Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicJul 25, 2026👁 0 views

لا صفقات مصرية على حساب الصومال

الصومال في قلب صراع مصر وإثيوبيا.. لماذا رفضت القاهرة الصفقة؟

عماد الدين حسين

صحفي مصري ووكيل لجنة الإعلام والثقافة والآثار في مجلس النواب.

Published On 25/7/202625/7/2026|آخر تحديث: 21:09 (توقيت مكة)آخر تحديث: 21:09 (توقيت مكة)استمعاستمع (14 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
رئيس ما يعرف بأرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله (يسار) ورئيس إسرائيل هرتسوغ بالقدس المحتلة في 14 يونيو/حزيران (الأوروبية)

قبل أيام قليلة التقيت وزير الخارجية والتعاون الدولي وشؤون المصريين في الخارج الدكتور بدر عبد العاطي، وسألته سؤالا مباشرا: هل ستقبلون حصول إثيوبيا على ميناء في الصومال أو إريتريا، مقابل توقيع أديس أبابا اتفاقا قانونيا وملزما للسد الإثيوبي على النيل الأزرق؟

إجابة عبد العاطي كانت واضحة وحاسمة وقاطعة وهي: لا.

قبل اللقاء بأيام قليلة وخلال زيارته الأخيرة إلى أسمرة قال عبد العاطي إن أمن وإدارة البحر الأحمر هي مسؤولية حصرية للدول المشاطئة فقط.

ويوم الأحد الماضي" 19 يوليو/تموز" استضاف عبد العاطي في القاهرة وزيري خارجية الصومال عبد السلام عبدي، وإريتريا عثمان صالح، واللافت أن هذا الاجتماع حضره كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس.

سألت وزير الخارجية والتعاون الدولي وشؤون المصريين في الخارج الدكتور بدر عبد العاطي: هل ستقبلون حصول إثيوبيا على ميناء في الصومال أو إريتريا، مقابل توقيع أديس أبابا اتفاقا قانونيا وملزما للسد الإثيوبي على النيل الأزرق؟.. إجابة عبد العاطي كانت واضحة وحاسمة وقاطعة وهي: لا.

وبعد هذه الزيارات والاجتماعات جدد عبد العاطي دعم مصر الكامل لوحدة وسيادة وسلامة أراضي الصومال، وصون مؤسساتها الوطنية، ورفض مصر الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية، وإدانة مصر لإقدام إقليم ما يسمى بمنطقة "أرض الصومال" على افتتاح سفارة مزعومة له في القدس المحتلة.

انتهى الاقتباس من بيان الخارجية المصرية، وما هو مؤكد أن مصر لن تقبل بوجود ميناء أو قاعدة لإثيوبيا أو لإسرائيل في الصومال أو إريتريا فحسب، بل على البحر الأحمر بأكمله، وأن هذا ليس رأي مصر فقط، ولكن غالبية الدول المطلة على البحر الأحمر.

إذن إعادة طرح وترديد هذا الموضوع الآن يمكن فهمه على أنه تسريبات إثيوبية، سواء لجس النبض أو للتأثير في الموقف المصري الرافض من الأساس لهذه الفكرة.

إعلان

إثيوبيا تريد امتلاك أو بناء ليس فقط ميناء تجاريا، بل قاعدة عسكرية في الصومال أو في مصوع أو عصب التي تقع جنوب شرق إريتريا على ساحل البحر الأحمر، وقريب من حدودها، وكان ميناءها الأساسي قبل انفصال إريتريا عنها عام 1993 لأنه يقع على أهم طرق الملاحة البحرية العالمية.

رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد يكرر دائما أن الوصول إلى منفذ على البحر الأحمر هو ضرورة من أجل استقرار القرن الأفريقي، وأن حرمانها من هذا الحق يمثل إجحافا لدولة عدد سكانها 130 مليون نسمة.

اليوم نؤجل الحديث عن الخلاف المصري الإثيوبي بشأن السد الذي تم افتتاحه رسميا في 9 سبتمبر/أيلول الماضي، ولكن سنركز على العلاقات المصرية الصومالية أولا، وصد المحاولات المختلفة لإضعاف وتمزيق وتقسيم الصومال بما يؤثر على الأمن القومي العربي والمصري.

سألت الوزير بدر عبد العاطي سؤالا مباشرا أيضا:

هل عرضت الحكومة الإثيوبية على مصر فكرة الميناء والقاعدة على البحر الأحمر مقابل حل مشكلة السد؟

رفض بشكل قاطع، لكن من خلال أحاديث مع دبلوماسيين وسياسيين أفارقة على اطلاع كبير على هذا الملف قالوا نعم: عرضت إثيوبيا موافقة مصر على إقامة ميناء بحري تجاري وقاعدة عسكرية إثيوبية في الصومال أو إريتريا، وتم نقل هذا المقترح عبر أطراف إقليمية ودولية، لكن مصر رفضته تماما، لأنه يتناقض مع مبادئها، ومع مصالحها ومع أمنها القومي.

رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد يكرر دائما أن الوصول إلى منفذ على البحر الأحمر هو ضرورة من أجل استقرار القرن الأفريقي، وأن حرمانها من هذا الحق يمثل إجحافا لدولة عدد سكانها 130 مليون نسمة

ليس خافيا أن الصومال صارت ملعبا تحاول قوى كثيرة أن تستغله لتحقيق مصالحها أو مطامعها.

مصر ترفض أي محاولات لتقسيم الصومال أو تكريس هذا الانقسام خصوصا إذا كانت هذه المحاولات تتم بأيدٍ إسرائيلية وإثيوبية.

لم يعد سرا أن هذا التعاون بين الحكومتين الإسرائيلية والإثيوبية يهدف إلى تكريس انفصال "أرض الصومال" المنشق عن الدولة الصومالية منذ سقوط نظام محمد سياد بري عام 1991، وإذا حدث ذلك فإن مصر ستكون أكثر المتضررين.

إسرائيل كانت أول من اعترف باستقلال ما يسمى "أرض الصومال" المنشق في أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، وفي يناير/كانون الثاني الماضي زار وزير خارجيتها جدعون ساعر هرغيسا عاصمة الإقليم، وأعلن بدء خطوات فتح السفارة.

وفي الشهر الماضي زار عبد الرحمن محمد عبد الله رئيس الإقليم المنشق إسرائيل، واستقبله كبار قادتها، وتحدثت تقارير كثيرة عن تعاون أمني واستخباري كبير بين الجانبين.

التعاون بين الطرفين، موجود منذ سنوات طويلة، لكن خطورة الاعتراف الأخير تقرؤها دوائر مصرية وعربية على أنها رسالة إسرائيلية بأنها تعيد ليس فقط رسم خريطة المنطقة العربية والشرق الأوسط، بل والقرن الأفريقي.

واللافت أكثر أن التحركات الإسرائيلية أعقبها حديث أمريكي عن وجود فرص للتعاون مع الإقليم الجديد حتى لو كان في صورة مكافحة الإرهاب والأمن البحري.

ورأينا عددا من نواب الكونغرس منهم تيد كروز وسكوت بيري يدعون إلى الاعتراف بالإقليم لمواجهة النفوذ الصيني. وفي أبريل/نيسان 2025 عرض الإقليم على إدارة الرئيس ترمب إقامة ميناء وقاعدة عسكرية مقابل الاعتراف به.

إعلان

الأخطر الذي حدث في أرض الصومال، لم يكن الاعتراف الإسرائيلي فقط، بل ما أعلنته إثيوبيا في الأول يناير/كانون الثاني 2024 من توقيع مذكرة تفاهم مع رئيس إقليم أرض الصومال السابق موسى عبدي تضمنت منح إثيوبيا منفذا بحريا بطول 20 كيلومترا لمدة 50 عاما وإمكانية إنشاء قاعدة عسكرية.

إسرائيل كانت أول من اعترف باستقلال ما يسمى "أرض الصومال" المنشق في أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، وفي يناير/كانون الثاني الماضي زار وزير خارجيتها جدعون ساعر هرغيسا عاصمة الإقليم، وأعلن بدء خطوات فتح السفارة

لا يدرك كثيرون أن إثيوبيا كانت من أكثر المستفيدين من إسقاط نظام سياد بري وقيام الحرب الأهلية وانفصال "أرض الصومال"، لأنه أتاح لها التخلص من خصم عنيد، ثم إنها استفادت أيضا من الانقسامات في الصومال، وتزايد خطورة حركة الشباب، مما مكنها من إرسال قوات عسكرية تحت راية "حفظ السلام" لتلعب دور المهيمن على الأوضاع هناك.

ومن الماضي إلى الحاضر فإن ما أعلمه يقينا هو أن مصر تتحرك على الأرض لمواجهة التغلغل الإثيوبي الإسرائيلي.

في هذه المنطقة بحكم أنها حيوية وتمس حرية الملاحة وقناة السويس.

إعادة التموضع المصري يمكن رؤيته عبر العديد من المشاهد والمؤشرات من أول التعاون الاقتصادي وصولاً إلى الوجود العسكري.

مصر لا تتحرك في هذا الملف بمفردها، بل بتنسيق واضح مع غالبية الدول المتشاطئة على البحر الأحمر والممثلة في مجلس مشترك خصوصا السعودية، وعنوان التحرك المصري هو: لا يمكن لأي طرف غير مطل على البحر الأحمر أن يفرض كلمته على المشهد، خصوصا أن حصول إثيوبيا على منفذ بحري وعسكري سيخل بتوازن القوى في المنطقة.

مصر لا تمانع إطلاقا في الصيغة الحالية التي تسمح لإثيوبيا بالحصول على وارداتها عبر ميناء جيبوتي، الذي يوفر لها 95% من تجارتها الخارجية ويكلفها 1.5 مليار دولار سنويا.

ظني الشخصي الذي يعتمد على قراءة المشهد وليس تصريحات رسمية، هو أن القاهرة لن تترك إثيوبيا ومن يدعمها تنعم بحرية العمل في الصومال أو عموم منطقة القرن الأفريقي.

هناك علاقات مهمة جدا بين القاهرة وكل من مقديشو وأسمرة، وشهدنا عقد العديد من القمم بين قادة البلدان الثلاثة، وتبادل زيارات على مستوى وزراء الخارجية أكثر من مرة خصوصا في القاهرة وأسمرة وآخرها يوم الأحد الماضي.

ورأينا توقيع اتفاق شراكة ودعم مصري لا يتوقف للصومال ووحدة أراضيه ومؤسساته.

ليس خافيا على أحد وجود تعاون في الصومال بين كل الدول المتضررة من محاولات الهيمنة الإثيوبية على المنطقة، وفي مقدمة هؤلاء مصر والصومال وإريتريا والسودان وربما جيبوتي

شركة "مصر للطيران" افتتحت خطا للعاصمة مقديشو، لكن ما كان لافتا للنظر أكثر هو التوقيع على بروتوكول للتعاون العسكري في أغسطس/آب 2024.

وبعده وصلت طائرتان عسكريتان مصريتان محملتان بالأسلحة والمعدات العسكرية إلى الصومال، وهو ما دفع إثيوبيا وقتها إلى اتهام مصر "بزعزعة الاستقرار في المنطقة".

وفي عام 2025 تم ترفيع علاقات مصر والصومال إلى الشراكة الإستراتيجية الشاملة.

ويوم الأحد الماضي اتفق البلدان على التعاون في شتى المجالات لاسيما الأمنية والتجارية والبنية التحتية، والكهرباء والطاقة المتجددة، وصناعة الدواء، والتصنيع الزراعي والغذائي.

وليس خافيا على أحد وجود تعاون في الصومال بين كل الدول المتضررة من محاولات الهيمنة الإثيوبية على المنطقة، وفي مقدمة هؤلاء مصر والصومال وإريتريا والسودان وربما جيبوتي.

وقد رأينا ذلك عقب القمة الثلاثية المصرية الصومالية الإريترية التي عقدت في أسمرة في أكتوبر/تشرين الأول 2024، وبعدها بدأ التنسيق بين الدول الثلاث يشهد نقلة نوعية حقيقية، إضافة إلى دعم سعودي تركي للتحرك المصري، وهذا التنسيق أو التعاون هدفه الأهم هو مواجهة محور بدأ في التشكل من إسرائيل وإثيوبيا والهند وقد يضم دولا أخرى في المنطقة.

إعلان

مصر صارت عمليا هي الداعم الرئيسي الآن للدولة الصومالية، وقريبا ستصل قواتها المسلحة إلى الصومال في إطار بعثة الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام، بدعوة رسمية من الحكومة الصومالية وموافقة الاتحاد الأفريقي.

وقد بذلت إثيوبيا ومن خلفها إسرائيل وقوى أخرى جهودا كثيرة لمنع وصول القوات المصرية إلى الصومال بحجة أن ذلك سيؤدي لعدم الاستقرار.

الرسالة المصرية الواضحة لإثيوبيا هي: "لن نترككم تواصلون العبث في الصومال وعموم منطقة القرن الأفريقي"

والمثير للدهشة أن القوات الإثيوبية موجودة في الصومال منذ عام 2007، تحت ستار حفظ السلام ومقاومة التطرف والإرهاب، ثم تبين عمليا أنها تسعى للهيمنة، بل وهناك تقارير كثيرة تقول إن القضاء على الإرهاب في الصومال ليس في مصلحة إثيوبيا، لأنه سيعني نهاية دورها.

والأغرب أن الصومال طلبت خروج القوات الإثيوبية، والأخيرة رفضت مدعومة بتهديدات غربية بأنه في حالة إصرار مقديشو على إخراج القوات الإثيوبية والأفريقية، فإن دعم وتمويل هذه القوات سوف يتأثر ولذلك كان لافتا للنظر تشديد وزير الخارجية المصري على أهمية العمل مع الشركاء الدوليين لحشد تمويل كافٍ ومستدام لبعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال.

أما الأكثر غرابة فهو أن إثيوبيا بلد المقر للاتحاد الأفريقي هي التي تبادر للاعتراف بانشقاق إقليم من دولة عضو بالاتحاد، رغم أن هذا التصرف قابل للتكرار في إثيوبيا نفسها.

وهناك تقارير غير مؤكدة بأن القاهرة تبذل جهودا للتقريب بين إريتريا والولايات المتحدة لتمتين شبكة الأطراف المناوئة لإثيوبيا، بعد أن توترت العلاقات على خلفية دعم أسمرة لآبي أحمد في حربه ضد إقليم تيغراي.

الصراع في الصومال لا يتعلق فقط بسيادة هذه الدولة العربية، لكنه صار يعكس صراعا بين طرفين أساسيين الأول معسكر يسعى للحفاظ على الدولة الصومالية موحدة ومستقلة ويضم مصر والسعودية وتركيا وعدد كبير من الدول العربية، والثاني معسكر التفتيت، ليس للصومال فقط، ولكن للسودان ودول أخرى في المنطقة وتلعب فيه إثيوبيا دورا محوريا ومعها إسرائيل وربما الهند.

الرسالة المصرية الواضحة لإثيوبيا هي: "لن نترككم تواصلون العبث في الصومال وعموم منطقة القرن الأفريقي".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink