Categories
لبدة الكبرى تفتح طبقاتها من جديد.. ماذا يبحث علماء الآثار تحت أرض "روما أفريقيا"؟
لبدة الكبرى تفتح طبقاتها من جديد.. ماذا يبحث علماء الآثار تحت أرض "روما أفريقيا"؟
استمعاستمع (9 دقيقة)حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesطرابلس– قبل أكثر من قرن، كانت الضربات الأولى لمعاول علماء الآثار تكشف تباعا مدينة ظلت قرونا مدفونة تحت الرمال على الساحل الليبي. ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف "لبدة الكبرى" عن مفاجأة الباحثين، فكل موسم حفريات كان يضيف سطرا جديدا إلى تاريخ إحدى أكثر المدن الرومانية اكتمالا في العالم.
واليوم، وبين الأعمدة الرخامية التي صمدت لما يقارب ألفي عام، تعود الحفريات الميدانية من جديد إلى المدينة الأثرية، في مشهد يطوي سنوات من الجمود فرضته الحرب والاضطرابات الأمنية، ويعيد فتح ملف مدينة يؤكد علماء الآثار أنها لم تكشف بعدُ سوى عن جزء يسير من أسرارها.
اقرأ أيضا
list of 2 items- list 1 of 2كارثة جبل الناظور في تونس.. عندما تلتهم النيران أرشيف الطبيعة والذكريات (فيديو)
- list 2 of 2تجريف التاريخ لصالح العقارات.. تحقيق يكشف كواليس “التنقيب الاستثماري” في آثار العراق
تنقل الجزيرة نت تغطية ميدانية حصرية من موقع أعمال التنقيب داخل لبدة الكبرى توثق مراحل العمل الأثري للبعثة الفرنسية، إلى جانب تصريحات خاصة لرئيس البعثة الفرنسية ولأكاديمي ليبي متخصص في التاريخ القديم، تكشف أسباب استئناف الحفريات وما يبحث عنه المنقبون تحت مدينة لا تزال تخفي أجزاء واسعة من تاريخها.
"روما أفريقيا".. ذاكرة المتوسط والتراث المهدد
تقع لبدة الكبرى على الساحل الليبي بالقرب من مدينة الخمس، وكانت واحدة من أبرز مدن إقليم "تريبوليتانيا" القديم. تأسست في القرن السابع قبل الميلاد كمركز تجاري فينيقي، قبل أن تتحول خلال العهد الروماني إلى مدينة مزدهرة بلغت ذروة مجدها في عهد الإمبراطور سبتيميوس سيفيروس، أحد أبنائها الذين اعتلوا عرش روما.
ومع صعود سيفيروس إلى السلطة نهاية القرن الثاني الميلادي، شهدت المدينة برنامجا عمرانيا ضخما شمل بناء المنتدى الجديد، والبازيليكا، والميناء، والحمامات، والمدرج، والسيرك، لتصبح واحدة من أكثر المدن الرومانية ازدهارا خارج إيطاليا، وهو ما دفع الباحثين إلى وصفها بـ"روما أفريقيا".
ولا تكمن أهمية لبدة الكبرى في آثارها الرومانية فقط، بل في كونها سجلا مفتوحا لتطور مدينة متوسطية عبر قرون، إذ تكشف طبقاتها الأثرية عن مراحل تمتد من العصر الفينيقي مرورا بالروماني والبيزنطي وصولا إلى الفترة الإسلامية.
إعلانوفي عام 1982، أدرجت منظمة اليونسكو لبدة الكبرى ضمن قائمة التراث العالمي باعتبارها نموذجا استثنائيا للمدينة الرومانية المتكاملة، قبل أن تُدرج في عام 2016 ضمن قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر بسبب تداعيات الوضع الأمني في ليبيا. وتأتي لبدة الكبرى في صدارة 5 مواقع ليبية مدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، تشمل أيضا قورينا وصبراتة وآكام الفن الصخري في أكاكوس وغدامس القديمة، وهو إرث حضاري واسع يواجه تحديات حثيثة تتطلب خطط إدارة مستدامة وحماية من النهب والاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.
مسار العودة.. من أبولونيا إلى لبدة الكبرى
لا تمثل عودة البعثة الأثرية الفرنسية إلى لبدة الكبرى مجرد استئناف لموسم تنقيب جديد، بل تأتي ضمن مسار أوسع لاستعادة النشاط الأثري الدولي في ليبيا بعد سنوات من الانقطاع.
وقال الأستاذ البروفيسور فنسنت ميشيل، رئيس البعثة الأثرية الفرنسية في ليبيا، في تصريح خاص للجزيرة نت، إن عودة البعثة إلى لبدة الكبرى في عام 2026 لا تمثل بداية لشراكة جديدة، بل استمرار لعلاقة علمية وثقافية بدأت منذ تأسيس البعثة في عام 1976، مع التخطيط للعودة في أكتوبر/تشرين الأول لاستكمال أعمال التنقيب.
وأوضح ميشيل أن هذا الاستئناف يندرج ضمن خطة تدريجية لاستعادة النشاط الأثري بدأت في عام 2024 من أبولونيا مرورا بموقع إريثرون، لتصل إلى لبدة الكبرى في عام 2026، وتمتد لاحقا حتى عام 2027 نحو موقعي أبو تمسة ومدينة سرت ذات الأهمية خلال الفترة الإسلامية.
وأشار إلى أن التعاون بين الجانبين لم يتوقف خلال تعذر العمل الميداني بين عامي 2012 و2024، إذ واصلت البعثة برامج التدريب في فرنسا على علم الآثار الوقائي وصيانة الفسيفساء وإدارة المتاحف، مما أسهم في إعادة تأهيل المتحف الوطني بطرابلس. كما كشف عن أبحاث البعثة بالتوازي في إقليم قورينائية والتي أفضت إلى اكتشاف مسرح جديد في مدينة أبولونيا الأثرية، موضحا أنه يُشكل إضافة تفتح آفاقا جديدة أمام دراسة التنظيم الحضري والحياة العامة في العالم القديم.
الحمامات الشرقية.. لغز الحياة خارج الأسوار
تركز أعمال البعثة الحالية في لبدة الكبرى على الحمامات الشرقية، وهي المنطقة التي يرى ميشيل أنها تحمل المفتاح لفهم جانب مهم من تاريخ المدينة. وأوضح أن هذه المنشأة لا تمثل مجرد مبنى روماني، بل تقدم فرصة لدراسة تطور الحي الشرقي الواقع خارج أسوار المدينة، وعلاقته بالميناء القديم والأنشطة الاقتصادية المحيطة به.
وأكد ميشيل أن الدراسات الأولية تشير إلى أن لبدة الكبرى لم تشهد انهيارا سريعا بعد القرن الثالث الميلادي كما كان يُعتقد سابقا، بل مرت بمراحل من التحول وإعادة الاستخدام تكشف قدرتها على التكيف مع التحولات السياسية والاقتصادية، فقد شكلت الحمامات مراكز اجتماعية واقتصادية تجمع مختلف الفئات وتوفر نافذة لفهم الحياة اليومية.
أسرار ما تحت الرمال.. أجزاء مدفونة وامتداد ريفي
يؤكد الدكتور عمران الشريف، الأكاديمي المتخصص في التاريخ القديم والرئيس السابق لقسم الآثار الكلاسيكية والحفريات بكلية الآثار والسياحة، أن لبدة الكبرى لا تزال تضم مناطق واسعة لم تخضع للتنقيب العلمي بعد.
إعلانوقال للجزيرة نت إن أهمية الحفريات تكمن في تقديم أدلة مادية تعيد بناء تاريخ المدينة عبر فتراتها الفينيقية والرومانية والبيزنطية والإسلامية. وأوضح أن هناك مناطق عدة لا تزال بحاجة عاجلة للبحث، من بينها المنطقة المحيطة بقوس الإمبراطور تيبيريوس، حيث اكتُشف أحد الشوارع المرتبطة بالقوس، بينما لا يزال الشارع المقابل مدفونا، وسط ترجيحات بأن يكون القوس رباعي الاتجاهات على غرار قوس سبتيميوس سيفيروس، مؤكدا أن المدينة تخفي معابد وساحات ومساكن كاملة تحتاج لبعثات متخصصة وإمكانات ضخمة.
وأضاف الشريف أن المناطق الريفية المحيطة بالمدينة تمثل امتدادا عالي الأهمية للحضارة، مشيرا إلى أن تنقيبات جامعة المرقب في الأرياف المجاورة كشفت عن أرضيات فسيفسائية وأعمدة رخامية وعملات تعود لحُقب مختلفة. ولفت إلى أن حضور لبدة استمر حتى بعد انتهاء العصر الروماني، إذ أعيد استخدام أعمدتها والتيجان الرخامية في مبان ومساجد تاريخية لاحقة، مما يشهد على استمرار تأثير المدينة في الذاكرة العمرانية الليبية.
مدرسة ميدانية وحماية رقمية للماضي
يرى ميشيل أن مستقبل العمل الأثري في ليبيا يتطلب بناء قدرات محلية قادرة على حماية التراث، مشيرا إلى أن علم الآثار الحديث يعتمد على التدخل بأقل قدر ممكن باستخدام التوثيق الرقمي، والتصوير المساحي ثلاثي الأبعاد، والتحليلات العلمية. وكشف عن طموحه لإنشاء مدرسة ميدانية في لبدة الكبرى لتدريب علماء الآثار والفنيين الليبيين على تقنيات التنقيب والحفظ الحديثة.
وبينما تُزيل الفرق العلمية طبقات الرمال بحذر، تبدو لبدة الكبرى وكأنها تستعيد إيقاعها القديم، مدينة لا تزال تحتفظ تحت أرضها بشوارع ومبانٍ وقصص لم تُروَ بعد، وتذكّر بأن ثروة ليبيا لا تختزنها مواردها الطبيعية فقط، بل أيضا مدن صنعت جانبا من تاريخ الحضارات، ولا تزال قادرة على إعادة كتابة فصول جديدة من الذاكرة الإنسانية كلما عادت المجارف العلمية إلى العمل.
المصدر: الجزيرةمراسلو الجزيرةثقافة|أمكنة|ليبياشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylink