Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicJul 20, 2026👁 0 views

لماذا لا تستهدف أمريكا طهران ولا تقصف إيران الأسطول الأمريكي القريب؟

لماذا لا تستهدف أمريكا طهران ولا تقصف إيران الأسطول الأمريكي القريب؟

استمعاستمع (14 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylinkplay videoplay videoمدة الفيديو 05 دقيقة 42 ثانية play-arrow05:42أحمد حافظPublished On 20/7/202620/7/2026

حين اندلعت الحرب في فبراير/شباط الماضي بين الولايات المتحدة وإيران لم تكن طهران مستثناة من مسرح الأهداف وطالتها الضربات مباشرة، حتى أنه استهدفت المرشد الأعلى علي خامنئي في غارة إسرائيلية أمريكية، قبل أن تُطوى تلك الجولة بعد 40 يوما من القتال الشامل بمذكرة تفاهم وُقّعت إلكترونيا بين البلدين.

غير أن ذلك الهدوء لم يصمد طويلا؛ فما إن اتُّهم الطرفان بخرق بنود المذكرة عقب هجمات استهدفت سفنا تجارية في مضيق هرمز منتصف يوليو/تموز الجاري، حتى أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن المذكرة "انتهت". وسرعان ما عاد الطيران الأمريكي إلى سماء إيران، وعادت الصواريخ الإيرانية إلى القواعد الأمريكية في الضفة الأخرى من الخليج والأردن.

لكن المتأمل في الجولة الحالية من التصعيد يقف على مفارقة أساسية؛ فبينما توسعت الضربات الأمريكية لتطول مئات المواقع داخل الأراضي الإيرانية، ظلت طهران خارج دائرة الاستهداف المباشر.

وحسب تقديرات لباحثين وأكاديميين تحدثوا للجزيرة نت، فإن تفسير هذه المفارقة يبدأ من الوقوف على أهداف واشنطن في الحالتين؛ ففي بداية الحرب كان الهدف يشمل إيران بأكملها، بسقف أقصاه إسقاط النظام أو دفعه إلى الاستسلام. أما في الجولة الحالية فتبدو الأهداف الأمريكية مختلفة تماما؛ إذ تنحصر في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية التي تهدد القواعد الأمريكية ومنشآت الطاقة في المنطقة، وكسر قبضة طهران على مضيق هرمز.

ولعل هذا ما يجعل ضرب العاصمة خطوة لا تخدم الأهداف الأمريكية الراهنة من الأساس، مما يفرض سؤالا: ما الحسابات الدقيقة التي رسمت هذا الخط الفاصل بين حرب اجتاحت العاصمة ذات مرة، وأخرى تتجنبها بإصرار؟

وفي المقابل، يثار تساؤل: لماذا تكتفي إيران باستهداف القواعد الأمريكية بالمنطقة بدل توجيه ضرباتها إلى الأسطول الأمريكي الرابض في المياه الدولية؟

من الحرب الشاملة لإستراتيجية التصعيد

يبدأ تفسير غياب طهران عن قوائم الأهداف الأمريكية في التصعيد الحالي من إعادة تعريف طبيعة المواجهة نفسها، لا من حساب القوة العسكرية وحدها؛ فما دامت واشنطن لا تستهدف العاصمة فإن ما يجري -حسب الكاتب والمحلل السياسي الإيراني رضا غبيشاوي- لا يُنظر إليه بوصفه "حربا" بالمعنى الكامل، بل سلسلة من الاشتباكات والضربات العسكرية المتقطعة؛ وهذا التصنيف تحديدا يعفي إدارة ترمب من ضغوط سياسية كبرى قد تُصوَّر باعتبارها إدارة تخوض حربا مكتملة الأركان، في حين تتحول الضربات -مع مرور الوقت- إلى أمر شبه اعتيادي لا يولّد ضغطا داخليا كافيا لوقفها.

إعلان

وهذا التوصيف يلتقي مع قراءة عسكرية يقدّمها خبير الشؤون السياسية والأمن البحري اللواء محمد عبد الواحد، الذي يربط غياب طهران عن الاستهداف الأمريكي بطبيعة الحرب نفسها، فهي "لم تبلغ بعدُ الحرب الشاملة بمفهومها العسكري التقليدي"، وبالتالي تخضع لقواعد اشتباك وخطوط حمراء صريحة والعاصمة طهران في قلب هذه الخطوط.

وحين تقترب الطائرات الأمريكية من محيط طهران، فإنها لا تفعل ذلك بنية إسقاطها، بل ضمن ما يوصف بـ"ضربات الاختبار" التي تقيس رد الفعل الإيراني، وتثير أسئلة من قبيل: هل سترد طهران؟ وما طبيعة هذا الرد؟ وهل لا تزال تملك القدرة على تنفيذ ردها؟

أما الأكاديمي والخبير في سياسة الشرق الأوسط الدكتور محجوب الزويري فيضيف إلى هذا المشهد بُعدا آخر؛ إذ إن التدرج في التصعيد ليس سلوكا أمريكيا منفردا، بل عقيدة يتبادلها الطرفان بمعادلة شبه حسابية، و"كل هدف عسكري سيقابله هدف عسكري، وكل هدف حيوي سيقابله هدف حيوي".

ولعل هذا ما تجسّد حين بررت طهران هجماتها على محطات تحلية المياه والكهرباء في الكويت باعتبارها ردا مباشرا على استهداف محطات تحلية قرب بندر عباس.

المعركة الحقيقية حول هرمز

ويحدد غبيشاوي أهداف واشنطن الحالية في 3 محاور متكاملة تفسر مجتمعة تركز النيران على جنوب إيران دون سواه:

  • انتزاع السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز.
  • منع طهران من تنفيذ هجمات صاروخية ضد القواعد الأمريكية ومنشآت الطاقة في الدول العربية بالمنطقة.
  • منع إيران من استهداف السفن التجارية والعسكرية في مياه المضيق وبحر عُمان.

ويذهب الباحث الإيراني نفسه -في تصريحاته للجزيرة نت- إلى أن تحقيق هذه المحاور الثلاثة يستوجب تركيز العمليات العسكرية على المناطق الجنوبية من إيران حصرا، وبعيدا عن العاصمة.

وهذه الرؤية تقترب كثيرا مما يقدمه الزويري، الذي يشير إلى أن التصعيد الأمريكي -الذي بلغ نحو 120 هدفا في نحو 11 موجة هجومية – تركز على أهداف بحرية ومواقع عسكرية برية وطرق مواصلات تُستخدم لإمداد الموانئ الجنوبية، في حين ضُربت تبريز مرة واحدة فقط في ظروف يكتنفها الغموض، ولم تُسجَّل أي ضربات فعلية أبعد من الجنوب الإيراني.

أما اللواء عبد الواحد -في حديثه للجزيرة نت- فيفصّل الآلية العملياتية لهذا الاستهداف بوصفها طبقات متتالية:

  • بدأت بضرب "الطبقة الساحلية الأولى" المتمثلة في الرادارات ومنصات الصواريخ ومصانع ومخازن الألغام وحتى الأرصفة التجارية التي تدر عائدات على الحرس الثوري، والهدف إفقاد إيران "الرؤية" والتحكم في المضيق.
  • ثم انتقلت إلى "الطبقة الثانية" الداخلية المحاذية للساحل لعزلها عن أي دعم لوجيستي، وهو ما اضطر إيران -حسب مراقبة أمريكية لصيقة- إلى سحب معداتها وتغيير مواقع تسليحها نحو الداخل.

ويمنح خبير الأمن البحري هذا الحرص الأمريكي على المضيق بعدا جيوسياسيا يتجاوز الملف الإيراني نفسه، إذ إن مضيق هرمز يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، أي ما يقارب 20 مليون برميل يوميا، مما يجعل السيطرة عليه رهانا يخدم النفوذ الأمريكي أمام الصين وروسيا، ويضمن حرية حركة الأسطول الخامس المتمركز في البحرين.

إعلان

وتوسّع هذا الاستهداف لاحقا، وفق عبد الواحد، ليبلغ الحدود الإيرانية العراقية ومسارات إطلاق الصواريخ والمسيّرات، ومناطق تهريب السلاح إلى حلفاء إيران في العراق وسوريا وحزب الله في لبنان، إضافة إلى مناطق نفطية غنية تحمل بعدا اقتصاديا يستهدف حرمان طهران من موارد ضخمة، وحتى الحدود الإيرانية-الباكستانية الحساسة في بلوشستان.

ويذهب خبير الشؤون السياسية والأمن البحري إلى أن التصعيد الأمريكي الحالي لم يتجاهل تماما محيط العاصمة؛ إذ طالت الضربات مدنا محيطة بطهران نفسها، في رسالة تحمل بعدا نفسيا أكثر منه عسكريا، ويتمثل في تأكيد أن القوات الأمريكية قادرة -إذا شاءت- على الوصول إلى قيادات الحرس الثوري داخل العاصمة ذاتها، بما يبثّ حالة رعب بين المدنيين تؤثر على الروح المعنوية، من دون أن يعني ذلك تجاوزا فعليا للخط الأحمر.

حسابات ما بعد ضرب طهران

خلف هذا الحذر من اقتحام العاصمة يكمن بُعد سياسي أعمق يوضحه الباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والإستراتيجية علي الذهب، فالولايات المتحدة أعلنت صراحة أنها لا تسعى إلى إسقاط النظام الإيراني بالقوة المباشرة، بل ربما تفضّل الإبقاء على ملامح نظام بديل قادر على التفاهم معها، سواء عبر انقلاب سياسي داخلي أو صفقة تُضعف نفوذ الحرس الثوري ومنظومة ولاية الفقيه، تمهيدا لبروز صوت معارض يمكن التعاطي معه مستقبلا.

وهذا الطرح يتقاطع مباشرة مع ما يؤكده رضا غبيشاوي من أن سقف الأهداف الأمريكية هذه المرة لا يشمل إسقاط النظام أو دفعه إلى الاستسلام كما كانت الحال في الحرب السابقة، بل يقتصر على إضعاف قدراته العسكرية فحسب، وهو ما يفسر عدم حاجة واشنطن إلى استهداف طهران، ما دام ضربها لا يخدم هذا الأهداف الجديد من التصعيد.

الجغرافيا وثمن كل هدف

ومع كل قصف إيراني جديد على دول المنطقة، تقول طهران إنه رد على التصعيد الأمريكي الذي يخرج من القواعد الأمريكية بالمنطقة، وإنها ستمضي بالتصعيد إذا لم تتوقف الولايات المتحدة. وذلك في إشارة إلى رفع كلفة الحدب على المنطقة كلها.

لكن ذلك يصطدم بسؤال يطرحه علي الذهب: إذا كانت إيران راغبة في رفع الكلفة فلماذا تتجنب استهداف الأسطول الأمريكي بالمنطقة مباشرة رغم ما تملكه نظريا من قدرات صاروخية؟

ويعود الباحث نفسه ليجيب -في تصريحاته للجزيرة نت- بأن الأمر لا يتعلق بالضعف بقدر ما يتعلق بحسابات محكمة، حيث إن تدمير حاملة طائرات أمريكية سيمثل انتصارا رمزيا يهز صورة واشنطن وثقة العالم فيها، لكنه سيدفع التصعيد إلى مسار آخر، وتصبح المواجهة الثنائية إلى تحالف دولي واسع يقضي على النظام الإيراني بالكامل – وهو خيار يبدو النظام الإيراني حريصا على تفاديه حتى الآن.

وعلى الضفة الإيرانية، يصبح البعد الجغرافي منطقا للاستهداف، وحسب غبيشاوي فإنه بحكم البعد الجغرافي لا تستطيع إيران الوصول إلى الأراضي الأمريكية مباشرة، فترد بدلا من ذلك على القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة.

لكن خلف هذا المعطى العملياتي تكمن غاية إستراتيجية أعمق، والهدف أن تتحمل الدول المستضيفة للقواعد الأمريكية كلفة الحرب أيضا، وأن تدرك بقية دول المنطقة أن استضافة القوات الأمريكية لا تمنحها بالضرورة ميزة دفاعية، بل قد تجعلها مصدرا لعدم الاستقرار، على حد قوله.

ويصف علي الذهب القواعد الأمريكية بالمنطقة بالمنطق العسكري ذاته، فهي من منظور الاستهداف الإيراني أراض أمريكية تُضرب لأنها مصدر التهديد المباشر، وفق قاعدة بسيطة: "من يطلق النار يُتوقع أن يُرد عليه بالنار".

أما اللواء عبد الواحد فيذهب إلى تفكيك دوافع هذا الاستهداف من خلال رفع الكلفة على واشنطن وإحراجها بإظهار عجز قواعدها عن حماية نفسها، ومن ثم يثقل كاهل دول الخليج لتتحول إلى قوة ضغط على واشنطن لوقف الحرب.

إعلان

والأهم -حسب خبير الأمن البحري- أن استهداف دول الخليج يحمل رسالة ردع تؤكد أن مراكز القيادة والسيطرة الإيرانية لا تزال تعمل بكفاءة – كما ظهر في استهداف قاعدة تضم جنودا أمريكيين في الأردن- وتصب جميعها في هدف واحد: الدخول إلى أي مفاوضات مقبلة من موقع قوة لا من موقع ضعف.

الكلفة البشرية وثق الحرب على واشنطن

في مقابل هذا الحذر الإيراني من التصعيد الأقصى، تخوض واشنطن معركتها الخاصة على جبهة الداخل الأمريكي، وهي معركة يضعها الزويري في صميم قراءته لدوافع إيران.

فمنذ اندلاع المواجهات سقط 16 جنديا أمريكيا مع عدد من الجرحى خلال نحو 5 أشهر، وهذا الرقم يكتسب ثقلا مضاعفا في غياب أي وجود بري أمريكي واسع، مما يجعل كل خسارة أكثر وقعا على الرأي العام.

ويشير الزويري -في تصريحاته للجزيرة نت- إلى أن 70% من الأمريكيين لا يريدون استمرار الحرب ويرون أنها لا تخدم المصلحة الأمريكية، وهو ما يفسر -حسب تقديره- محاولة إيران المستمرة لرفع التكلفة على الرئيس الأمريكي تحديدا الذي بنى شعبيته على وعد بعدم توريط بلاده في حروب جديدة وعدم تكرار سقوط قتلى أمريكيين في الخارج.

وهنا نعود إلى نقطة البداية المتعلقة بالعاصمة طهران، حيث يكمل المحلل الإيراني غبيشاوي الصورة بأنه ما دامت طهران بعيدة عن النار، وما دامت الضربات المتبادلة تُوصف بـ"الاشتباكات" أو "المواجهات" ولا تسمى "الحرب"، فإن هذا الغموض في التصنيف يمنح إدارة ترامب هامشا سياسيا لاستيعاب الخسائر البشرية المتصاعدة دون أن تتحول إلى أزمة رأي عام حادة.

لكن هذا الهامش بدأ يتآكل تدريجيا حسب استطلاعات الرأي الأمريكية؛ إذ كشف استطلاع لشبكة "فوكس نيوز" عن أن 64% من الناخبين يبدون استياءهم من إدارة ترمب للملف الإيراني، وسط تراجع قياسي في شعبيته وتفكك تدريجي في تحالفه الانتخابي الذي أوصله إلى البيت الأبيض.

والخلاصة التي تكشف عنها قراءة المحللين للمشهد الحالي أن غياب طهران عن دائرة النار المباشرة ليس تراجعا أمريكيا عن حسم المواجهة، بل يمثل انعكاسا لتغيّر جوهري في سقف الأهداف مقارنة بحرب الـ40 يوما.

وفي المقابل، تختار إيران أن توزع فاتورة الحرب على قواعد الجوار بدل استفزاز الأسطول الأمريكي، حرصا على تفادي مصير قد يستدرج تحالفا دوليا يهدد بقاء النظام نفسه.

لكن هذا التوازن الدقيق يبقى هشا بطبيعته؛ فمذكرة التفاهم انهارت مرة، وقد تنهار مرة أخرى إذا فشلت الوساطات في احتواء الخلاف على إدارة المضيق.

المصدر: الجزيرة