Middle East in Arabic📡 BBC ArabicJul 12, 2026👁 1 views

عدالة معلقة تحت القصف: غياب المحاكم يحرم الأمهات الحاضنات في غزة من نفقة أطفالهن

عدالة معلقة تحت القصف: غياب المحاكم يحرم أمهات حاضنات في غزة من نفقة أطفالهن

صدر الصورة، Noah Saob/ Getty images

Article Information
    • Role, بي بي سي نيوز عربي
  • Published قبل 4 ساعة
  • مدة القراءة: 7 دقائق

"الحكم تبخر، حالياً ما فيش تنفيذ حكم، وما فيش أي جهة بتقدر تجبره إنه يدفع، الأمر راجع لوازعه الديني وهو مش حابب يشيل مسؤولية".

بهذه الكلمات تصف أم خالد المفارقة المؤلمة بأنها كانت قد حصلت في سبتمبر/أيلول 2023 (قبل الحرب بأيام) على حكم قضائي بالنفقة من طليقها، لكن اندلاع الحرب وتعطل المحاكم ساعدا الزوج على التهرّب من تنفيذ الحكم كما تصف أم خالد.

في قطاع غزة، تعيش بعض النساء المعيلات لأُسَرِهن أزمة اجتماعية لا يلتفت إليها أحد وسط المأساة الكبرى.

فبينما ينشغل العالم بمتابعة أعداد الضحايا ومسارات النزوح ومصير وقف إطلاق النار، تآكلت البنية المؤسسية والقانونية داخل القطاع تماماً؛ فاختفت أقسام الشرطة، وأُغلقت المحاكم، وغُيبت سلطة إنفاذ القانون بشكل كبير.

هذا الغياب الهيكلي تحول إلى سلاح في أيدي بعض الأزواج الذين وجدوا في غياب الرقابة فرصة للتنصل من مسؤولياتهم الإنسانية والمالية، فباتت مئات الأمّهات المطلقات والمهجورات يواجهن واقعاً مريراً؛ فلا نفقة تُدفع لإعالة أطفال يفتك بهم الجوع، ولا سلطة تنفيذية تجبر الآباء على السماح للأمهات برؤية أطفالهن المحتجزين في الطرف الآخر من النزوح.

أصبحت القضية برمتها مرهونة بـ"الوازع الفردي" للرجل، وفي بيئة طحنتها الحرب، غاب الوازع عند الكثيرين، لتتحول حياة النساء وأطفالهن إلى رحلة شقاء يومي.

تبدأ الحكاية من تفاصيل مؤلمة ترويها "أم خالد" البالغة من العمر 26 عاماً، والتي تعيش حالة هجران منذ شهر يناير/كانون الثاني الماضي، وهي ليست المرة الأولى، إذ عانت من هجران مماثل استمر سنتين قبل ذلك، حيث كان زوجها لا يصرف عليها ولا يسأل عن ابنه.

لكن الحرب جاءت لتزيد الطين بلة على حد تعبيرها؛ فبعد محاولة صلح استمرت أربعة أشهر فقط، انتهى الأمر باعتداء جسدي عليها أثناء وجودهم في منطقة "الصفطاوي". تروي تلك اللحظة بمرارة: "ضربني وإحنا في الصفطاوي، طلعت أجري حافية في الشارع وبشعري، وما سألش عنا من يومها نهائي".

تخطى الأكثر قراءة وواصل القراءةالأكثر قراءة

لم يتوقف الأمر عند الاعتداء والهجر، بل امتد إلى استغلال غياب المنظومة الرقمية والقانونية لحقوق الإغاثة. فالزوج بات يسجل في المؤسسات الإغاثية مستخدماً أسماء زوجته وأبنائه ليأخذ المعونات بمفرده.

تصف الأم المعيلة كفاحها التكنولوجي اليائس قائلة: "أنا كذا مرة أدخل على رابط برنامج الأغذية العالمي (WFP) أغيّر الرقم الذي قام بوضعه برقمي، ألاقيه مغيره كمان مرة وحاطط رقمه هو".

هذا السلوك حرم العائلة من مقومات الحياة؛ فحين كُسرت يد ابنها، واضطرت للركض به بين المستشفيات، لم يكترث الأب.

تعيش أم خالد الآن مع أهلها يعتمدون على ما تجود به "التكايا" من طعام. فالجد مصاب بالسكري ولا يقدر على العمل، والأم موظفة في غزة لا تتقاضى راتبها إلا مرة كل ثلاثة أشهر.

تعتمد أم خالد الآن في مصاريف ابنها على بضعة شيكلات يمنحها إياها عم أو خال، تقسّطها بحذر لدرجة أنها تضطر أحياناً لإلغاء مواعيد مهمة في مؤسسات مثل "شؤون المرأة" لعدم امتلاكها أجرة الطريق.

بيع الخبز على أرصفة النزوح

صدر الصورة، Getty Images

تخطى البودكاست وواصل القراءةيستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

قصة ثانية تبرز من غزة، قصة "منى" البالغة 48 عاماً، المطلقة منذ أكتوبر/تشرين الأول، والتي تواجه حياة النزوح بمفردها. طليقها تنصل تماماً من أطفاله؛ فلم يرسل لهم سوى 100 شيكل مرة واحدة بعد وساطات من محاميات، و40 شيكلاً أخرى في العيد قبل أن يطرد الأطفال بشكل مهين بحسب ما تقول لنا.

بسبب العوز الشديد، تحولت حياة منى وطفليها (بنت 5 سنوات وولد 11 سنة) إلى جحيم من العمل الشاق. تروي لبي بي سي عربي كيف أصبحت تبيع الخبز لتوفير لقمة العيش: "الظروف صعبة كتير لدرجة إن الواحد صار يبيع خبز على الرصيف، الولد بيطلب والبنت بتطلب، وأنا ست كبيرة لو بقدر أشتغل وأوفر لهم كل شيء بوفر".

ابنها البالغ 11 عاماً يخرج يومياً ليبيع الخبز، ليحصل في نهاية اليوم على 6 شيكل فقط. تروي منى كيف أن دورها في هذا العمل يبدأ من الساعة السادسة والنصف صباحاً بالوقوف في طوابير "بطاقات الخبز"، وفي العاشرة يأتي ابنها ليأخذ البطاقات ويبيعها.

يعيشون على ما يتوفر من حبة دقة أو صينية رز تأتي من تكايا المخيم على حد تعبيرها. وحتى التعليم أصبح رحلة عذاب؛ فالابن يذهب إلى مدرسته في معسكر الشاطئ مشياً على الأقدام لعدم امتلاكهم شيكلاً واحداً للمواصلات.

حاولت منى دفع الأطفال نحو أبيهم ليتحمل جزءاً من المسؤولية، لكن النتيجة كانت صادمة "صار لما يشوف أولاده يطردهم وفي المرة الأخيرة أتوا لي قائلين يمّة بدناش نروح عنده".

وللإنصاف توضح منى أن طليقها يعاني من بتر ساقه وهو ما يمنعه من العمل، لكن الأزمة تكمن في التمييز؛ فهو متزوج من امرأة أخرى ولديه أبناء منها ينفق عليهم، بينما يعتبر أطفال منى "مش ولاده".

تواجه منى أيضاً أزمة سكن طاحنة، فبعد طردهم من خيمة سابقة، تقيم مؤقتاً في خيمة شقيقها، الذي ينوي الزواج وطالبها بإخلاء المكان.

تتحدث والغصة تخنقها حين تسألها ابنتها عن طعام تراه مع الآخرين: "بنتي لما تشوف حدا بيأكل شاورما وتيجي تطلبها وأنا مش قادرة أوفرها، أنا نفسي بنقتل من جوا، فاقدة الأمل لعل وعسى ربنا يتطلع في وجوهنا".

النزوح كأداة لتشتيت العائلات

صدر الصورة، Getty Images

إذا كانت أم خالد ومنى تعانيان من عبء الإعالة المادية، فإن أم أحمد تفتح جرح الحرمان القسري من الأطفال واستغلال النزوح لمنع الأمهات المطلقات من رؤية أبنائهن.

تروي السيدة مأساة حرمانها من أولادها؛ حيث توجد معها ابنة واحدة من أبنائها الثلاثة، بينما يحتجز الأب بنتاً وولداً ويرفض السماح لها برؤيتهم.

في هذه القصة، تحولت جغرافيا النزوح المتغيرة إلى أداة بيد الزوج للاختفاء بالأطفال كلما اقتربت الأم منهم. تصف الوضع قائلة: "قبل سنة شفتهم فجأة كنت نازحة في منطقة وشفتهم، ولما عرف إن أنا موجودة شرد من المنطقة! كل ما يعرف إن أنا عرفت مكان ولادي يشرد هو والولاد".

حاولت الأم استخدام الوسائل التقليدية؛ أرسلت مخاتير العائلات وتدخل أهل الخير، لكنه واجه الجميع بالرفض. ومع غياب الشرطة والمحاكم، أصبحت المحاولات تدور في حلقة مفرغة؛ فالشرطة تخبرها بأنها لا تستطيع التحرك في هذه الظروف، والمحامية تقف عاجزة لأن الزوج يغير مكان نزوحه باستمرار.

الأقسى هو التدمير النفسي وعمليات غسيل الأدمغة للأطفال، بحسب ما تصف الأم: "الولاد بدهم إياني، لكنه خلاهم يقولوا بدناش أمنا!".

وفي المقابل، فإن الطفلة الموجودة معي والبالغة من العمر 6 سنوات تعيش غريبة عن والدها وإخوتها؛ فالأب لا ينفق عليها ولا يعرف ملامحها "لو يشوفها في الشارع بيعرفهاش!" وأصبحت أعتمد في إعالتها على مساعدة إخوتها بعد مقتل والديّ في الحرب.

تستذكر الأم بمرارة محاولة وحيدة نجحت فيها برؤية أطفالها قبل عام في منطقة "النصر"، حيث تمكنت عن طريق التدخل المباشر لرجال الأمن وإدارة المخيم من رؤيتهم لعشر دقائق فقط و"بالعافية" وسط صراخ الأب.

وتختتم شهادتها بصرخة خوف من الموت تحت القصف دون رؤيتهم: "خايفة يصير لهم شيء أو يصير معايا شيء وأنا مش شايفاهم، والله العظيم بنامش الليل من دونهم".

المحاكم المعطلة..سلاح جديد

في الحالات الثلاث، كان غياب المحاكم بمثابة الضوء الأخضر للآباء للتخلي عن التزاماتهم؛ فأم خالد تعطل تنفيذ حكم نفقتها، ومنى تعجز عن رفع قضية جديدة، وأم أحمد تعجز الشرطة عن جلب أطفالها لها. وبالطبع هناك حالات أخرى قد يُحرم فيها الآباء من رؤية أطفالهم من قِبل الأمهات.

ماذا يقول أهل القانون؟

تقول الأستاذة سهير البابا، المحامية ومنسقة العيادة القانونية بمركز حقوق المرأة، إن الحرب في غزة أحدثت قفزة ملحوظة في معدلات الطلاق نتيجة تضافر الظروف الاقتصادية الصعبة مع النزوح المستمر، وفقدان مصادر الدخل، إلى جانب التكدس الخانق داخل الخيام وتصاعد العنف الأسري.

هذا الواقع أدى إلى زيادة حدة الخلافات وأثّر سلباً في التزام الأزواج المطلقين بمسؤولياتهم تجاه أبنائهم، وتحديداً في قضايا النفقة، ما أجبر الأمهات على تحمل أعباء إضافية قاسية لتوفير الغذاء والرعاية الصحية والتعليم بمفردهن عبر الاستدانة والاعتماد على المساعدات والدعم العائلي.

وتضيف البابا أن غياب الرقابة الأمنية وضعف عمل الجهات التنفيذية خلال الحرب قوض إنفاذ قضايا الأحوال الشخصية (النفقة، الحضانة، وحق المشاهدة).

فقد وضعت الحرب ظروفاً استثنائية حدّت من قدرة الجهات القضائية على القيام بمهامها، مما حرم النساء والعائلات من الوصول إلى العدالة والحصول على الحماية القانونية.

وأدى هذا الضعف إلى تحديات كبيرة في تنفيذ الأحكام الصادرة لصالح الأطفال، وامتناع بعض الآباء عن الوفاء بالتزاماتهم المالية، لتفقد الأحكام القضائية النافذة جدواها العملية.

ولم تتوقف الأزمة عند الشق المالي، بل امتدت لتشمل قضايا الحضانة والمشاهدة؛ إذ تسبب النزوح المتكرر وتشتت الأسر في استغلال بعض الأهالي غياب الرقابة لمنع الطرف الآخر من رؤية الأطفال، دون وجود آليات عملية لمعالجة هذه الانتهاكات، مما ترك آثاراً نفسية وصدمات بليغة على الأطفال.

وعلى الصعيد القضائي، أوضحت البابا أن المحاكم الشرعية اقتصرت على عمل جزئي وتدريجي بسبب دمار البنية التحتية وتراكم القضايا، فضلاً عن عجز المطلقات حالياً عن رفع دعاوى جديدة.

وتتقاطع شهادة الحقوقية سهير البابا مع البيانات الرسمية الصادرة عن الأمم المتحدة؛ حيث أكد مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي (WCLAC) أمام مجلس حقوق الإنسان الأممي في حزيران/يونيو 2026 أن شلل المحاكم في غزة حرم النساء تماماً من الوصول إلى العدالة، في حين تشير تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن النزوح المتكرر لأربع مرات على الأقل والانهيار المعيشي الكارثي فرضا أعباءً إنسانية واجتماعية غير مسبوقة على كاهل الأمهات الحاضنات.