Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicAug 6, 2026👁 1 views

حجر رشيد مفتاح فهم اللغة المصرية القديمة

حجر رشيد مفتاح فهم اللغة المصرية القديمة

استمعاستمع (10 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
حجر رشيد يعدّ من أهم مقتنيات المتحف البريطاني (غيتي-2018)
هاجر ناصرPublished On 6/8/20266/8/2026

حجر بازلتي أثري أسود، اكتُشف في مدينة رشيد المصرية عام 1799 أثناء الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابارت، يحمل نقشا لمرسوم ملكي صدر عام 196 قبل الميلاد، مكتوب بثلاثة رموز مختلفة: الهيروغليفية، والديموطيقية، واليونانية القديمة. وقد كان هذا التكرار للنص الواحد بثلاثة أنماط مختلفة من الحروف الأساس الذي اعتمد عليه العلماء لاحقا في فهم الكتابة المصرية القديمة.

بعد اكتشاف حجر رشيد، نقل إلى بريطانيا عقب هزيمة الحملة الفرنسية، ليصبح موضع دراسة العلماء الإنجليز، في محاولة لفك رموزه وفهم النص المكتوب فيه. وفي الوقت نفسه، كان الفرنسي جان فرانسوا شامبليون يعمل على حل اللغز ذاته، ليتمكن في 14 سبتمبر/أيلول 1822 من قراءة اسم الفرعون رمسيس كاملا، ويكون ذلك مفتاحا لفكّ رموز الهيروغليفية.

وتشير بعض الدراسات، ومنها أبحاث عالم الآثار المصري عكاشة الدالي، إلى أن جذور هذا الفهم تمتد إلى ما قبل شامبليون بقرون، حيث حاول علماء مسلمون -أبرزهم ابن وحشية النبطي (توفي حوالي 291 هـ) وذو النون المصري (ت 245 هـ)- فهم رموز الهيروغليفية.

يُعرَض حجر رشيد في المتحف البريطاني بلندن، ويعدّ من أهم المقتنيات الموجودة فيه، وسط مطالبات مصرية متكررة باستعادته.

صورة قريبة لحجر رشيد في المتحف البريطاني بلندن تبين الكتابة الهيروغليفية واليونانية القديمة عليه (الأوروبية)

أثناء أعمال ترميم إحدى التحصينات العسكرية الفرنسية قرب مدينة رشيد، ضمن حملة نابليون على مصر، اكتشف الملازم بيير فرانسوا بوشار يوم 19 يوليو/تموز 1799 قطعة أثرية من حجر البازلت الأسود، وهي ما باتت تعرف بحجر رشيد.

يبلغ طول حجر رشيد 113 سنتيمترا، وعرضه 75 سنتيمترا، وسماكته 27.5 سنتيمترا، وقد نُقش عليه مرسوم ملكي يرجع إلى عام 196 قبل الميلاد، عن كهنة مدينة منف، أول عاصمة في التاريخ المصري القديم، تكريما للملك بطليموس الخامس (توفي 180 ق.م).

إعلان

يتميز هذا الحجر بأنه سجّل النص نفسه بثلاث كتابات مختلفة: الهيروغليفية في الأعلى، والديموطيقية في الوسط، ثم اليونانية القديمة في الأسفل، وهو ما جعله لاحقا المفتاح الذي فتح الباب لفكّ رموز اللغة المصرية القديمة.

زوار يعاينون حجر رشيد عام 1932 في قاعة المصريات بالمتحف البريطاني (غيتي)

رحلة الحجر وفك رموزه

بعد اكتشافه، نقل حجر رشيد إلى القاهرة بأوامر مباشرة من بونابرت، حيث نسخت منه عدة نسخ لتوثيق نصوصه خشية من احتمال فقدانه. ومع تصاعد ضغط الأسطول البريطاني على الفرنسيين الذين كانوا ينهزمون في المعارك البحرية، اضطر الجيش الفرنسي في مصر للتفاوض مع الإنجليز لإنهاء الحملة.

وبموجب الاتفاقية التي وقّعت بين الطرفين، فقد سُمح للفرنسيين بالاحتفاظ بأبحاثهم ونسخهم، بينما استولى الإنجليز على القطع الأثرية نفسها المأخوذة من مصر، وعلى رأسها حجر رشيد الذي لم الفرنسيون إلا بنُسَخ من النصوص المنقوشة عليه.

نقل الإنجليز الحجر مع آثار مصرية أخرى إلى بريطانيا عام 1802، وهناك بدأت محاولات علمائهم فك رموزه، وفي مقدمتهم الطبيب الفيزيائي توماس يونغ (1773-1829) الذي حقق تقدما مبكرا حين اكتشف أن الكتابة الديموطيقية ليست مجرد أبجدية، بل مزيج من الهيروغليفية والأبجدية، كما تمكّن من تمييز اسم الملك بطليموس، لكنه ظل غير قادر على فك شيفرة الحجر.

وفي فرنسا، كان اللغوي الشاب جان فرانسوا شامبليون يعمل بدأب على حلّ اللغز نفسه، وسرعان ما أدرك كل من العالمين أن له منافسا، حين طلب شامبليون من يونغ أن يرسل له نسخة من الحجر، لكنه رد عليه قائلا إن النسخ الفرنسية لا تقل جودة عن الإنجليزية.

وفي 14 سبتمبر/أيلول 1822، حسم شامبليون السباق وحلّ لغز الحجر بعدما نجح في قراءة اسم "رمسيس" كاملا، ليعلن بعدها عن فك رموز اللغة المصرية القديمة نهائيا. وقد شعر يونغ بالإهانة حين لم يرد اسمه في منشور شامبليون سوى مرتين فقط، واتهمه -في رسالة مجهولة التوقيع- بأن اكتشافه ما هو إلا امتداد لجهوده هو.

جان فرانسوا شامبليون، بريشة الرسام الفرنسي ليون كونييه في معرض "شامبليون، طريق الهيروغليفية" بمتحف اللوفر (الفرنيسة)

اعتمد شامبليون على فرضية أن اسم الملك "بطليموس" لا بد أن يتكرر بالهيروغليفية في نفس موضع تكراره باليونانية على حجر رشيد، وتأكد من صحة فرضيته حين استعان بنقش آخر من معبد جزيرة فيلة، يضم اسمين معا "بطليموس وكليوباترا"، فقارن الحروف المشتركة بينهما، واستطاع تحديد القيمة الصوتية لعدد من العلامات الهيروغليفية، وهي الخبرة التي استند إليها لاحقا في تحليل نصوص أخرى.

وكان مفتاحه الحقيقي في هذا كله معرفته العميقة باللغة القبطية، فقد أدرك بفضلها أن الهيروغليفية ليست مجرد رسوم تعبر عن معان كما كان يُعتقد، بل نظام كتابة يحمل أصواتا أيضا.

وفي صباح 14 سبتمبر/أيلول 1822، وصلته نسخة من خرطوشة (لوح فيه نص هيروغليفي) منقولة من معبد أبو سمبل، تعرف فيها على رمز الشمس الذي يُلفظ "را"، ورمز آخر يعني "أحضر إلى العالم" ويُلفظ "مايس"، فجمع بينهما ليقرأ اسم "رمسيس". وتقول الرواية إنه اندفع إلى منزل أخيه صارخًا "وجدتُها"، قبل أن يغمى عليه من شدة الإرهاق.

إعلان

وبعد أيام قليلة، أعلن توصله إلى حل لرموز الكتابة الهيروغليفية في خطاب وجهه للأكاديمية الفرنسية حمل عنوان: "خطاب للمسيو داسييه (أمين الأكاديمية) عن الأبجدية الهيروغليفية الصوتية"، معلنا أنه بعد عشر سنوات من البحث المتواصل أصبح قادرا أخيرا على قراءة النقوش الفرعونية القديمة، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من علم المصريات.

صورة من ملاحظات شامبليون على نقوش حجر رشيد (غيتي)

قبل أن يعلن شامبليون فك رموز الهيروغليفية بقرون طويلة، كان علماء مسلمون قد بدؤوا فعليا التقاط خيوط اللغز. وأول من عرف باهتمامه بالموضوع كان الكيميائي جابر بن حيان (توفي 200هـ) في أواخر القرن الثامن الميلادي، وإن لم تصلنا نتيجة بحوثه. أما معاصره ذو النون المصري، الذي عاش قرب أحد معابد أخميم بصعيد مصر محاطًا بالهيروغليفية وكهنة ناطقين بالقبطية، فقد كان له إنجاز لافت، إذ ربط بين القبطية المحكية في عصره واللغة المصرية القديمة، وأدرك أن للهيروغليفية قيمة صوتية، وهي نفس الفكرة التي سيتوصل إليها شامبليون بعده.

وفي القرن نفسه تقريبا، يذكر عالم الآثار المصري عكاشة الدالي عالمًا آخر هو أيوب بن مسلمة، الذي تشير كتابات الجغرافي الإدريسي (القرن الثاني عشر) إلى أنه ترجم للخليفة العباسي المأمون أثناء زيارته لمصر عام 217هـ/ 831م، نقوشا من الأهرامات ومسلتي هليوبوليس وعدة لوحات أخرى.

أما الاسم الأبرز في هذا التراث فهو ابن وحشية النبطي (توفي بعيد 291هـ)، العالم الكيميائي الذي وُلد قرب الكوفة بالعراق وعاش في القرن التاسع للميلاد. ويرى الدالي أن أهم إنجازاته هو تمييزه بين الرموز الهيروغليفية الصوتية والرموز "المحددة" التي توضح معنى الكلمة، وقد قارن جداول ابن وحشية بمرجع حديث معتمد في علم المصريات، فوجد تطابقا بينهما، غير أن ابن وحشية لم يكن دائما دقيقا في نقله الصوتي، ولم يربط عمله بوضوح باللغة القبطية، وهو ما يجعل بعض الباحثين يشككون في مدى فهمه الحقيقي لما كان ينظر إليه.

ولاحقا ظهر أتباع لابن وحشية، أبرزهم الكيميائي أبو القاسم العراقي في القرن السادس الهجري/ الثالث عشر الميلادي، الذي أنتج مخطوطة مصورة تجمع بين الهيروغليفية والعربية والرموز الكيميائية، لكنها كشفت أيضا عن حدود فهمه، إذ أخطأ في تفسير بعض الرموز.

صورة من كتاب ابن وحشية النبطي المطبوع "شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام"

هل اطلع شامبليون على هذا التراث؟

لا نستطيع الجزم بأن شامبليون اطلع على هذا التراث في محاولة كشف رموز الهيروغليفية، غير أن ترجمة كتاب ابن وحشية إلى الإنجليزية (1806) على يد المستشرق جوزيف همر كشفت عن تفصيل مهم، فقد أشار همر إلى أن علماء فرنسيين كانوا على علم بوجود مخطوطات عربية عن موضوع فك الرموز. والأهم من ذلك أن أستاذ شامبليون نفسه، سلفستر دي ساسي، كان يعرف عمل ابن وحشية جيدا، بل أعاد طباعته عام 1810.

ورغم عدم وجود دليل قاطع على أن شامبليون اطّلع بنفسه على هذا المصدر، فإن الدالي يشير إلى قرينة لافتة تدعم هذا الاحتمال. ففي رسائله لأخيه، اشتكى شامبليون من صعوبة تعلمه اللغة العربية، مما يوحي بأنه كان يرى فيها قيمة حقيقية لأبحاثه.

المصدر: الجزيرة

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink