Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicSep 19, 2026👁 0 views

فيلم "المنزل الأخير".. ماذا يبقى من الأسرة حين تنهار الحضارة؟

فيلم "المنزل الأخير".. ماذا يبقى من الأسرة حين تنهار الحضارة؟

استمعاستمع (8 دقيقة)

حفظ

شارِكْ فيلم "المنزل الأخير".. ماذا يبقى من الأسرة حين تنهار الحضارة؟ على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
الملصق الترويجي لفيلم "المنزل الأخير" The Last House (الجزيرة)
علياء طلعتPublished On 19/9/202619/9/2026|آخر تحديث: 20/9/2026 16:01 (توقيت مكة)آخر تحديث: 20/9/2026 16:01 (توقيت مكة)

تقلصت توقعات الكثير من المتفرجين تجاه أفلام نتفليكس مع مرور السنوات، فالكثير من هذه الأعمال تستند إلى أفكار جذابة، غير أنها لا تنجح في تحويلها إلى تجارب سينمائية مميزة، لذا بدا فيلم "المنزل الأخير" (The Last House) جديرا باهتمام أكبر من المعتاد، وذلك لأنه يجمع بين نجمين رسّخا حضورهما خارج المسار التقليدي للنجومية الهوليوودية: غريتا لي، التي جذبت الأنظار إليها بأدوار تنتمي إلى سينما مستقلة وتجارب تلفزيونية مختلفة، وفاغنر مورا، الذي عرفه الجمهور من خلال أعمال مثل "ناركوس" (Narcos)، ثم في أدوار أكثر طموحا ضمن تجارب سينمائية عالمية.

يقود هذه التجربة لويس لوتيرييه، المخرج الفرنسي الذي انتقل بين أفلام الحركة ذات الميزانيات الضخمة وأعمال التشويق، فيما كتب السيناريو ماثيو روبنسون. فهل نجح "المنزل الأخير" (The Last House) في تقديم فيلم بقاء مختلف فعلا، يوظف نجومه وفكرته وخبرة مخرجه، أم أنه انتهى إلى تجربة أخرى من تجارب نتفليكس التي تبدو واعدة أكثر مما هي عليه؟

نهاية العالم أم نهاية الحضارة؟

يبدأ فيلم "المنزل الأخير" بتوضيح طبيعة حياة العائلة التي تركز عليها الأحداث. الأب جيسون (فاغنر مورا) مهندس يبحث عن عمل بعد فقدانه وظيفته الأخيرة، يحاول تعويض إحباطه في صيد الأسماك، والادعاء بأن كل شيء طبيعي أمام أولاده حتى لا يشعروا بحجم الكارثة الاقتصادية التي تقترب من الأسرة كلما طالت المدة التي يقضيها بعيدا عن سوق العمل.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

على الجانب الآخر، الزوجة آن (غريتا لي) هي القوة التي تحفظ تماسك البيت، تخفف من إحباط الزوج، وتحاول بث الحماسة في أطفالها مع اقتراب احتفالات نهاية العام، وتحافظ على هدوئها وسط فوضى الحياة اليومية والقلق الذي يحيط بأسرة معاصرة تواجه وضعا اقتصاديا عالميا مضطربا.

تجد هذه العائلة نفسها محاصرة بفعل أمطار لا تتوقف، وأبواب ونوافذ يستحيل فتحها، ومع مرور الوقت تواجه الأسرة أخطارا مختلفة، بعضها واقعي، مثل نقص الطعام والماء وتراجع مظاهر الحياة الحديثة، وبعضها الآخر ماورائيّ يكشفه الفيلم بالتدريج.

إعلان

في بداية الأزمة، يحاول جيسون التعامل مع الوضع بمنطق المهندس الذي يستطيع إصلاح كل شيء، وصناعة الأدوات، والبحث عن وسائل لتأمين الطعام. وتمضي 5 سنوات على هذا الصراع من أجل البقاء، تتغير خلالها طبيعة الحياة داخل المنزل، فتزرع آن المحاصيل في المساحة المتاحة، وتعيد الأسرة استخدام الأشياء القديمة، ويتحول المنزل من مساحة للاستهلاك إلى مساحة للإنتاج والاكتفاء الذاتي.

يرسم الفيلم صورة رومانسية للحياة السابقة للثورة الصناعية، فمع غياب الكهرباء والتكنولوجيا تبدو حياة الأسرة شديدة البساطة، وتستعيد الطبيعة حضورها داخل حياة أفراد الأسرة، ونرى من النافذة عالما أكثر جمالا، لكنه في الوقت نفسه عالم أشد قسوة في شروط البقاء، ما يفتح الباب أمام تخيل الحياة بعد انهيار الحضارة كما نعرفها، وإمكان استعادة علاقة أكثر توازنا مع الطبيعة، وإن كانت علاقة أشد خطورة وشروطها أكثر قسوة.

البيت سجن أم مجتمع بديل؟

يمنع الحصار في "المنزل الأخير" العائلة من الخروج، ويعيد في الوقت ذاته تشكيل بنيتها الداخلية، فالمكان المغلق ذو الموارد المحدودة يغير أشكال السلطة داخله. مع مرور السنوات، يصبح البيت مجتمعا مصغرا يعيد إنتاج وظائف العالم الذي انهار بالخارج، فتُزرع المحاصيل، وتُخزَّن الموارد، وتُصنع الأدوات، ويُعاد توزيع العمل وفقا لاحتياجات النجاة، لكنّ هذا النظام الذي يبدو مثاليا على الورق لا يصبح كذلك في الفضاء المنزلي.

ينشغل جيسون بالصيد وابتكار أدوات النجاة، وتكرس آن وقتها لزراعة المحاصيل ورعاية الأطفال وإدارة تفاصيل الحياة اليومية. وهو تقسيم يبدو عمليا، لكنه يعيد أيضا إنتاج صورة تقليدية للأب الصياد الحامي والأم المسؤولة عن الرعاية واستمرار الحياة المنزلية، كما لو أن انهيار الحضارة الحديثة يعيد الأفراد إلى تقسيمات قديمة.

وكلما طال الحصار، أصبح البقاء كهدف يبرر إعادة تنظيم الحياة وفقا لمنطق الضرورة، حتى لو أدى ذلك إلى تضييق مساحة الاختيار الفردي. فجيسون الأب يتعامل مع الخطر كمشكلة تمكن السيطرة عليها بالتخطيط، لكنّ هذا المنطق يكشف حدوده عندما تصبح الكارثة أكبر من مجرد نقص في الموارد أو عطل تقني، فالكائنات في الخارج تمثل خطرا يحتاج إلى تدبير مختلف، يتجاوز قدرات الصياد البدائي من عصور ما قبل التاريخ الذي تحول إليه الأب عندما نُزع عنه رداء الحضارة الحديثة.

يلمح الفيلم إلى أن البقاء لا يتحقق فقط بالقدرة على الصيد أو تخزين الطعام، بل يتطلب إعادة التفكير في العلاقة بالآخر والبيئة وفكرة السيطرة نفسها، سواء السيطرة على الموارد أو أفراد الأسرة، ما يمنح الكارثة معنى مختلفا، ويجعل الأسرة عالقة بين نموذجين: استعادة النظام القديم أو بناء شكل مختلف من الحياة يقوم على التعاون والمرونة، وقد يحمل فرصة للنجاة الحقيقية من سجن البيت وسجن التوقعات المسبقة.

جماليات ما بعد الحضارة

يصور صناع فيلم "المنزل الأخير" انهيار الحضارة عبر مستويين متداخلين: أولهما نقص الموارد وتوقف أنماط الحياة المعتادة، وثانيهما التحول البصري الذي يطرأ على العالم بعدما تتراجع مظاهر الحضارة وتستعيد الطبيعة حضورها.

إعلان

ترجم الفيلم ذلك في النصف الثاني منه عبر تحول بصري واضح، فكلما ابتعدت الأسرة والعالم بأكمله عن مظاهر الحياة الحديثة، تراجعت الإضاءة الصناعية وحضور التكنولوجيا، وحلت الإضاءة الطبيعية مكانهما، وأصبحت الشمس مصدر الإضاءة الأساسي، ودخلت الظلال إلى الغرف، فتغيرت ملامح المكان حسب الوقت والطقس، واكتسبت الصورة السينمائية شكلا أكثر حميمية وانكشافا وهشاشة.

لا يصور الفيلم غياب الحضارة كخسارة مطلقة، فالتخلص من التكنولوجيا يعيد ترتيب علاقة الشخصيات بالزمن والمكان، ويظهر التحول على وجه التحديد في حضور النباتات خارج المنزل وداخله، فهي تمنح البيت حياة جديدة، وتستعيد الطبيعة من خلالها جزءا من المساحات التي انتزعتها الحضارة.

لكنّ هذه الاختيارات البصرية الجذابة لا تعوض ضعف الشخصيات والأداء، فعلى الرغم من ثقل اسمي غريتا لي وفاغنر مورا، لا ينجح الفيلم في توظيف حضورهما لتقديم أداء مقنع. فالشخصيات مكتوبة في شكل وظائف أو أنماط محددة مسبقا: الأب الصياد الحامي، والأم المسؤولة عن الرعاية. ولا يمنح السيناريو أي مساحة حقيقية لأداء جيد للممثلين، أو لشخصيات بالعمق الذي يسمح لهما بإنقاذ الفيلم من التحول إلى عمل متوسط آخر من أعمال نتفليكس، يلفت الانتباه عند طرحه، قبل أن يتراجع سريعا وسط وفرة المحتوى على المنصة.

المصدر: الجزيرة

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink