Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicJun 12, 2026👁 0 views

صيف بلا نوم.. عدن تطارد نسمة هواء وسط أزمة الكهرباء

صيف بلا نوم.. عدن تطارد نسمة هواء وسط أزمة الكهرباء

استمعاستمع (9 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylinkplay videoplay videoمدة الفيديو 01 دقيقة 35 ثانية play-arrow01:35سمير حسنPublished On 12/6/202612/6/2026|آخر تحديث: 18:09 (توقيت مكة)آخر تحديث: 18:09 (توقيت مكة)

عدن – مع اقتراب المساء في مديرية المعلا بمدينة عدن، العاصمة اليمنية المؤقتة، لم يكن بشار هاني يحمل طفله ليث إلى الخارج للتنزه، بل ليهرب به من غرفة تحولت، بعد ساعات طويلة من انقطاع الكهرباء، إلى مساحة خانقة لا تحتملها أجساد الصغار.

وقف الشاب الثلاثيني قرب باب منزله الخشبي، وطفله الصغير على ذراعه. في الداخل، كانت مروحة السقف متوقفة، والماء قد فقد برودته، والهاتف ينتظر فرصة قصيرة للشحن عند عودة الكهرباء.

بشار هاني مع طفله ليث أمام منزله في مديرية المعلا بعدن هربا من حر الغرف وانقطاع الكهرباء (الجزيرة)

في بيت بشار، كما في بيوت كثيرة في عدن، أصبح سؤال: متى تعود الكهرباء؟ سؤالا يوميا، فكل تفاصيل الحياة صارت معلقة بساعتين فقط من التيار؛ تشغيل المروحة، تبريد الماء، شحن الهاتف، ومحاولة منح الطفل وقتا قصيرا من النوم قبل أن يبدأ انطفاء جديد.

لكن هاتين الساعتين، كما يروي بشار، لا تكفيان لتخفيف تعب يوم كامل. فبشار لا يملك منظومة طاقة بديلة، ولذلك يتحول الصيف في بيته إلى عبء يومي. ويضيف: "الحر لا يُحتمل، والبيت يتحول إلى غرفة مغلقة. أحيانا ينام الطفل من شدة التعب، لا من الراحة، وحين تنقطع الكهرباء يستيقظ من جديد".

يحتج سكان عدن على انقطاع التيار الكهربائي وسط ارتفاع الحرارة والرطوبة (الجزيرة)

كهرباء لا تصل وبدائل لا تُشترى

في المدينة الساحلية التي يشتد فيها الصيف مبكرا، لم تعد الكهرباء مجرد خدمة عامة، بل تحولت إلى عامل يتحكم في تفاصيل الحياة اليومية. ويقول سكان في عدن إن ساعات الانطفاء تمتد أحيانا إلى 10 ساعات أو 11 ساعة، مقابل ساعتين فقط من التشغيل، وسط ارتفاع الحرارة والرطوبة، وتراجع قدرة كثير من الأسر على توفير بدائل مثل البطاريات أو الألواح الشمسية أو المولدات الخاصة.

وتتجاوز الأزمة حدود انطفاء المصابيح أو توقف المراوح، لتطال الماء والطعام والنوم والمرضى والأطفال. ففي بيوت كثيرة، يرتبط موعد عودة الكهرباء بتشغيل مضخات المياه والثلاجات، بينما تتحول ساعتا التيار إلى فرصة قصيرة لإنجاز ما تعطل خلال ساعات الانطفاء الطويلة.

إعلان

ويرى المواطن محمد علي البركاني أن سكان عدن صاروا "الحلقة الأضعف" في أزمة تتكرر كل صيف دون حلول جذرية. ويقول للجزيرة نت إن رواتب كثير من الموظفين لا تتجاوز 60 أو 70 ألف ريال يمني (نحو 40 دولاراً)، وهي مبالغ لا تكفي لتكاليف المعيشة اليومية، فضلا عن شراء بطاريات أو منظومات طاقة شمسية.

المواطن محمد علي البركاني يقول إن ضعف الرواتب يحرم كثيرا من الأسر من بدائل الكهرباء (الجزيرة)

ويضيف البركاني "المواطن تعبان والظروف صعبة، والراتب لا يكفي، وكل شيء أصبح تجارة على حساب المواطن".

ومع طول ساعات الانقطاع وعجز كثير من الأسر عن توفير بدائل، يلجأ سكان إلى وسائل بسيطة لتخفيف الحر، من رش الماء على أجسادهم، إلى الخروج نحو الشوارع أو الجلوس قرب أبواب المنازل. ويقول البركاني: "أحيانا أسكب على رأسي عدة عبوات من الماء حتى أستطيع تحمّل الحر، وأخرج ليلا أبحث عن الماء من مكان إلى آخر. الوضع صعب جدا، فكيف بحال كبار السن المرضى؟"

ولا يقتصر أثر الأزمة على الكبار. ففي أحياء عدن، تدفع الغرف الخانقة أطفالا إلى الأسطح أو الشوارع، ويمضي بعضهم ساعات في مساجد فتحت أبوابها للناس هربا من حرارة البيوت. أما الطلاب، فيجدون صعوبة في المذاكرة مساء، ويبدأ كثير منهم يومه مرهقا بعد ليلة متقطعة.

محتجون أمام مبنى السلطة المحلية في عدن يطالبون بتحسين الكهرباء والخدمات الأساسية (الجزيرة)

هروب نحو الأرصفة والطرقات

وحين ضاقت البيوت بسكانها، خرجت المعاناة إلى العلن. ففي اليومين الماضيين، حمل مواطنون في عدن فرشهم ووسائدهم إلى الأرصفة والطرقات هربا من حرارة المنازل، في ما سماه ناشطون على مواقع التواصل بـ"ثورة الفرشان".

وعكس المشهد حجم الأزمة داخل البيوت، قبل أن تتوسع التحركات إلى تجمعات غاضبة في عدد من مديريات المدينة. وأغلق محتجون طرقا بالحجارة، وانتشرت قوات أمنية في بعض الشوارع لمحاولة فتحها، فيما ارتفعت مطالب بتحسين الكهرباء وبقية الخدمات الأساسية.

يطالب محتجون في عدن السلطة المحلية بتوفير الخدمات  (الجزيرة)

وأمام مبنى السلطة المحلية في عدن، نظم محتجون الأربعاء الماضي وقفة شعبية رفعوا خلالها لافتات تطالب بالخدمات، وفي مقدمتها الكهرباء، من بينها "الشعب يريد خدمات لا وعود" و"الكهرباء والمياه والصحة حقوق وليست هبات".

تقول رشا فريد (إحدى المشاركات في الوقفة)  للجزيرة نت: "خرجنا للتعبير عن معاناة أبناء عدن من تدهور الخدمات والانقطاعات الطويلة للكهرباء، التي لا تعمل في بعض الأيام سوى ساعتين أو ثلاث فقط، وسط حر شديد لا يُحتمل".

الناشطة رشا فريد أثناء مشاركتها في وقفة احتجاجية للمطالبة بتحسين الكهرباء والخدمات في عدن (الجزيرة)

وتصف فريد الأزمة من خلال معاناة أسرتها، خصوصا والدها الذي أجرى عملية جراحية ولا يزال يعاني من آثار السهر والحر وانعدام الراحة. وتضيف "آباؤنا وأمهاتنا وأطفالنا جميعهم يعانون، ولا نجد إلا الحر والمرض والفقر والمعاناة. نحن لا نطالب إلا بأبسط حقوقنا في الخدمات الأساسية والحياة الكريمة".

الطبيب صالح منصر يؤكد أن موجة الحر وانقطاع الكهرباء زادا من معاناة مرضى الضغط وكبار السن (الجزيرة)

وفي مستشفى خليج عدن، لا تبدو أزمة الكهرباء مسألة خدمية فحسب، بل تظهر آثارها في حالات مرضية مرتبطة بالحر والسهر الطويل. يقول الطبيب صالح منصر للجزيرة نت إن موجة الحر المصاحبة لانقطاع الكهرباء انعكست على الحالات التي يستقبلها المستشفى هذه الأيام، خصوصا بين كبار السن.

إعلان

ويضيف منصر: "معظم الحالات التي تصل إلى المستشفى حاليا هي لمرضى يعانون من ارتفاع ضغط الدم، وغالبيتهم من كبار السن ممن تجاوزوا الخمسين عاما".

وحسب الطبيب، وصلت بعض حالات تعاني مضاعفات مرتبطة بالإجهاد الحراري وارتفاع الضغط، وتطورت أخرى إلى جلطات، ما يكشف أن أزمة الكهرباء في عدن لم تعد خدمية فقط، بل ذات أثر صحي مباشر على السكان.

محطة الرئيس لتوليد الكهرباء في عدن، إحدى المحطات المعوّل عليها لتخفيف أزمة الطاقة في المدينة (الجزيرة)

وخلف هذه المعاناة اليومية، تقف أسئلة كثيرة حول واقع خدمة الكهرباء وحدود قدرة المنظومة على تلبية الطلب المتزايد خلال الصيف. وللوقوف على خلفيات الأزمة وموعد تحسن الخدمة، حاولت الجزيرة نت الحصول على تعليق من مسؤولين في مكتب الكهرباء والسلطة المحلية في عدن، غير أن المسؤولين الذين جرى التواصل معهم رفضوا الحديث.

وفي ظل غياب توضيح محلي مباشر، تشير تقديرات حكومية أوردتها تقارير إعلامية حديثة إلى أن التوليد الفعلي في عدن لا يغطي سوى نحو 30% من الاحتياج اليومي، مع عجز يتجاوز 70% خلال ساعات الذروة الليلية، في ظل نقص الوقود وتهالك أجزاء من المنظومة وارتفاع الأحمال الصيفية.

محطة الحسوة في عدن، من أقدم محطات توليد الكهرباء في اليمن، وتعاني من تقادم بنيتها التشغيلية (الجزيرة)

وتتداخل في أزمة كهرباء عدن عوامل عدة، من نقص الوقود اللازم لتشغيل المحطات، إلى تقادم أجزاء من البنية التحتية، وضعف القدرة التوليدية، وارتفاع الطلب على الطاقة خلال الصيف، إضافة إلى غياب حلول مستدامة تمنع عودة الأزمة كل عام.

وتبرز محطة الحسوة في عدن، إحدى أقدم محطات توليد الكهرباء في اليمن، مثالا على تقادم المنظومة، إذ تواجه تحديات مرتبطة بقدمها وتراجع جاهزيتها، وسط حديث متكرر عن انتهاء عمرها الافتراضي والحاجة إلى بدائل أكثر كفاءة واستقرارا.

محطة كهرباء خور مكسر في عدن، إحدى محطات التوليد التي تعتمد عليها المدينة (الجزيرة)

في المقابل، أعلنت وزارة الكهرباء والطاقة اليمنية بدء تنفيذ خطة عاجلة لتأمين كميات إضافية من الديزل والمازوت وضمان استمرار تشغيل محطات التوليد، بالتزامن مع إجراءات لرفع الجاهزية الفنية وتعزيز القدرات التوليدية في عدن وحضرموت.

وحسب الوزارة، بدأت المرحلة الأولى من الخطة في 9 يونيو/حزيران الجاري، على أن ترتفع كميات الوقود تدريجيا خلال الأسبوعين التاليين.

غير أن مواطنين في عدن لا يقيسون أثر الخطط بحجم الوقود المعلن أو صياغة البيانات الرسمية، بل بعدد ساعات الكهرباء التي تصل إلى منازلهم. بالنسبة لهم، يبدأ نجاح أي اتفاق عندما تعمل المروحة وقت اشتداد الحر، ويبرد الماء، وينام الطفل دون أن يستيقظ كل ساعة.

ومع حلول الليل، تعود عدن إلى مشهدها اليومي: نوافذ مفتوحة، أطفال يتقلبون من الحر، مرضى ينتظرون قليلا من الراحة، وأسر تراقب المصابيح علّها تضيء. وحين يعود التيار، يركض كل فرد إلى حاجته.

في المعلا، يعود بشار إلى بيته حاملا طفله ليث، منتظرا ساعة كهرباء قد تمنح أسرته قليلا من النوم، بينما يكرر البركاني في مكان آخر من عدن وسيلته البسيطة لمواجهة الحر، فيسكب الماء على رأسي أو يخرج إلى الشارع بحثا عن هواء.

المصدر: الجزيرةمراسلو الجزيرةسياسة|اليمن