Categories
ماكس بلانك.. هل سرق مؤسس ميكانيكا الكم اثنين من أبحاثه؟
ماكس بلانك.. هل سرق مؤسس ميكانيكا الكم اثنين من أبحاثه؟
استمعاستمع (7 دقيقة)حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesحين نسمع أن ورقة علمية قد سحبت من النشر، يتجه الذهن مباشرة إلى خطأ جسيم، مثل بيانات مزيفة، أو تجربة لم يتمكن علماء آخرون من تكرارها، أو ربما ما هو أصعب، مثل سرقة علمية وانتحال أو تلاعب في التحكيم.
لكن ما حدث مع ماكس بلانك، أحد آباء الفيزياء الحديثة والحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1918، يكشف أنه أحيانا لا تكون المشكلة في العلم نفسه، بل في الطريقة التي تدير بها المنصات الرقمية ذاكرة العلم، فقد أعادت مؤسسة "شبرينغر نيتشر" في يوليو/تموز 2026 مقالتين قديمتين لبلانك، بعدما ظلتا موسومتين بالسحب منذ عام 2011 بسبب "انتهاك حقوق النشر".
قد يوحي اسم ماكس بلانك بأن الورقتين تتناولان كميات الطاقة أو إشعاع الجسم الأسود أو ثابت بلانك، لكنهما لم تكونا بحثين تجريبين أو نظريين بالمعنى المعتاد، بل كانتا في الأساس تأملين فلسفيين في طبيعة العلم وحدوده وعلاقته بالواقع.
حملت الورقة الأولى عنوان "العلم الطبيعي والعالم الخارجي الواقعي"، ونشرت في ديسمبر/كانون الأول 1940 في صفحتين فقط. ولفهمها، ينبغي العودة إلى خلاف فلسفي كان قائما حول ما يسمى الوضعية.
يرى الاتجاه الوضعي، في صورته المتشددة، أن العلم ينبغي أن يقتصر على ما يمكن ملاحظته أو قياسه، وأن الحديث عن "واقع خفي" وراء الحواس قد يكون غير ضروري، فنحن لا نعرف مباشرة سوى الألوان والأصوات والحرارة والنتائج التي تظهر في أجهزة القياس.
أما بلانك فكان من أنصار ما يسمى اليوم الواقعية العلمية، وذلك هو موضوع ورقته الأولى، حيث كان يرى أن نجاح العلم يصعب فهمه ما لم نفترض وجود عالم موضوعي، قائم بصورة مستقلة عن مشاعرنا وحواسنا.
أما الورقة الثانية، فعنوانها "معنى وحدود العلم الدقيق"، ونُشرت في عام 1942 في تسع صفحات، وكان أصلها محاضرة ألقاها بلانك في برلين في نوفمبر/تشرين الثاني 1941، وفيها يقول إن العلم قادر على بناء نماذج ناجحة، وإجراء تنبؤات، وتمكين البشر من استخدام قوى الطبيعة، لكنه لا يستطيع تقديم صورة نهائية لا تحتاج إلى تعديل.
إعلانوبحسب الورقة، تظل النظرية العلمية، مهما بلغت دقتها، تقريبا أو نموذجا لما سماه بلانك "الواقع الموضوعي"، ويظل ذلك الواقع أوسع من الصورة التي نبنيها عنه.
كما حذر بلانك من تحويل العلم إلى بديل كامل للفلسفة أو الأخلاق أو الدين. فالمعادلات يمكنها أن تصف كيف تحدث ظاهرة، لكنها لا تقرر وحدها ما الذي ينبغي للبشر فعله، أو ما الذي يجعل الحياة ذات قيمة.
في عام 2011 وضعت مؤسسة "شبرينغر" على صفحتي الورقتين عبارة تفيد بأنهما سحبتا بسبب "انتهاك حقوق النشر"، ثم أعلنت في عام 2026 أن القرار كان نتيجة خطأ بشري. ولم يكن هناك في أي وقت اعتراض على النزاهة العلمية للنصين.
أما التفاصيل الدقيقة لكيفية وقوع الخطأ فلم تكن معروفة، لكن مؤرخي العلم إيف جينغراس ومهدي خلفاوي، بحسب مقال نشر مؤخرا في مجلة "ساينس" (Science) العلمية، قدما تفسيرًا محتملًا بعد تتبع تاريخ النصين.
في حالة ورقة عام 1942، كان نص الورقة قد ظهر في عدة صور، بدأ محاضرة عام 1941، ثم نُشر عام 1942 في كتيب مستقل، وفي مجلة فكرية أخرى، ثم أُدرج عام 1943 ضمن مجموعة من محاضرات بلانك.
وكانت إعادة نشر المحاضرة في أكثر من مجلة أو كتيب أمرًا طبيعيا في النصف الأول من القرن العشرين، إذ كان الهدف إيصال الأفكار إلى قراء مختلفين، قبل وجود الإنترنت وقواعد البيانات العالمية، لكن عند رقمنة الأرشيف، ربما بدا وجود النص نفسه في عدة أماكن كأنه "نشر مكرر" أو تعارض في حقوق الملكية.
أما ورقة عام 1940 فحالتها أغرب، إذ لم يجد المؤرخان نسخة أخرى منشورة منها، لكنهما لاحظا وجود مقالين مختلفين في المجلة نفسها، أحدهما لمولر والآخر لبلانك، يحملان العنوان نفسه تماما، وربما تسبب تطابق العنوانين، عند الفهرسة أو مراجعة الحقوق، في الخلط بينهما، إلا أن هذا يبقى تفسيرا مرجحا لا حقيقة مثبتة.
الأهم هنا أن سحب المقالتين لم يكن مرتبطا إطلاقا بصحتهما العلمية أو الفكرية، بحسب منصة "ريتراكت واتش" (Retraction Watch) المختصة بتدقيق والإعلان عن سحب الورقات البحثية، لم تكن نزاهة المقالتين محل شك، وإنما تعلق الأمر بسبب إداري أو حقوقي غامض.
وهذا فرق جوهري، فالسحب في العلم أداة خطيرة، لأنها لا تقول فقط إن هناك مشكلة في نص منشور، بل تغيّر أيضا طريقة قراءة الباحثين والجمهور لهذا النص، وتلصق به علامة تحذير قد تبقى سنوات طويلة في قواعد البيانات ومحركات البحث.
تزداد غرابة القصة لأن صاحب المقالتين ليس باحثا مجهولا في هامش التاريخ، بل ماكس بلانك نفسه، الرجل الذي ارتبط اسمه بولادة نظرية الكم.
غير أن أهمية القضية لا تأتي من شهرة بلانك وحدها، بل من كونها تكشف هشاشة الأرشيف العلمي عندما ينتقل من الورق إلى المنصات الرقمية التجارية.
فالورقة العلمية القديمة، حين ترقمن وتدخل قواعد بيانات حديثة، لا تحفظ فقط؛ بل تعاد قراءتها وتصنيفها وفق قواعد معاصرة تتضمن حقوق نشر، ووجود نسخ مكررة، ومؤشرات قياس، وكيفية التعامل مع الاقتباسات، وسجلات السحب والتصحيح.
إعلانوهنا قد تظهر المشكلة، فما كان ممارسة طبيعية في النشر العلمي قبل قرن قد يبدو اليوم مخالفة إذا قيس بأدوات ومعايير الحاضر، وهذا بالضبط ما أشار إليه المؤرخان إيف جينغراس ومهدي خلفاوي في دراستهما عن الواقعة، فقد رأيا أن سحب مقالتي بلانك لا يبدو نابعا من احتيال علمي، بل من تطبيق معايير حديثة للرقمنة وإدارة حقوق النشر بأثر رجعي على نصوص تاريخية.
المصدر: الجزيرة + وكالاتشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylink