Categories
من النكبة إلى ما بعد "الطوفان".. إسرائيل تواصل استهداف مسيحيي فلسطين
من النكبة إلى ما بعد "الطوفان".. إسرائيل تواصل استهداف مسيحيي فلسطين
استمعاستمع (13 دقيقة)حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylinkplay videoplay videoمدة الفيديو 04 دقيقة 05 ثانية play-arrow04:05علا محمدPublished On 22/6/202622/6/2026رام الله- بجذور إيطالية وهوية فلسطينية راسخة، يقف الأب عبد الله يوليو اليوم كصوت وطني عابر للتقسيمات الطائفية والجغرافية.
بعد مسيرة طويلة تنقل فيها بين كنائس فلسطين، يقول يوليو الذي يرى في القضية الفلسطينية بوصلته الروحية والوجودية "فلسطين بالنسبة لي هي الحلم الذي نسعى لتحقيقه. كنيستي لم تعد محدودة بمكان، بل هي كل الشوارع وكل الشعب".
ولا يفصل الأب يوليو بين تاريخه الشخصي وتاريخ بلاده، يستعيد كيف استقبل النصارى العرب الدعوة الإسلامية في دمشق وبغداد والقدس، وكيف وقف المسيحي إلى جانب المسلم في معركة مؤتة، ثم في مواجهة الحملات الصليبية، وصولاً إلى الثورة العربية الكبرى. يقول: "المسيحيون الموجودون اليوم في فلسطين هم ورثة هؤلاء العرب النصارى. كنيستنا تنطق وتصلي بالعربية، وتتعلم وتحلم بالعربية".
لكن هذا الانتماء العميق لا يحمي اليوم من استهداف يصفه يوليو بأنه أكبر من "احتلال" عابر، بل "مشروع" يسعى لتفتيت المنطقة عبر إثارة الفتن الطائفية، ودفع المسيحي إلى الشعور بأنه "ابن أقلية مضطهدة" في وطنه، تمهيدا لتهجيره. ويتحدث يوليو للجزيرة نت عن اعتداءات المستوطنين المتكررة، وعن سياسات عزل اجتماعي ناعمة تفرّق المسيحي عن جاره المسلم عبر مدارس وأحياء وأندية منفصلة طائفيا.
ويستحضر في حديثه ثمن الكلمة في تاريخ الكنيسة المحلية، فيتوقف عند اسم المطران هيلاريون كبوتشي تحديدا، الذي اعتقلته إسرائيل وزجّت به في السجن ثم النفي بسبب دفاعه عن قضية شعبه: "أذكر المطران كبوتشي -رحمه الله- الذي دافع عن شعبه ودفع الثمن بالسجن والمنفى".
وفي السياق ذاته يستذكر أيضا اسم الصحفية الشهيدة شيرين أبو عاقلة، "إنها من كنيستنا وكانت نشيطة، ولم أسأل يوما إن كانت مسيحية أم لا؟ لأنها ابنة القدس وابنة القضية"، في إشارة إلى أن الانتماء الوطني يسبق عنده أي تصنيف طائفي.
إعلانولا يخفي الأب يوليو الذي يشغل منصب مستشار في ديوان الرئاسة الفلسطينية، أن كنيسته المحلية ذاتها تعيش انقساما في الخطاب، بين كنائس "إدارتها فلسطينية عربية" وأخرى "إدارتها أجنبية بخطاب مختلف". ويرى أن واجبه الديني يتجاوز حدود طائفته "من واجبي أن أحمي الأقصى كما هو واجب المسلم أن يحمي كنيسة القيامة. نحن لسنا أسرى طائفة أو مذهب، لأن الله رب العالمين".
ويستعيد كذلك كيف تهجّر المسيحي والمسلم معا عام 1948، وتشتتوا في لبنان وغيره، حيث حاول البعض أحيانا فصل المسيحيين في مخيمات خاصة بهم مثل "مخيم ضبية" في لبنان، بينما ظلت بقية المخيمات خليطا، ويختم: "نحن أبناء هذا الشعب، ولا بد من دفع الثمن من أجل البقاء والوحدة".
الاعتداءات تطال الأرض والوجود
ويرى رئيس مركز القدس الدولي ومؤسس الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات، حسن خاطر، أن الاعتداءات على المقدسات المسيحية تخضع للمنهج استهداف نظيرتها الإسلامية ذاته، فهو "استهداف للشعب الفلسطيني بمسلميه ومسيحييه".
ويقول للجزيرة نت إن جزءا كبيرا من اعتداءات النكبة الأولى غير موثق أصلا، إذ طالت أكثر من 500 قرية مدمرة، لكن الاعتداءات المسجلة بعد عام 1948 تتجاوز 110 إلى 120 اعتداء موثقا، بين حرق كنائس وسطو على أديرة وسرقة جواهر دينية ونهب محتويات.
غير أن الأخطر، كما يصفه خاطر، هو مصادرة ممتلكات الكنائس وأراضيها الواسعة، عبر عمليات احتيال وتزوير طالت كنائس من بينها الأرثوذكسية التي قد تتجاوز أراضيها في فلسطين 80 ألف دونم (الدونم= 1000 متر مربع)، "ما زال هناك علامات استفهام كبيرة" حول مصيرها.
ويفصّل خاطر آلية المصادرة هذه بقوله إن الكنائس "لديها مساحات كبيرة من الأراضي، وعقارات، وأملاك وقفية خاصة فيها"، وإن "إسرائيل احتالت عليها وصادرت الكثير منها وما زال يصادر إلى اليوم"، عبر "صفقات" و"عمليات تزوير" طالت الكنيسة الأرثوذكسية في القدس تحديدا في السنوات الماضية.
وأقر بأن الغموض ما زال يلف مصير هذه الأملاك حتى داخل الصف المسيحي نفسه: "حتى عند إخواننا المسيحيين ليس هناك جواب واحد في هذه المسألة"، مضيفا "نُهبت الكثير من الأملاك الكنسية الموجودة في الأراضي الفلسطينية".
ويربط خاطر مباشرة بين هذا النهب الممنهج للأرض وبين التهجير الفعلي للسكان، معتبراً أن الحديث عن مبانٍ كنسية فارغة لا قيمة له ما دام أصحابها قد رحلوا، متسائلا "ما فائدة الحديث عن مبانٍ موجودة فارغة لا قيمة لها ولا حضور فيها أساسا؟".
وهذا التضييق الإسرائيلي المستمر هو "سياسة ممنهجة أدت إلى تهجير معظم المسيحيين في فلسطين" حسب خاطر، ويربط ذلك مباشرة بالتراجع الديموغرافي قائلا: "إذا كان المسيحيون قبل عام 1948 يصلون من 11 إلى 14%، فاليوم لا يتجاوز عددهم 1%، وربما أقل"، مؤكدا أن بقاء الحجر دون أصحابه هو في جوهره "من أكبر أشكال العدوان على الوجود المسيحي في فلسطين".
ويعتبر خاطر أن الاعتداءات اليومية على رجال الدين المسيحيين، من البصق ورشق البيض إلى الضرب في شوارع القدس، أصبحت من فرط تكرارها لا تُحسب أصلا ضمن قوائم التوثيق، إلى جانب إغلاق كنيسة القيامة ومنع الاحتفال بأحد الشعانين في مناسبات متكررة.
إعلانويخلص إلى أن هذه الاعتداءات لم تعد "ردود فعل لمنظمات متطرفة، بل سياسات منظمة لدولة الاحتلال" التي تعرّف نفسها رسميا بأنها "دولة يهودية"، لا حق فيها للمسلم أو المسيحي.
تنوع الاعتداءات والهدف واحد
ومن موقعه عضوا في اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين، يضع عمر عوض الله ما يجري في إطار أوسع: محاولة إسرائيلية لتحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني ما بين اليهود والمسلمين. ويقول للجزيرة نت "نحن الحجارة الحية للأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني".
ويوضح أن المسلم والمسيحي يتأذيان معا من سياسات الاحتلال، وإسرائيل ركزت بشكل كبير سياسات الضغط من أجل تهجير المسيحيين، في إطار مشروع عنوانه الأكبر إما الإبادة أو التهجير القسري. ويضرب مثالا بأرقام مرعبة: "إذا تم تهجير 100 ألف مسيحي من أصل 200 ألف، فهذه نسبة ضخمة جدا وتشكل فارقا".
وأبرز الاعتداءات التي وثقتها اللجنة، بحسب عوض الله، تبدأ من:
- استهداف الأشخاص؛ نساء وراهبات يُستهدفن بسبب لباسهن.
- ممارسة "البصق" المتكررة على رجال ونساء مسيحيين في شوارع القدس.
- التغوّل على الأرض في القدس وبيت لحم وبيت جالا والطيبة، وصولاً إلى مصادرتها مثل محاولات السيطرة على أراضٍ تابعة لبطريركية الروم الأرثوذكس في بلدة سلوان.
- التعرض للكنائس مباشرة، حرقا وتكسيرا للصلبان، فيما بدأت "أكبر جرائم إسرائيل في استهداف المستشفى المعمداني" في قطاع غزة
وعن جهود مواجهة هذا الاستهداف، يوضح عوض الله أن مهمة اللجنة الرئاسية العليا الأساسية هي "حماية الوجود المسيحي في فلسطين، ومن ثم في الشرق"، لأن المنطقة "متجانسة وهناك إرث تاريخي مشترك"، وذلك عبر "دعم المؤسسات المسيحية، ودعم أبناء شعبنا للبقاء"، وإيجاد "مشاريع خاصة" في التعليم والصحة والسكن، إلى جانب السعي لإقرار "قوانين تحميهم وتحمي ممتلكاتهم".
ويشير إلى أن اللجنة، برئاسة الدكتور رمزي خوري، تعقد اجتماعات دورية مع "مؤسسات دولية تعنى بشؤون الكنائس في العالم"، وتنظم جولات خارجية لشرح واقع المسيحيين الفلسطينيين، لافتا إلى أن بعض الدول "تصبح أكثر إنصاتا عندما نقول إن المسيحي يُضطهد ويُقتل ويُعتقل وبيته يُهدم والجدار يسرق أرضه".
ويكشف عوض الله عن معركة موازية تخوضها اللجنة الرئاسية على المستوى الفكري، لمواجهة ما يسميه "المسيحية الصهيونية"، وهو تيار يرى أنه "جاء ليغير حتى الديانة المسيحية"، مؤكدا أن هذا التيار "لا ربط له بالدين المسيحي أو ما جاء به سيدنا عيسى عليه السلام".
ويختم مشددا على أن القضية تُطرح دوليا من منظور وحدة المصير بين المسلم والمسيحي، لا بصفتها قضية طائفية منفصلة، حتى "تبقى هذه القضية على الأجندة الدولية والمحلية الفلسطينية".
عشية النكبة الفلسطينية عام 1948، كان عدد المسيحيين في فلسطين التاريخية يقارب 145 ألف نسمة، أي نحو 7.6% من مجموع السكان البالغ حينها نحو 1.9 مليون نسمة، وفق تقديرات ديموغرافية لما قبل قيام الاحتلال.
أما اليوم، فوفق التعداد العام للسكان الذي أجراه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عام 2017، لا يتجاوز عدد المسيحيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة مجتمعة 47 ألف نسمة، أي نحو 1% فقط من سكان الأراضي الفلسطينية، بعدما كانت نسبتهم تقدر بنحو 8% عام 1946.
ووفقا لتقديرات اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين، فإن عددهم اليوم يصل إلى 50 ألف نسمة في الضفة والقدس وحدهما، يتركز أغلبهم في محافظة بيت لحم (22-25 ألفا)، ويليها رام الله والبيرة (نحو 10 آلاف)، ثم القدس الشرقية (8-10 آلاف)، فيما لم يتجاوز عددهم في قطاع غزة بضعة آلاف قبل حرب الإبادة الأخيرة، وتراجع أكثر مع استمرارها.
إعلانومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وثّقت بطريركية اللاتين في القدس ومؤسسات كنسية محلية سلسلة اعتداءات طالت كنائس غزة الثلاث جميعها:
- الكنيسة المعمدانية الملاصقة لمستشفى المعمداني الذي قصفته إسرائيل بعد أيام من حرب الإبادة، وخلّف مئات القتلى والجرحى وفق السلطات الصحية في غزة، فيما نفى الجيش الإسرائيلي مسؤوليته عن الانفجار.
- كنيسة القديس برفيريوس الأرثوذكسية التي قُتل نحو 18 من المحتمين بها في الشهر نفسه.
- كنيسة العائلة المقدسة اللاتينية التي قتل قناص إسرائيلي بداخلها أما وابنتها في 16 ديسمبر/كانون الأول 2023، قبل أن تتعرض مجددا في 17 يوليو/تموز 2024 لقصف بدبابة أسفر عن مقتل 3 مدنيين وإصابة نحو 14 آخرين، بينهم كاهن الرعية، وأعلن الجيش الإسرائيلي حينها فتح تحقيق في الحادثة.
وفي الضفة الغربية، سجلت اللجنة الرئاسية العشرات من اعتداءات المستوطنين على كنائس وأديرة ومقابر مسيحية في بيت لحم وبيت جالا والطيبة، بالتوازي مع استمرار محاولات الاستيلاء على أراضٍ كنسية في القدس، أبرزها في حي سلوان.