Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicJun 17, 2026👁 0 views

من العثمانيين إلى الفرنسيين.. كيف تشكلت الطائفية السياسية في لبنان؟

play videoplay videoمدة الفيديو 51 دقيقة 05 ثانية play-arrow51:05برامج متفرقة

من العثمانيين إلى الفرنسيين.. كيف تشكلت الطائفية السياسية في لبنان؟

فكك أكاديميون في برنامج “محاولة فهم” جذور الطائفية اللبنانية، مرجعين إياها إلى نظام الملل العثماني والمصالح الاستعمارية.اقرأ المزيد

وأكدوا أن النظام الحالي بات معطلا ومستعصيا على التفكيك، داعين للاعتراف بالمخاوف المتبادلة والولوج إلى الطائفة كأرضية للحوار بدلا من استنساخ النماذج الغربية.

تناولت حلقة الأربعاء (2026/6/17 ) من برنامج "محاولة فهم" على الجزيرة جذور الطائفية في لبنان ومسار تشكلها منذ العهد العثماني والانتداب الفرنسي، وكيف تحولت من مكونات اجتماعية إلى نظام سياسي.

وناقش الضيوف أزمة الدولة، وصمود المحاصصة، وإمكانية بناء صيغة جديدة تتجاوز الانقسام الطائفي.

وأدار عثمان آي فرح نقاشا مطولا فكك فيه جذور الحالة الطائفية اللبنانية، متسائلا عن مدى انطباق نظرية عالم السياسة الهولندي "آرند ليبهارت" بشأن "الديمقراطية التوافقية" على الحالة اللبنانية، وهي النظرية التي ترى أن هذا النموذج ضروري لحفظ السلم الأهلي في المجتمعات شديدة الانقسام، لكن عيبه الأكبر يكمن في ميله البنيوي نحو الشلل والجمود السياسي.

استهلت الحلقة بتتبع الأصول الأولى للتشكل الطائفي في المشرق العربي؛ حيث أشار وسام سعادة، أستاذ الفكر السياسي في الجامعة اليسوعية ببيروت إلى أن الطائفية في لبنان وبلاد الشام هي المآل الذي خلصت إليه المنظومة التي عُرفت باسم "نظام الملل العثماني". وأوضح سعادة أن السلطنة العثمانية كانت مبنية على تقسيم هرمي بين الرعايا (مسلمين وغير مسلمين كتابيين)، وكانت تعترف بـ"الملّة" كـ"أمة" مستقلة بذاتها جغرافيا لإدارة أحوالها القضائية والشخصية، مثل ملة الروم، وملة الموارنة، وملة اليهود.

وبيّن سعادة أن هذه الملل في دول البلقان تحولت مع انتشار "رأسمالية الطباعة" وتفكك السلطنة إلى "قوميات وأمم كاملة" بفضل توفر الأطر الترابية واللغوية، بينما حصل في بلاد الشام وضع "بين بين"؛ فلم تتمكن ملل مثل الدروز والموارنة من التحول إلى قوميات كاملة، وظلت معلقة ومربوطة بمكونات ترابية محددة (كعلاقة الموارنة والدروز بجبل لبنان، أو الشيعة بجبل عامل).

من جانبه، طرح بشار اللقيس، أستاذ الاجتماع السياسي مرجعية أخرى لقراءة التحولات، معتبرا أن لحظة دخول نابليون بونابرت إلى المنطقة تمثل الصدام الحضاري بين الشرق والغرب، والتي تلاها دخول إبراهيم باشا إلى بلاد الشام وإدخال فكرة التحديث والدولة.

ورأى اللقيس أنه مع دخول مفهوم الدولة، توقفت الجماعات عن رؤية نفسها من منظور أيديولوجي ديني بحت، بل صارت ترى نفسها من خلال "الغنيمة والمكتسب" الذي يمكن تحصيله من السلطة الجديدة، مستنتجا أن "السؤال الطائفي هو سؤال الغنيمة وليس سؤال العقيدة".

وفي السياق التاريخي، أشار رشيد فايد، الكاتب والمحلل السياسي والإعلامي اللبناني إلى أن الانتماء للسلطنة العثمانية لم يكن محل نقاش تاريخيا لسبب ديني، باعتبارها وريثة الخلافة، غير أن مجازر الجبل والتدخلات الخارجية (الفرنسية والبريطانية والروسية والنمساوية) في القرن التاسع عشر عملت على تقسيم المنطقة وتحويلها إلى "أمم ودول مفككة" مما فرط تماسك المجتمعات بدلا من تعزيزه.

ثنائية الجبل وسرديات المظلومية والبطولة

اتفق ضيوف حلقة "محاولة فهم" على أن الانقسام الطائفي في لبنان تجذر بعمق إثر الحروب والصراعات الميدانية. وذكر بشار اللقيس أن الذاكرة اللبنانية والسرديات التاريخية ليست واحدة بين المكونات، مشيرا إلى أن ذاكرة المسيحيين والدروز لا تزال واقفة عند أحداث جبل لبنان عام 1860، والتي اعتبرها بمثابة "الجرح المفتوح الذي وُلد منه لبنان المتصرفية".

وفي تعقيبه على دور الكنيسة المارونية، فجّر وسام سعادة مفاجأة تاريخية بمقارنتها بالحركات القومية البلقانية، مستندا إلى المؤرخ كمال صليبي في أن الموارنة كانوا الجماعة الأكثر تنظيما في مؤتمر الصلح بفرساي عام 1919، حيث طالبوا بتوسيع حدود "لبنان الكبير" لضم أقضية سهلية (عكار والبقاع) لضمان غلبة ديموغرافية مسيحية مستقبلا من خلال الاستقرار والتبشير، إلا أن حساباتهم فشلت بسبب استمرار نزيف الهجرة المسيحية نحو الأمريكتين وفقدان الأغلبية لاحقا.

وأكد سعادة أن الموارنة هم أكثر طائفة في بلاد الشام استفادت تاريخيا من الحكم العثماني اقتصاديا وثقافيا، وأن تمددهم وقوتهم حدثت في ذلك العصر، وبالتالي لا يمكن اختصار علاقتهم بالدولة العثمانية في سنوات المجاعة الأربع الأخيرة فقط.

وعبر تتبع كيفية دخول بقية المكونات اللبنانية كفاعلين سياسيين في النظام الطائفي، أشار بشار اللقيس إلى أن "الشيعة هم آخر جماعة تطيفت في لبنان"، مرجعا ذلك إلى رهانات سياسية تاريخية سابقة ركزت على البعد العربي مثل تجربة السيد عبد الحسين شرف الدين ومؤتمر وادي الحجير والرهان على الملك فيصل ودولة دمشق، مما جعلهم لفترة طويلة خارج المؤسسة السياسية اللبنانية (الإيستابلشمنت)، بالإضافة إلى اللوعة التاريخية المتمثلة في القضاء على تجربة الشيخ ناصيف النصار في جبل عامل خلال القرن الثامن عشر، حتى انبعثت الهوية الطائفية السياسية للشيعة لاحقا مع تجربة السيد موسى الصدر.

أما عن المكون السني، فقال رشيد فايد إنهم كانوا متمسكين بالسلطنة العثمانية، ومع سقوطها مالوا نحو نظرية الدولة العربية الواحدة ورفضوا فكرة "لبنان الكبير" في البداية باعتباره اقتطاعا من سوريا.

وأضاف فايد أن ولادة لبنان عام 1943 قامت على "مقايضة تاريخية" صاغها جورج نقاش بمقولته الشهيرة "نفيان لا يصنعان أمة"؛ حيث تنازل السنة عن تطلعهم نحو دمشق، وتنازل المسيحيون عن طلب الحماية الفرنسية، لتتشكل أول حكومة استقلالية برئاسة رياض الصلح على أساس التوازنات الطائفية.

مأسسة الطائفية والبديل المدني

وفي قراءتهم لأسباب غياب "الدولة الوطنية المدنية" الحاضنة للمواطن بمعزل عن دينه، حمّل وسام سعادة المطالب الطائفية مسؤولية إجهاض المحاولات العلمانية الأولى.

وكشف سعادة أن الفرنسيين عندما صاغوا دستور عام 1926 لم يهدفوا لبناء دولة طائفية بالشكل الحالي؛ إذ انتُخب أول رئيس (شارل دباس) من الروم الأرثوذكس، وعندما شارف الشيخ محمد الجسر (المسلم السني) على الفوز بالرئاسة، قادت الكنيسة المارونية "ثورة مضادة" معتبرة أن رمز الدولة الأول يجب أن يكون مارونيا لحل "المسألة المارونية"، مما دفع المفوض السامي الفرنسي لتعطيل الدستور وطمس مشاريع القوانين المدنية للأحوال الشخصية تحت وطأة الضغوط الإثنو-دينية .

من جهته، تتبع بشار اللقيس كيفية مأسسة الطائفية عبر نصوص الدستور، لافتا إلى أن المادة 9 والمادة 10 من الدستور اللبناني شرعتا هذا النظام؛ حيث نصت المادة 10 على حرية التعليم ورعاية التعليم الخاص (الإرساليات الطائفية)، مما جعل الدولة تنشأ كمسألة طائفية تتسع وتضيق بحسب هيمنة الطوائف، معتبراً أن "الدولة في المنطقة العربية أُسقطت من أعلى ولم تنشأ كتاج لتفاعل اجتماعي طبيعي كما حدث في أوروبا".

وأبدى رشيد فايد تشاؤما كبيراً ويأسا من إمكانية قيام دولة مدنية ديمقراطية في لبنان، واصفا إياها بأنها "من رابع المستحيلات" بسبب تشابك المصالح العميقة بين ثلاثية: الطبقة السياسية، والطبقة الدينية، ورجال الأعمال.

طرح عثمان آي فرح تساؤلا حول قدرة الشعب على التغيير مستشهدا بشعار الحراك الشعبي عام 2019 "كلهم يعني كلهم".

وأجاب وسام سعادة بأن هذا الشعار رمزي واستعاري وليس قرارا سياسيا، معتبرا أن التعددية الثقافية والدينية اللبنانية تمتلك مخزونات تختلف في تصوراتها للكون والمعاش ولا يمكن وضعها في "الثلاجة" للنقاش الاقتصادي فقط.

ودعا سعادة إلى التخفف من أحكام القيمة السطحية الصادرة من خارج لبنان مثل وصف النظام بـ"الفساد"، موضحا أن الفساد في لبنان يمثل في جزء بنيوي منه "عملية إعادة توزيع للعطايا والمكتسبات على المحاسيب والجماعات"، وأنه حتى شعار "إلغاء الطائفية" جرى تطييفه وتعطيله تاريخيا عندما واجهه اليمين المسيحي بطرح "العلمنة الشاملة والزواج المدني" التي رفضها المسلمون.

وأرجع اللقيس ظهور المسألة الطائفية في المشرق كأصل بديل إلى الفراغ الإستراتيجي والمشاريع الوطنية الغائبة منذ أن قررت مصر إعراضها عن شرق المتوسط عقب اتفاقية كامب ديفيد، مما ترك الساحة لتيارات المنطقة العاصفة لتقاسم الولاءات بين المحاور الإقليمية والدولية.

وفي ختام الحلقة، قدم الضيوف رؤيتهم لكيفية الخروج من هذا النفق المظلم؛ حيث انتقد بشار اللقيس النخب الوطنية غير الطائفية، مؤكدا أن السياسي غير الطائفي يتحدث عن أمنيات، بينما السياسي الطائفي خاض تجربة عمرها 160 عاما وفاهم النص الطائفي ومخرجاته جيدا.

أما وسام سعادة، فقد دعا إلى الكف عن المقاربات الغربية والمركزية الأوروبية التي تنظر للطائفية كإشارة إلى البدائية وللمواطنة كدليل تقدم، مؤكدا أن هناك حداثات متعددة.

وطرح سعادة رؤية بديلة تقوم على الاعتراف بأن الانقسامات اللبنانية جدية وعميقة ولا بد من الانتقال من فكرة كيف نتخلص من الطائفة لبناء الدولة إلى فكرة كيف نلج إلى الطائفة كأرضية للحوار الصريح.

بينما أكد رشيد فايد على أن البلد يمكن إنقاذه بـ"قوننة" الأزمة ووضع ضوابط لها، عبر قوننة الحصص الطائفية باعتراف صريح وتطبيق صارم ومتساوٍ للقوانين؛ لأن الدولة هي اليتيم الوحيد في لبنان الذي ليس له من يرعاه، ولا بديل عن قوننة العدالة لمنع التشرذم المستمر.

Published On 18/6/202618/6/2026

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylinkالمصدر: الجزيرة