Categories
المصورة الفرنسية جوس دراي.. غزة تتمسك بالحياة رغم الإبادة والتصوير يبدأ من الإنسان
المصورة الفرنسية جوس دراي.. غزة تتمسك بالحياة رغم الإبادة والتصوير يبدأ من الإنسان
استمعاستمع (11 دقيقة)حفظ
شارِكْ “غزة تتمسك بصورتها كحياة”.. 4 عقود من توثيق ذاكرة الفلسطينيين بعدسة الفرنسية جوس دراي على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylinkplay videoplay videoمدة الفيديو 02 دقيقة 07 ثانية play-arrow02:07عبد المجيد دقنيشPublished On 1/10/20261/10/2026|آخر تحديث: 01:02 (توقيت مكة)آخر تحديث: 01:02 (توقيت مكة)- غزة تتمسك بصورتها كحياة وشعب وذاكرة رغم الإبادة الجماعية.
- الصورة تصنع الذاكرة حين يصبح الواقع نفسه موضع إنكار.
- الصورة علاقة ثقة وتبادل، لا نظرة من طرف إلى آخر.
- واصلتُ تصوير فلسطين لأن جزءا كبيرا من العالم لا يزال يرفض الاعتراف بشعبها.
باريس – "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، تبدو عبارة محمود درويش مفتاحا مناسبا لقراءة معرض "فلسطين بعدسة جوس دراي" في معهد العالم العربي بباريس؛ فهذه الصور تتجاوز استعادة فلسطين من بوابة الحرب وحدها، لتدخل عبر بوابة الضوء تفاصيل الحياة التي قاومت المحو والحصار، وواصلت صنع ذاكرتها في البيوت والمخيمات والشوارع والأسواق وعلى شاطئ البحر.
بين صورة طفل يكتشف البحر، وعائلة تجتمع حول الطعام، وامرأة مسنّة تواجه العدسة بنظرة ثابتة، وشيخ يحمل صرة هويته وذاكرته الفلسطينية فوق ظهره، تتسع الصورة من لحظة عابرة إلى سيرة مجتمع كامل، يواصل العيش والحلم والعمل والمقاومة
يفتح المعرض، الذي يستمر في معهد العالم العربي حتى الأول نوفمبر/تشرين الثاني، نافذة على أكثر من ثلاثة عقود من تصوير جوس دراي لفلسطين، من أعمال بدأت منذ عام 1987 ووصلت إلى المهمة التي كلفها بها المعهد عام 2001.
في فضاء "مكتبة ليلى شهيد"، تتجاور صور المخيمات والمدن والأسواق والشاطئ والحواجز والمظاهرات، وتظهر صور نادرة أمام الجمهور للمرة الأولى، لتُشكل خريطة بشرية تمتد من غزة وجنين إلى جباليا ومخيم الشاطئ وقلنديا والدهيشة، ومن عين الحلوة إلى نهر البارد.
تمنح هذه الصور التفاصيل اليومية وزنها الكامل؛ خبز الزعتر، والفلافل، وبطيخ تتقاسمه عائلة، ومشهد جدارية يحمل ذكرى شهيد ووعدا بالوفاء، كلها تتحول إلى علامات على حياة فلسطينية تعرف كيف تحمي حضورها من الاختزال
وتترك للناس حقهم في الظهور خارج صورة "الضحية الجاهزة"؛ إذ تكشف صورة القيادي السياسي وهو يأخذ قيلولته مفارقة الإنسان الذي يظل إنسانا داخل التاريخ. هكذا تتشكل من التفاصيل الصغيرة صورة مجتمع كامل، بكل حيويته وتناقضاته وذاكرته.
بدأت جوس دراي علاقتها بالنضال الحقوقي في فرنسا قبل أن تقودها الصحافة إلى فلسطين عام 1987، لتكرس أكثر من ثلاثة عقود لتصوير الفلسطينيين وتتبع حياتهم. فلسطين بالنسبة إليها ليست موضوعا فوتوغرافيا عابرا، بل مسارا طويلا يتابع الناس عبر الانتفاضتين، والمخيمات، والدمار، والعودة.
قصص مقترحة
list of 2 items- list 1 of 2مسجد تسينغوني في مايوت.. عراقة معمارية توثق أقدم حضور إسلامي في الأراضي الفرنسية
- list 2 of 2معارض بلا أبواب.. جداريات تروي تاريخ الأردن وهويته
يتزامن المعرض مع احتفاء فرنسا بمرور مئتي عام على ظهور التصوير الفوتوغرافي، فيمنح المناسبة سؤالا أعمق عن وظيفة الصورة حين يصبح الواقع نفسه موضع إنكار. ومن هنا يطل هذا الحوار الخاص للجزيرة نت مع الفنانة والكاتبة جوس دراي، للحديث عن تجربتها الطويلة، وعن الصورة بوصفها علاقة وثقة وشهادة لحفظ الإنسان والذاكرة.
معهد العالم العربي هو الذي بادر لإعادة اكتشاف هذه الصور التي التقطتها عام 2001 وكنت قد أودعتها لديه. كنت مهتمة جدا بالأمر؛ لأن كل مكان تُعرض فيه صور الفلسطينيين هو مكان مهم. تزداد الأهمية لأنني أُعتبر ناشطة، وأحيانًا تُسحب مني المصداقية بحجة أنني "غير موضوعية". لذلك، فإن مؤسسة كمعهد العالم العربي تمنح هذا العمل شرعية كبرى.
لطالما كان هدفي أن أتحدث عن الشعب الفلسطيني وشرعيته في أرضه، وعن مقاومته من خلال حضوره القوي. عندما اخترنا الصور، أردت أن أُظهر كيف كان هؤلاء الناس يواصلون حياتهم باعتزاز رغم حملة القمع الرهيبة خلال الانتفاضة الثانية. أردت إظهار ما يفرضه الجيش الإسرائيلي عليهم، وكيف استطاعوا هم، في المقابل، أن يظلوا صامدين.
- بعد عقود من تصوير فلسطين، هل بقيت الصورة وسيلة للتوثيق التاريخي، أم أنها تحولت إلى علاقة إنسانية تقوم على الثقة؟
التصوير هو قبل كل شيء علاقة وتبادل. في معظم الأحيان، نتبادل النظر مباشرة أنا ومن أصوّرهم؛ هم يمنحونني صورتهم وحياتهم وحكاياتهم لأنني أبني معهم علاقة ثقة وصداقة، ومن خلال الكاميرا ينقلون ذلك للجمهور.
عندما أمكث أسبوعًا مع عائلة، آكل معهم وأصوّرهم، أكون معهم بكل جوارحي. أحيانًا لا أكون قد انتهيت حتى من ابتلاع الفلافل وأجد نفسي أصوّرهم. هم يعرفون أن ما أنقله هو في النهاية ما تقاسمناه معًا. إنها علاقة إنسانية شديدة القوة تنتقل من خلال الصور.
- كيف تغيّر ما تبحث عنه عينك داخل الصورة بمرور الزمن؟ وهل انتقل الاهتمام من تسجيل الحدث إلى التقاط ما يجعل الفلسطينيين حاملين لفلسطين في حياتهم اليومية؟
عيني كانت وما زالت تبحث عن الإنسان الفلسطيني بوصفه حاملا لفلسطين. فما يقدمونه من خلال ثقافتهم وطريقة عيشهم هو فلسطين؛ الفلسطينيون هم فلسطين.
أحاول التقاط ذلك من خلال وجودي بينهم. لديّ صور ونحن نتشارك أكل البطيخ مثلًا، وقد اكتشفت الآن أن البطيخ أصبح رمزا لفلسطين، مع أنني شاركت الفلسطينيين أكله ربما مئة مرة، وكنت أصوّر هذا التشارك لتوثيق فلسطين أينما كانت؛ في مخيمات لبنان، أو مخيمات الداخل، أو القرى، أو القدس.
- كيف تنجح التفاصيل اليومية البسيطة داخل مخيمات اللاجئين في إعادة الإنسان إلى الواجهة، بعيداً عن الصور النمطية التي تفرضها نشرات الأخبار؟
الصورة الفوتوغرافية المنفردة لا تكفي؛ ما يصنع السردية حقا هو سلسلة متتابعة من الصور. عندما أكون في مخيم "عين الحلوة"، أصوّر الحياة اليومية، والوجبات، والسوق، لكنني أصوّر أيضًا المظاهرات والسياسيين، وهذا ما يتيح إظهار المجتمع كاملا.
إعلانيجب أن نروي تاريخ الشعب بكل ما يشكّله، فحتى المخيمات تختلف؛ عين الحلوة ليست جنينا، ونهر البارد ليس عين الحلوة. صوّرت مثلا المناضل صلاح صلاح، أحد قادة الجبهة الشعبية البارزين، في أبهى حالاته الإنسانية وهو يأخذ قيلولة بعد الظهر. هذا بالضبط ما نحاول قوله: إن هؤلاء المناضلين ليسوا "إرهابيين" كما يدعي البعض، بل رجال عاشوا وقاوموا، ولهم حياتهم اليومية وتناقضاتهم.
- في مواجهة الدمار في غزة، ماذا تستطيع الصورة أن تقول اليوم؟ وكيف تحافظ على الإنسان دون اختزال غزة في صورة الضحية؟
تستطيع أن تقول إن غزة ليست مجرد حرب ودمار، وإن الإنسان يستمر في الوجود. اليوم لا يمكننا الدخول إلى غزة، ولذلك فإن الصحفيين الفلسطينيين هم الذين ينقلون هذه الصور مخاطرين بحياتهم، وقد قُتل منهم أكثر من مئتين. وضعهم لحياتهم على المحك يُظهر مدى قوة هذا المجتمع؛ فكلما قُتل صحفي، ظهر آخر لتحدي آلة الدمار.
وسائل الإعلام الرئيسية، وحتى الإعلام العمومي الفرنسي، تُنكر وجود الإبادة الجماعية، بينما تُوثَّق هذه الإبادة كل يوم عبر هواتف الصحفيين والأهالي. ما يريده السياسيون هو محوهم تمامًا بعدم عرض سوى صور الدمار، أو تقديمهم كضحايا مجردين، لكن داخل هذا الدمار هناك أناس يتشبثون بالحياة. دورنا أن نواصل نقل قصصهم، وأن نصرخ بأعلى صوتنا بأن هناك إبادة جماعية تجري في غزة.
- في كتابكِ "عودة إلى جنين"، منحتِ السكان حق اختيار صورهم وتصميم معرضهم، كيف تحول هذا النهج بالصورة من مجرد "نظرة من طرف لآخر" إلى مساحة مشتركة تعترف بالآخر؟
عندما عدتُ إلى مخيم جنين في المرة الثانية، كان وسط المخيم قد أُعيد بناؤه بعد أن دُمّر في "معركة جنين" (2002)، وأصبح مدينة فقيرة لكنها شديدة الحيوية. قررتُ حينها أن أنشئ معرضا بمشاركة السكان أنفسهم.
كان عليهم أن يتولوا هم نقل المعلومات والتعبير عن واقعهم. على مدى عامين نظمنا ورش عمل في الكتابة والتصوير، ومنها وُلد معرض "الحرية تبدأ هنا"، الذي افتتحناه في ذكرى النكبة، ثم جال في فرنسا في الوقت الذي كانت فيه باريس تحتفل بإسرائيل. التصوير الفوتوغرافي بالنسبة لي هو علاقة تعترف بالآخر، وليست علاقة قوة؛ لذلك نحن نتبادل الآراء، والاختيار النهائي للصور يكون ثمرة هذا التبادل المشترك.
- تحتفل فرنسا بمرور 200 عام على اختراع التصوير لإنقاذ الواقع من النسيان. عندما يُنكر الواقع نفسه، ماذا تصبح مهمة الصورة؟
مهمتنا هي مواصلة تثبيت الواقع، ومن خلال ذلك نصنع الذاكرة. لا أعرف ما إذا كانت الصورة تقول الحقيقة المطلقة، لكنها تُظهر واقعا ملموسا.
هذا الواقع الفلسطيني يجري إنكاره، ولهذا واصلتُ بلا كلل رواية قصة هذا الشعب. لقد أتاحت الصورة تسجيل عالم لم يكن ينبغي أن يظل عرضة للإنكار. وللأسف، رغم كل هذه الصور، لا يزال جزء كبير من العالم يرفض الاعتراف بالشعب الفلسطيني.
المصدر: الجزيرةمقابلاتثقافة|أمكنة|فرنسا