Categories
من سخرة العبودية إلى دوامة الاستهلاك.. "الدحيح" يتتبع مسار أسطورة الزومبي
من سخرة العبودية إلى دوامة الاستهلاك.. "الدحيح" يتتبع مسار أسطورة الزومبي
يتتبع “الدحيح” رحلة الزومبي من أسطورة ولدت وسط عبودية هايتي إلى رمز ثقافي وسياسي يُوظَّف في السينما والعلوم والصراعات المعاصرة، ليصبح مرآة تعكس مخاوف الإنسان وتحولات مجتمعه.اقرأ المزيدحين يظهر الزومبي على الشاشة، يتبادر إلى الذهن كائن متعطش للدماء يطارد البشر في مدن مدمرة، لكن حلقة جديدة من برنامج "الدحيح" تكشف أن هذه الشخصية لم تولد في استوديوهات هوليوود، بل خرجت من واحدة من أكثر صفحات التاريخ قسوة، قبل أن تتحول إلى مرآة تعكس مخاوف المجتمعات وتحولاتها السياسية والثقافية.
وتستعرض الحلقة (يمكن مشاهدتها كاملة عبر هذا الرابط) المسار الطويل الذي قطعته أسطورة الزومبي، منذ ارتباطها بذاكرة العبودية في هايتي، وصولا إلى توظيفها في السينما والسياسة وحتى خطط الاستعداد للكوارث، مقدمة قراءة تربط بين التاريخ الشعبي والعلوم والواقع المعاصر.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4كاتب بنيويورك تايمز: أمريكا تشبه "زومبي" ولا تقود العالم
- list 2 of 4"شبكات".. زومبي في مصر وعاصفة ليوناردو بالمغرب وحنين السوريين للإذاعة
- list 3 of 4هل يعود "نبات الزومبي" إلى الحياة؟
- list 4 of 4"بعد 28 عاما".. عودة سينمائية مختلفة إلى عالم الزومبي
يفتتح أحمد الغندور رحلته بقصة بدت لكثيرين غريبة حين نشر مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأمريكي (CDC) عام 2011 تحذيرا بعنوان "الاستعداد لغزو الزومبي"، وخلال دقائق، تدفق الملايين إلى الموقع الإلكتروني للمركز، معتقدين أن جهة صحية رسمية تحذر من تهديد غير مسبوق.
غير أن الحملة كانت وسيلة مبتكرة لجذب انتباه الجمهور إلى إجراءات الاستعداد للكوارث والأوبئة، واستثمر المركز الشعبية الجارفة لأفلام الزومبي لتقديم إرشادات عملية حول تجهيز حقائب الطوارئ، وتخزين المياه والغذاء، والإسعافات الأولية، وآليات التعامل مع الأزمات الصحية.
ويمضي البرنامج إلى أبعد من نجاح الحملة الإعلامية، موضحا أن عالم الزومبي تحول إلى أداة علمية يستخدمها الباحثون في نمذجة انتشار الأوبئة، ويتيح هذا النموذج الافتراضي اختبار سيناريوهات يصعب تطبيقها على أمراض حقيقية، بما يساعد في تطوير خطط الاستجابة للأزمات المستقبلية.
وتكشف الحلقة أن الاهتمام العلمي تزامن مع حضور واسع للزومبي في الثقافة الشعبية، حيث ازدهرت الأفلام والألعاب والروايات التي تناولته، ويرى الغندور أن هذا الانتشار لا يرتبط بالإثارة وحدها، بل يعكس قدرة هذه الشخصية على تجسيد مخاوف إنسانية متجددة تتغير ملامحها مع تغير الأزمنة.
ومن هذا المدخل، يعود البرنامج إلى القرن السادس عشر في جزيرة هيسبانيولا، حيث أسست القوى الاستعمارية مزارع ضخمة اعتمدت على استعباد مئات الآلاف من الأفارقة، وفي ظل تلك الظروف القاسية، تشكلت داخل المجتمع الهايتي معتقدات الفودو، وظهرت صورة الزومبي باعتبارها تجسيدا لفقدان الإنسان حريته حتى بعد الموت.
وتوضح الحلقة أن أسطورة الزومبي لم تكن تعبيرا عن الخوف من الموت بقدر ما كانت انعكاسا لرعب العبيد من استمرار الاستعباد بعد مفارقة الحياة، فمعتقدات الفودو تصورت أن الساحر قادر على إعادة الميت إلى الحياة وانتزاع إرادته، ليظل عبدا يعمل بلا وعي في مزارع قصب السكر.
ويشير الغندور إلى أن هذه الصورة ارتبطت بواقع هايتي الاستعماري، حيث وجد مئات آلاف الأفارقة أنفسهم داخل نظام يقوم على السخرة والعنف. لذلك لم يكن الزومبي وحشا خياليا، بل استعارة مؤلمة لإنسان جُرد من حريته حتى في مخيلته عن الموت والخلاص.
ومع نجاح الثورة الهايتية واستقلال البلاد مطلع القرن التاسع عشر، أثارت التجربة مخاوف القوى الاستعمارية، التي سعت إلى تشويه ثقافة الجزيرة ومعتقداتها. وأصبحت طقوس الفودو مادة خصبة لتصوير سكان هايتي باعتبارهم شعوبا غامضة تمارس السحر الأسود وتهدد العالم المتحضر.
وفي هذا السياق، يتوقف البرنامج عند الصحفي الأمريكي ويليام سيبروك، الذي زار هايتي وأصدر لاحقا كتاب "الجزيرة السحرية"، مقدما روايات مثيرة عن السحر والموتى الأحياء. وسرعان ما انتقلت هذه الصورة إلى هوليوود، التي وجدت في الزومبي مادة سينمائية جذبت الجمهور الأمريكي.
ويرصد الغندور كيف رسخ فيلم "الزومبي الأبيض" عام 1932 هذا التصور، إذ صُورت هايتي فضاء غريبا وخطيرا يهدد الزائر الأمريكي، بينما غابت تماما خلفيات الاستعمار والعبودية التي ولدت منها الأسطورة، ومنذ تلك اللحظة، أصبحت السينما شريكا في إعادة تشكيل الزومبي وفق المخيال الغربي.
ومع اتساع الصراعات الدولية خلال الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، تبدلت وظيفة الزومبي داخل الأفلام. وتحول من رمز مرتبط بالمستعمرات البعيدة إلى أداة لتجسيد المخاوف الأمريكية من النازية ثم الشيوعية، وصارت الجموع فاقدة الإرادة استعارة للعدو الذي يهدد المجتمع الأمريكي.
ويبلغ هذا التحول ذروته عام 1968 مع فيلم "ليلة الموتى الأحياء" للمخرج جورج روميرو، الذي قلب المعادلة السائدة. فبعد أشهر قليلة من اغتيال مارتن لوثر كينغ، جعل بطله رجلا أسود ينجو من الزومبي، قبل أن تقتله الشرطة في النهاية، مقدما نقدا حادا للعنصرية والعنف داخل الولايات المتحدة.
وفي الفيلم التالي "فجر الموتى" عام 1978، يوسع روميرو دائرة النقد، إذ يحاصر الناجون داخل مركز تجاري ضخم، بينما تتدفق جموع الزومبي نحوه بصورة غريزية، ويقرأ الغندور هذا المشهد بوصفه استعارة لمجتمع تحكمه ثقافة الاستهلاك، حيث يتحول البشر إلى أسرى لعادات الشراء أكثر من حاجاتهم الحقيقية.
وتوضح الحلقة أن هذا التحول غيّر مفهوم الزومبي جذريا، فلم يعد الخطر يأتي من شعوب بعيدة أو أعداء خارجيين، بل من أنماط الحياة نفسها، وصارت الشخصية وسيلة لانتقاد الرأسمالية، التي تدفع الإنسان إلى الدوران في دائرة لا تنتهي من العمل والإنفاق والاستهلاك.
وفي العقود اللاحقة، عاد الزومبي إلى الواجهة من خلال أفلام وألعاب تناولت الأوبئة والفيروسات، مستفيدة من تشابه فكرة العدوى مع انتشار الأمراض، كما استخدم علماء الأوبئة هذا النموذج في بناء محاكاة تساعد على اختبار سيناريوهات انتشار الجوائح والاستعداد لها.
ويرى الغندور أن التحولات السياسية داخل الولايات المتحدة منحت الزومبي وظيفة جديدة، مع تصاعد الخطاب اليميني الداعي إلى الانغلاق والاستعداد الدائم للمواجهة، وفي هذا المناخ، ظهرت جماعات مسلحة تتبنى ثقافة "النجاة" وتستعد لكوارث كبرى، بينما جرى تصوير المهاجرين أحيانا باعتبارهم تهديدا يشبه جموع الزومبي.
ويشير البرنامج إلى أن هذه الصورة بقيت موضع صراع بين التيارات السياسية نفسها، إذ يستخدم كل طرف الزومبي لوصف خصومه، في انعكاس لاستقطاب متزايد داخل المجتمع الأمريكي. وهكذا تحولت الشخصية من خرافة شعبية إلى أداة لفهم الانقسامات السياسية والاجتماعية المعاصرة.
ويختتم الغندور رحلته بالتأكيد على أن سر بقاء الزومبي لا يكمن في الرعب الذي يثيره، بل في قدرته على تجسيد مخاوف الإنسان المتجددة؛ من العبودية والاستعمار، إلى العنصرية والأوبئة، ثم العزلة والاستهلاك وفقدان المعنى، وهي هواجس تتبدل أشكالها بينما يظل جوهرها واحدا.
وتخلص الحلقة إلى أن الزومبي لم يعد مجرد شخصية خيالية تتجول في أفلام الرعب، بل أصبح مرآة تكشف ما تخشاه المجتمعات عن نفسها، وكلما تبدلت الأزمات، أعادت هذه الأسطورة تشكيل صورتها، محتفظة بقدرتها على مساءلة الإنسان وعلاقته بالسلطة والحرية والمعنى.
Published On 18/7/202618/7/2026حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylinkالمصدر: الجزيرة