام بيرنهام تحديا أكثر إلحاحا من أي مشروع إصلاحي طويل المدى. فبحسب أليستر كامبل، المستشار السياسي المخضرم لتوني بلير، فإن الأولوية الأولى لأي زعيم عمالي جديد ستكون إدارة الحزب وكتلته البرلمانية القلقة على مستقبلها السياسي في مواجهة الصعود المتواصل لحزب "الإصلاح. فهؤلاء النواب لا يفكرون فقط في مستقبل بريطانيا، بل أيضا في فرص بقائهم السياسي.

ولهذا فإن نجاح بيرنهام، عندما يصبح زعيما للحزب ورئيسا للوزراء، كما هو متوقع، لن يقاس فقط بقدرته على طرح رؤية جديدة للدولة البريطانية، بل أيضا بقدرته على تحقيق إنجازات سياسية سريعة تمنح نواب حزبه الثقة بأنهم لن يكونوا ضحايا الانتخابات المقبلة. وإلا فإن الرجل الذي عاد اليوم إلى وستمنستر بوصفه "ملك الشمال"  قد يجد نفسه غدا في مواجهة المصير السياسي نفسه الذي أطاح بكير ستارمر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink