Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicSep 30, 2026👁 0 views

"كيف يُفهم التاريخ؟".. حفريات في صنعة التاريخ وهواجس المؤرخ

"كيف يُفهم التاريخ؟".. حفريات في صنعة التاريخ وهواجس المؤرخ

استمعاستمع (14 دقيقة)

حفظ

شارِكْ ليست مجرد حكايات عن الماضي.. كيف يعيد المؤرخون تشكيل “صنعة التاريخ” بلغة الأدب؟ على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
كتاب كيف نفهم التاريخ؟: مشارب وتجارب» صادر عن دار "باب الحكمة"(الجزيرة)
أنور صابرPublished On 30/9/202630/9/2026

في غمرة التحول المعرفي الذي بات يطبع الكتابة التاريخية المعاصرة، نادرا ما تطالعنا مؤلفات علمية ترصد بدقة متناهية مختلف التغيرات الإبستمولوجية التي طبعت الكتابة التاريخية المعاصرة بمختلف اتجاهاتها الفكرية، والتي كان لها الأثر البالغ على مستوى التأريخ وصنعة المؤرخ ومفاهيمه وأدواته التي طالما كانت موضع فحص نقدي علمي من لدن المؤرخين في العالم ككل.

لذلك فإن الوعي بقيمة هذه المؤلفات يزداد يوما بعد يوم؛ إذ رغم الطابع "التعليمي" الذي تراهن عليه في تقديم معارف ومفاهيم وقضايا وإشكالات، إلا أنها تستمد ملامحها من خصوصية التأريخ المعاصر بكل ما يطرحه من مسائل جوهرية ذات صلة بعمل المؤرخ.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

فقد لعبت مؤلفات نوعية دورا كبيرا في تشريح فيزيونومية الكتابة التاريخية المعاصرة ووضع أفكارها ضمن السياق التاريخي الذي ظهرت فيه، ومن أبرزها: «مهنة المؤرخ» لمارك بلوك. «التاريخ باعتباره أدبا معاصرا» لإيفان جابلونكه. «صناعة التاريخ» لجاك لوغوف وبيار نورا. «كتابة التاريخ» لميشال دوسيرتو.

حرصت هذه الأعمال المرجعية على تزويد المؤرخين العرب بطرق تفكير مغايرة؛ لأنها أبحاث فكرية أصيلة تتأمل عمل المؤرخ والتحولات الإبستمولوجية التي تطاله، لا سيما أن الفترة التي برزت فيها هذه المؤلفات ابتداء من منتصف القرن العشرين عرفت مخاضا علميا كان هاجسه الأساسي تجديد الدراسات التاريخية.

وكان هذا المخاض نتيجة التضارب الفكري والنقاش العلمي الذي خيّم على الساحة الفرنسية بين المدرسة المنهجية (الوضعية) مع "لانغلوا" و"سينيوبوس"، وبين مدرسة الحوليات التي مثلها مارك بلوك ولوسيان فيبر وفرناند بروديل. تُعد هذه المؤلفات آخر إشراقات "الحوليات" بحكم قدرتها الهائلة على تفكيك مفاهيم التأريخ، وأسلوب الكتابة، والحدث التاريخي، والذاكرة الجماعية، والمدة الطويلة، والفضاء، والفيلم السينمائي.

إعلان

وهي تجارب تستمد معارفها من الانفتاح العلمي الذي طبع علم التاريخ في نهاية القرن التاسع عشر، حين حاولت هذه الأسماء الاستفادة من الطفرة المعرفية لتحقيق تجديد يُذكر على مستوى الكتابة التاريخية وصناعتها.

أثر مدرسة "الحوليات" في البحث التاريخي العربي

لم تبقَ هذه المؤلفات حكرا على الثقافة الغربية، بل أثرت بقوة في البحث التاريخي العربي، حافزة المؤرخين إلى تجديد مفاهيمهم وأفكارهم ومواقفهم تجاه الكتابة التاريخية، وجعلتهم يدركون عمق الانفتاح على وثائق جديدة يكسرون عبرها "صنمية الوثيقة المادية" كما تبنتها المدرسة الوضعية.

قاد هذا الانفتاح المذهل المؤرخين العرب إلى كتابة أبحاث نوعية تستمد خصوصياتها من أرشيفات متنوعة ومستحدثة، مثل:

سجلات محاكم التفتيش، الكنانيش المخزنية، فتاوى الفقهاء، السينما، الصور الفوتوغرافية، واللوحات الفنية.

وهي وثائق طالما اعتبرها الوضعيون لا تليق بخدمة الكتابة التاريخية، بينما أثبتت "الحوليات" نجاعة هذا الانفتاح الذي حول البحث التاريخي من كونه كتابة نسقية تستند إلى الوصف والحكي إلى البحث عن تاريخ إشكالي ينقب في مفهوم البنية وليس السطح.

في مقابل هذا التراث الغربي، نجد العديد من الأكاديميين والمؤرخين في العالم العربي ممن جعلوا مسارهم البحثي أفقا للتفكير في مفهوم التاريخ ومناهجه ومدارسه وأساليبه، مثل المغربي محمد حبيدة واللبناني وجيه كوثراني على سبيل المثال لا الحصر.

سعى كل من حبيدة وكوثراني في كتاباتهما إلى مقاربة براديغم التاريخ وتوسيع أفقه عبر تبني تفكير حداثي يعيد الاعتبار لمدرسة الحوليات (التي تأسست عام 1929)؛ نظراً لما حققته من ثورة منهجية عبر فتح التاريخ على العلوم الاجتماعية، وتحويل اهتمام المؤرخ من التركيز السردي على الأحداث السياسية والحروب والطبقة الحاكمة، إلى تاريخ إشكالي يحفر في البنية العميقة.

ففي حين يختفي وهج الأحداث التاريخية العابرة بمجرد ظهور أحداث أخرى، تظل "البنية" راكدة ومستقرة، وهو ما جعل المؤرخين يفطنون إلى أهمية هذا النزوع الفكري في اجتراح أفق فكري جديد على مستوى التأريخ.

كتاب «كيف نفهم التاريخ؟».. تفكيك السردية واستعادة التجربة

يندرج كتاب «كيف نفهم التاريخ؟: مشارب وتجارب» (الصادر حديثا عن دار "باب الحكمة") ضمن سياق هذه المؤلفات العربية التي حرصت على تأمل جوهر البحث التاريخي ومحاولة فهم طرق تشكله في الزمن المعاصر.

يغوص الكتاب عميقا في مفاهيم وتيارات ومدارس ونزعات ومواقف وأساليب لأهم المؤرخين في القرن العشرين، مبرزا علاقة التاريخ بالعلوم الأخرى. والمؤلف الذي أشرف عليه كل من الطيب بياض ومحمد حبيدة وشاركت فيه كوكبة من الأكاديميين المغاربة، لم يتعامل مع المادة المصدرية بطريقة تعليمية تلقينية، بل طرح العديد من القضايا والإشكالات ذات الصلة بالكتابة التاريخية المعاصرة.

يقدم الكتاب خلاصة فكرية حول أهم تجارب البحث التاريخي العالمي والمشاغل الفكرية التي طبعت سيرة العديد من المؤرخين؛ وهي تجارب لم تكن عابرة، بل تركت أثرا كبيرا في بنية المشروع الفكري للتاريخ.

من هنا، فإن استعادة هذه التجارب لا تدخل ضمن باب "النوستالجيا المعرفية" المهووسة باستعراض المعرفة؛ أولا لأن عنصر الاستعادة يتيح امتحان الطريقة التي يُكتب بها التاريخ اليوم في العالم العربي، ويمنع إعادة إنتاج التقليد عبر التركيز على الأحداث السياسية والوقائع الاجتماعية التي تم تجاوزها في البحث المعاصر لصالح الطرح الإشكالي.

إعلان

وثانيا، فإن إصدار كتاب جديد في هذه المرحلة ينقب في مباهج المعرفة التاريخية ويعيد مساءلة المفاهيم والمدارس، يلعب دورا بارزا في إعادة الاعتبار للبحث التاريخي، والتعامل معه بوصفه نسقا معرفيا يزود القارئ بآليات (ميكانيزمات) الكتابة التاريخية في علاقتها بالحدث، والواقع، والذاكرة، والوثيقة، والأرشيف؛ وهي عناصر بالغة الأهمية تَحكم سيطرتها على الحاضر لمركزيتها داخل الخطاب اليومي للفرد العربي.

ليس التاريخ ما تقدمه لنا المراجع والمصادر ولا ما تكشفه لنا الوثائق المتراكمة في الأرشيفات الأجنبية، بل ما نتنفسه في الحاضر وما نتخيله في المستقبل

بهذا المعنى، يأتي التاريخ ضمن الرؤية البروديلية (نسبة إلى فرناند بروديل) وفق آلية جدلية تستوعب مدارات الماضي والحاضر والمستقبل. وهي مقاربة فكرية تركيبية عميقة الأثر؛ إذ عن طريقها غيّر صاحب كتاب «حركية الرأسمالية» مفهوم التاريخ الكوني، ونزع عنه قداسة الماضي ليقحمه في حرارة الواقع وعنفوان المستقبل.

حرص بروديل في كل ما كتبه على تبني مفهوم «المدة الطويلة» (Longue durée) الذي يدرس "الحدث" ويتتبع امتداده في بنية الزمن الممتد وليس في اللحظة الراهنة لوقوعه. أحدثت هذه الفكرة تغيرا واضحا في مسار الكتابة التاريخية، ودفعت العديد من الباحثين إلى الاحتذاء بسيرة بروديل ونزوعه العلمي المجدد الذي تبلور داخل أدبيات «التاريخ الجديد».

قضايا منهجية وجغرافيات إبستمولوجية

يشمل كتاب «كيف نفهم التاريخ؟» قسمين رئيسيين يكمل أحدهما الآخر:

القسم الأول: قضايا ومجالات المباحث الجديدة يعنى هذا القسم بمجموعة من القضايا المرتبطة بالتاريخ في علاقته بمجالات ومباحث جديدة، مثل: الصحافة، الاقتصاد، المجتمع، المقاولة، الأسرة، النساء، كرة القدم، البروسوبوغرافيا (Prosopography)، البيوغرافيا ، الأنثروبولوجيا، العقليات، الذاكرة، الفلسفة، والتأويل. وهي مفاهيم باتت بمثابة مباحث تفتح للمؤرخ آفاقا للخروج من ربقة التاريخ السياسي-الحدثي الضيق.

لم يكن من الممكن التفكير في هذه المجالات في خضم الانشغال الوضعي بالوثيقة المكتوبة الصارمة. لذا، فإن الدور الكبير الذي لعبته "الحوليات" مع مارك بلوك ولوسيان فيبر ساهم بقوة في إبراز ملامح كتابة تاريخية أكثر انفتاحا على السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا.

دفع ذلك المؤرخ إلى الاجتهاد في البحث عن أرشيفات جديدة والخروج من "قهر الوثائق الكلاسيكية" التي طالما أعاقت عمله وجعلته يكرر المعارف؛ وبدلاً من الاقتصار على السرد الذي يحول التاريخ إلى مجرد حكاية، أصبح المنشغل بالتاريخ يفكك الإشكالات ويكتب وفق إطار علمي يحفر في البنية.

القسم الثاني.. جغرافيات وتجارب عالمية

يتوقف القسم الثاني عند أهم تجارب البحث التاريخي في العالم التي تتماشى فكريا مع قضايا القسم الأول. ومن هذه التجارب نذكر:

فرانسوا فوريه، باتريك بوشرون، جون بوفييه، جون هيفر، نويل جورج بوتلين، ميشال فوفيل (Michel Vovelle)، ألفريد فال، جون لاكوتير، جاك لوغوف، بيار نورا، وبول ريكور.

نجحت الأقلام المشاركة في الكتاب – وهي في أغلبها أكاديمية تدرس التاريخ والحضارة في الجامعات المغربية – في تقديم جغرافيات متنوعة للبحث التاريخي، ساهمت في تحديث الفكر التاريخي ووضعه في صلب الحداثة الفكرية.

البعد الأدبي في صياغة النص التاريخي

يرتكز الكتاب بشكل خفي على منح البعد الأدبي خاصية ملازمة للكتابة التاريخية، مسهما في إعادة الاعتبار للرأسمال الأدبي داخل صناعة التاريخ. فالأدب يُعد مصدرا أساسيا من مصادر التأريخ للتاريخ الإسلامي بعد القرآن الكريم، والسنة النبوية، والمسكوكات (علم النقود)، والكتابات المنقوشة؛ نظراً لمركزيته في الثقافة العربية الإسلامية وقدرته على عكس الرجات السياسية والتحولات الاجتماعية.

ومن ثم، كان صعبا على المؤرخ أن يظل بمنأى عن الأدب. فإذا عدنا إلى أمهات الكتب التاريخية، مثل:

إعلان

«المقدمة» لابن خلدون، «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري، «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» للشريف الإدريسي.

سنعثر على خلطة سردية أدبية في متون هذه الأعمال. فالأدب لغة مبتكرة لا يمكن للتاريخ إلا أن يتأثر بها، وتستحيل محايدتها بسبب حساسيتها الجمالية وقدرتها على اختراق الخطاب الإنساني.

أدرك الطيب بياض ومحمد حبيدة قيمة الأدب في كتابة التاريخ، وسعيا إلى تفكيك الطرح الذي يرى التاريخ المعاصر شكلا من أشكال الأدب. فالإقناع والقبض على المعنى في وصف الوقائع يتطلبان صياغة تعبيرية راقية. وكما يرى المؤرخ المغربي عبد الله العروي، فإن التاريخ في مفهومه القديم ليس إلا:

حكاية في ذهن من يروي تلك الحكاية

وإلى وقت قريب، كان من الصعب على المؤرخ الاقتراب من الأدب؛ إذ اتسمت لغة بعض المؤرخين المغاربة بجفاف معرفي يحول اللغة إلى ما يشبه الهيروغليفية، مما جعل القارئ يمتعض من مؤلفات التاريخ لصرامتها المفرطة التي تجعل المؤرخ يبدو كقاض لا تهمه جماليات التعبير بقدر ما يترصد إصدار الأحكام والقوانين.

يُعد الطيب بياض ومحمد حبيدة من الأكاديميين الذين فتحوا التاريخ على الأدب وآمنوا بقيمته في تغذية الرأسمال الرمزي للمؤرخ. فلا غرابة أن يطالعنا محمد حبيدة برواية «عشتُ ثلاثمئة سنة» (عام 2024)، وهي نص روائي يهجس بالتاريخ مع الحفاظ على التخييل بوصفه هوية للنص الأدبي.

أما الطيب بياض، فيُعتبر من الأسماء القليلة التي تكتب المعرفة التاريخية بلغة أدبية رفيعة تقتحم الخطاب التاريخي دون الإخلال بحرارة الحدث أو أمانة الوثيقة والمصادر.

الفكر الحداثي بين البحث والمعرفة

عند قراءة كتب التاريخ، يُميز عادة بين "البحث التاريخي" و"المعرفة التاريخية"؛ فالأول عبارة عن حفر في الوثائق والأرشيفات المادية واللامادية، وكتابة استشكالية تعيد قراءة المعطيات لاكتشاف المجال.

حين كتب عبد الله العروي كتابه المرجعي «مجمل تاريخ المغرب»، لم يكن يهمه التجميع المعرفي السطحي، بل سعى لكتابة تاريخ المغرب عبر منهج جديد يعيد الاعتبار للتأمل على حساب السرد. وكانت النتيجة تقديم بحث أصيل ومجدد في تاريخ المنطقة بفضل النظرة المختلفة التي أسبغها صاحب «مفهوم التاريخ» على مؤلفه.

أما الشق الثاني (المعرفة التاريخية)، فيرتكز على تقديم الشروح والمعارف وتطوير المفاهيم وفق قالب تعليمي يسهل استيعابه. وبالرغم من هذا الهاجس التعليمي، لا يمكن نفي الأهمية عن هذه الأعمال؛ لأنها تبسط المعارف بأسلوب سلس يعكس مكانة المؤرخ وإبحاره في الفكر البشري.

فطن العروي في مصنفه إلى قيمة الطرح الإشكالي، متحاشيا النمط السردي والتراتبية الكرونولوجية الجافة التي تتعامل مع التاريخ كقصة. لقد مسح العروي الطاولة من مفاهيم ونظريات عرقلت تطور الفكر التاريخي العربي، متعاملاً مع التاريخ وفق آلية تركيبية تتأمل التحولات الاقتصادية، والديمغرافية، وتاريخ الأفكار، والبنيات الذهنية المتراكمة في ذاكرة المغرب.

المصدر: الجزيرة

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink