Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicJun 12, 2026👁 0 views

من سيطفئ مصابيح مطار تل أبيب؟

خطأ بن غوريون الذي رسم نهاية إسرائيل

مازن النجار

باحث في التاريخ والاجتماع.

Published On 13/6/202613/6/2026|آخر تحديث: 04:20 (توقيت مكة)آخر تحديث: 04:20 (توقيت مكة)استمعاستمع (14 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
قلعة الشقيف جنوب لبنان (الجزيرة)

في آخر أيام مايو/أيار الماضي، أعلن جيش الاحتلال استيلاءه على قلعة "الشقيف" بجنوب لبنان، وسماها الفرنجة الصليبيون قلعة "بوفورت" زمن احتلالها قبل أن يحررها الناصر صلاح الدين الأيوبي.

كتب آفي أشكنازي، مراسل "معاريف" العبرية العسكري، سيطر "الجيش الإسرائيلي" على قلعة "بوفورت" جنوب لبنان، مما يعد إنجازا تكتيكيا محدودا، لكنها تفتقد تماما أي بعد إستراتيجي. وأضاف أشكنازي، منتقدا غياب الرؤية السياسية، وخطة عمل طويلة لدى صناع القرار: هذه الخطوة لن تمنع استمرار إطلاق الصواريخ باتجاه مستوطنات "كريات شمونة" أو "المطلة" أو "الجليل"، ولا تغير شيئا من صورة القتال الكلية في لبنان.

أما تقرير نيويورك تايمز، فأشار إلى أن الاستيلاء على القلعة أثار ذكريات قتال دموي أليمة، دار هناك خلال احتلال إسرائيل جنوب لبنان، قبل انسحابها نهائيا عام 2000، بعد مقاومة طويلة قادها حزب الله. وبعد 26 عاما، يخوض الحزب حرب عصابات مجددا ضد القوات الإسرائيلية الغازية، بينما يناقش قادة إسرائيل علنا العودة لإقامة "حزام أمني" بجنوب لبنان.

لا حصانة من المسيرات

وفي حين اعتبر رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، الحدث "خطوة دراماتيكية"، وتعهد بتعميق وتوسيع سيطرة جيشه بلبنان، لا يرجح خبراء عسكريون إسرائيليون أن تحمي التلة المحصنة الجيش من مسيرات حزب الله المفخخة التي أدت لتزايد خسائر إسرائيل العسكرية من آليات وأفراد، وأن احتلال مزيد من الأراضي لن يخضع حزب الله. ويؤكد إيال بن رؤوفين، جنرال إسرائيلي متقاعد: "كلما توغلنا أكثر، احتجنا قوات أكثر، وازدادت هشاشتنا وخسائرنا"، بحسب نيويورك تايمز.

وقال حاييم هار زهاف، كاتب إسرائيلي قاتل بجنوب لبنان المحتل بالتسعينيات، إن العودة لقلعة بوفورت تعكس اتجاه إسرائيل نحو احتلال وحرب استنزاف مع حزب الله. ويرى زهاف، كغيره من الإسرائيليين، أن هذه الحملة كارثة إستراتيجية.

إعلان

لكن المحللين يرون أن خيارات نتنياهو محدودة إزاء تجنب تقويض المفاوضات الأمريكية الإيرانية تماما، وتبدو ذات أولوية أعلى للرئيس الأمريكي.

وقال الجنرال المتقاعد، غيرشون هاكوهين، إن الجيش كان يعتقد أن الاستيلاء على قلعة بوفورت سيمثل استعراض قوة ضد حزب الله. وأضاف هاكوهين، الذي خدم في الاحتياط، أن إسرائيل سعت لاحتلال القلعة في أبريل/نيسان الماضي، قبل وقف إطلاق النار الأخير. لكن العملية ألغيت بمنتصفها بسبب كثافة نيران حزب الله.

أما عوفر شيلح، الباحث بمعهد دراسات الأمن القومي، فيرى أن المستوى السياسي الإسرائيلي يريد استمرار الحرب؛ لأن البديل عن استمرارها هو الاعتراف بأن التصريحات والوعود الفارغة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لم تتحقق. والمستوى العسكري مصاب بصدمة 7 أكتوبر/تشرين الأول، وتخلى عن دوره في صياغة المعركة، لذلك يتحدث باستمرار عن تقدم للأمام، لكن أين سيقودنا هذا التقدم؟! هل سنصل فعلا لبيروت؟ نحن نعيش وهم الأمن المطلق. ولا شيء مطلقا بالشرق الأوسط.

ورغم سعي إدارة ترمب لدفع حكومة لبنان نحو نزع سلاح حزب الله، فإن الجيش اللبناني أضعف بكثير من الحزب، مما يجعل المواجهة المباشرة أمرا صعبا. ويرى محللون إسرائيليون أنه ما دامت إسرائيل باقية بجنوب لبنان، فلن تتمتع الحكومة اللبنانية بشرعية تذكر للتحرك ضد الحزب.

في سياق الذكريات الأليمة، يذكر أشكنازي بمعركة معقدة وضارية استمرت طوال ليل أول أيام الاجتياح، 6 يونيو/حزيران 1982، بين المقاومة الفلسطينية-اللبنانية (كتيبة الجرمق) ولواء غولاني الإسرائيلي حول السيطرة على القلعة. تمترست كتيبة الجرمق في القلعة وأعدت للمعركة، وكان الراحل علي أبوطوق يدير التحصين والإعداد بمشاركة طلاب هندسة بالجامعات اللبنانية، وشاركت طالبات بتعبئة أكياس الرمل لتحصين المواقع. وحُفرت أنفاق وخنادق وأقيمت تحصينات.

في وثائقي إسرائيلي (2015)، أفادت شهادات جنود الاحتلال بأن القوات الغازية استعصى عليها احتلال القلعة، فاكتفت بقصفها بطائرات "أف-16" والصواريخ دون جدوى. فحاصرتها بمئات الجنود، وبدأت هجوما عنيفا باتجاهها ورد الفدائيون بقاذفات آر بي جي؛ واستمر القتال وجها لوجه في كل خندق وكل متر بالقلعة ووراء كل حجر لمدة 60 ساعة كاملة.

بعد الخمسين ساعة الأولى، قضى 25 فدائيا في القتال. وبعد أن أصبح القتال وجها لوجه، ظل اثنان من الفدائيين يقاتلان، وتمكنا من قتل 7 جنود إسرائيليين وإصابة 17 بجروح خطيرة قبل موتهما. ونظرا لكثافة نيران المقاومة المستمرة من قرب، تأجل إخلاء القتلى والجرحى الإسرائيليين، وحينها فقط اتضح عدد القتلى، ومن بينهم قائد الوحدة غيورا هارنيك، الذي صرف من الخدمة العسكرية قبل الاجتياح بأسبوع، ولكن تم استدعاؤه فجأة.

ونظرا لإصابة قائد الوحدة موشيه كابلينسكي في طريقه لساحة العمليات، تم إرسال هارنيك بديلا له. قاد هارنيك ناقلة جنود مدرعة بسرعة كبيرة فانقلبت، دون إصابته وأفراده بأذى، ذلك أن منيّتهم كانت تنتظرهم في الخنادق المحيطة بالقلعة.

انتهت المعركة بعد حصار وقتال وقصف جوي. قاد كتيبة الجرمق يعقوب سمور واليمني عبد القادر الكحلاني. وبجانب الجرمق، شاركت بالقتال فصائل أخرى، ضمت مقاتلين أتراكا وكردا ويمنيين.

إعلان

في النهار التالي، قام رئيس الأركان الإسرائيلي، رفائيل إيتان، بزيارة القوات، وذهل عندما علم بعدد القتلى. ولاحقا بذلك اليوم، وصل رئيس الوزراء مناحم بيغن ووزير الدفاع أرييل شارون برفقة صحفيين ومصورين. وسأل بيغن إذا كان الفدائيون قد استسلموا؟ ورد عليه جندي: لم يستسلم أحد منهم.

وسأل بيغن: هل كانت معهم رشاشات؟ وهو سؤال أصبح يرمز لاحقا لجهل القيادة الإسرائيلية بضحاياها وعدوها- على حد سواء- وبالأحداث على الجبهة خلال الحرب، وهي سمة متواترة لمشروعات الاستيطان التي توظف الجيوش وقودا لحروب التوسع الاختياري الإمبريالي ضد مقاومة أهل البلاد الأصليين الذين يخوضون معارك وجودية. وشتان ما بين الموقفين!

لاحقا، يتذكر قائد لواء غولاني عواقب ما حدث، ويود لو لم يهاجم قلعة الشقيف. وبانتهاء الحرب فُتح تحقيق حول سبب عدم وصول أمر بتأجيل العملية للوحدة المهاجمة، لكن لم يسفر عن نتائج حاسمة. أقيم بالقلعة موقع عسكري إسرائيلي، تعرض مرارا وتكرارا لهجمات مسلحة، ما جعلها "رمزا لاستهداف الاحتلال بأسره في لبنان".

بعد 18 عاما من الاحتلال، أجبر حزب الله وحلفاؤه إسرائيل على الانسحاب عام 2000. ومن حينها، خاض حروبا مع إسرائيل، أبرزها حرب يوليو/تموز 2006، وحرب عام 2024.

في السياق الراهن، رسم أشكنازي صورة مقلقة لتوجهات "القيادة السياسية" بإسرائيل، وما إذا كانت تنتظر تسلم رئيس أمريكي جديد مهامه، وحذر من عدم وجود إستراتيجية، أو خطة عمل واضحة لما سيحدث غدا أو الأسبوع المقبل، مؤكدا أن الجيش يمتلك خططا عديدة، لكنه مكبل بغياب القرار السياسي، بينما يبدو الهدف بعيد المنال، إذ لا يلوح بالأفق حاليا أي مؤشر يدفع حزب الله للموافقة على نزع سلاحه في لبنان.

بين الاستيطان الصليبي والصهيوني

إن كان لاحتلال إسرائيل قلعة الشقيف- التي احتلها الصليبيون قبل ألف عام- من دلالة، فهي أن المشروع الاستيطاني الصهيوني بسبيله لوراثة الاستيطان الصليبي ومآلات نهايته أيضا.

المعلوم أن إسرائيل تختلف عن كل الدول "الطبيعية" التي تمتلك جيوشا فـ"إسرائيل جيش يمتلك دولة"! فهي تشكيل متعدد المستويات والاختصاصات في الإبادة والدمار والاحتلال، هكذا بدأت وهكذا استمرت.

كان للأمير أسامة بن منقذ، زمن الحملات الصليبية، مشاهدات لأحوال الفرنجة ومكانة العسكر برأس هرم التشكيل الصليبي: "والإفرنج خذلهم الله ما فيهم فضيلة من فضائل الناس سوى القتل والقتال ولا عندهم تقدمة ولا منزلة عالية إلا للفرسان، ولا عندهم ناس إلا الفرسان، فهم أصحاب القضاء والرأي" (بتصرف)، وما أشبه الليلة بالبارحة.

يمر الاستيطان الصهيوني بمراحل قيام وسقوط مشروعات الاستيطان الأوروبية منذ الحملات الصليبية بالقرون الوسطى، وتحديدا التي فشلت في إبادة الشعوب الأصلية حضارة واجتماعا، كما وقع للشعوب الأصلية بالأمريكتين وأستراليا.

فشل المشروع الصهيوني في القضاء على شعوب فلسطين وجوارها، وأصبح المشروع الاستيطاني الأخير، المتجه تاريخيا نحو الإنهاك والعزلة والتفكك، في ضوء صمود الأمة واستعصائها على الاقتلاع والإبادة، وتراجع الهيمنة الإمبريالية. وهو يفتقد العقلانية؛ لأن الجريمة غير عقلانية أصلا! وحمل داخله بذور سقوطه وعوامل انهياره، وهو متورط بصراع وجودي "صفري" مع أمة متجذرة آلاف السنين، بل ويستنهض وجوده تحررها.

وأحدث انتقال قيادة المشروع الصهيوني لتيار ديني استيطاني تلمودي فاشيّ شروخا بالغة وانقسامات عميقة بالاجتماع الاستيطاني، تهدد بحرب أهلية، كما يحذر عتاة الجنرالات العسكريين والأمنيين الصهاينة.

من سيطفئ مصابيح المطار؟

لم تعد الهيمنة الغربية، التي أنتجت هذا الكيان الاستيطاني، صلبة كما في سيرتها الأولى، ولذا لم يعد بنفس مكانته الأولى. وبات عاجزا عن حسم أي صراع بغزة أو لبنان. وأتذكر قول الزعيم الفرنسي، الجنرال شارل ديغول، بعد عدوان 1967: "إسرائيل عضو غريب في جسم يرفضه". لذا تظل أزمة هذا الكيان الكبرى في عدم قبول الأمة بوجوده وصلابة وعيها. ويبقى العنف المتصاعد والإبادة سبيلا وحيدا لاستمراره- إلى حين- ولكنه مأزقه الأول.

إعلان

يعتقد المؤرخ الإسرائيلي، بيني موريس أن نهاية إسرائيل حسِمت عندما فشلت الحركة الصهيونية بقيادة بن غوريون في إبادة شعب فلسطين. وكتب إسرائيلي آخر أن "أباه رحل بعد أن ترك له دولة، أما هو فعندما يرحل سيترك لابنه علامة استفهام". وكتب غيره: "سيكون على آخر المغادرين من مطار بن غوريون أن يطفئ مصابيح المطار!".

أما المؤرخ الإسرائيلي، إيلان بابيه، فتناول مؤخرا إنهاك جيش الاحتلال الذي لم يصمم لحروب استنزاف. لذا، سيكون هناك تأثير لضغوط عسكرية وداخلية تؤدي لسيناريو التفكك والتغيير. واعتبر الإنهاك مؤشرا على احتمال التفكك. وثمة نوعان من الإنهاك:

  • إرهاق بشري شديد: فجنود الاحتياط يخدمون مددا طويلة منذ عام 2023، تقريبا نفس عدد أيام خدمة جندي نظامي، ويفقدون وظائفهم وأعمالهم، مما يدمر حياتهم.
  • استهلاك العتاد العسكري: فإستراتيجية إسرائيل بشأنه تستهدف كسب الحرب بثلاثة شروط: أن تبدأ إسرائيل الحرب؛ خوض الحرب على أرض العدو، وهو لا يحدث دائما؛ وأن تكون الحروب قصيرة جدا وإلا ستصبح حرب استنزاف.

عندما شاهد أعضاء الكنيست فيلما توثيقيا عن أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أغمي على بعضهم من الهول وتلقوا علاجا. وفي لحظة صدق ويأس نادرة، قال يائير لبيد، زعيم المعارضة بالكنيست: «إسرائيل ليست دولة أخلاقية وليست قوة إقليمية ولن تنتصر في الحرب». لاحقا، لاحظ لبيد أن نتنياهو يخوض حروبا لهزيمة كل دول الشرق الأوسط، بما فيها إسرائيل.

وفي لقاء بودكاست جمع البروفيسور غلين ديسين بالسفير تشاس فريمان، مساعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، استغرق ساعة كاملة، أكد فريمان أن مشروع إسرائيل الكبرى ينهار بديباجاته وأساطيره وتحركاته، وختم بأنه يقترب من نهايته.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink