Categories
التلفزيون يدخل قرنه الثاني.. كيف غيرت الشاشة صناعة الأخبار؟
التلفزيون يدخل قرنه الثاني.. كيف غيرت الشاشة صناعة الأخبار؟
استمعاستمع (9 دقيقة)حفظ
شارِكْ التلفزيون يدخل قرنه الثاني.. كيف غيرت الشاشة صناعة الأخبار؟ على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesفي غرفة ضيقة تعلو متجرا في حي سوهو بلندن، جلس رجل أسكتلندي شاحب الوجه، قليل الحيلة والمال، يراقب جهازا عجيبا صنعه من علب الصفيح، وعدسات الدراجات، ومجموعة من الأسلاك المتشابكة.
وفي 2 أكتوبر/تشرين الأول عام 1925، ظهرت على شاشته البدائية ملامح دمية خشبية، تلاها وجه صبي صغير جلس أمام الكاميرا مقابل بضعة قروش.
قصص مقترحة
list of 2 items- list 1 of 2قانون اشتراكات بريطاني جديد يفرض على الصحف إيقاظ "التنين النائم"
- list 2 of 2175 عاما و5 أجيال.. كيف صمدت نيويورك تايمز في وجه الرؤساء والإنترنت؟
لم تكن هناك نشرات أخبار عاجلة أو ملايين ينتظرون خلف الشاشات؛ بل كان مجرد رجل يحلم بنقل نبض الحياة عبر آلة صماء؛ من تلك الغرفة المنسية انطلقت حكاية شاشة سحرية ستقتحم بيوتنا، لتحمل إلينا وجوه الغرباء، وقسوة الحروب، ولحظات الفرح والحزن الآتية من كل مكان.
عالم ترويه الكلمات وتتخيله العقول
قبل أن يحتكر التلفزيون أنظارنا لاحقا، كانت الأخبار تسافر بخطى متثاقلة عبر مسارات بطيئة. كان الناس يتداولون الحكايات والأنباء في المقاهي والأسواق والساحات العامة، بينما يتطوع المتعلمون لقراءة الصحف بصوت عال لمن لا يجيدون القراءة.
لاحقا، منحت الطباعة البشرية فرصة الغوص في التفاصيل، وسرع التلغراف وصول المعلومات إلى غرف التحرير، ثم جاء الراديو لينقل صوت الحدث مباشرة إلى زوايا منازلنا.
أما الصور المتحركة، فكانت حبيسة دور السينما التي تعرض الجرائد السينمائية بعد أسابيع من وقوع الحدث؛ هنا يقدم لنا التلفزيون خدمة جليلة حين طوى المسافات وجعل المعرفة حقا للجميع، لكنه في المقابل حمل معه فخاخ التلاعب والتسطيح، وحول مآسي البشر إلى مجرد مشاهد تستهلك يوميا.
الصورة تصنع الحدث وتحشد الأمم
منح التلفزيون الأخبار سلطة لم تعرفها الكلمات يوما، فعندما شاهد الأمريكيون دماء جنودهم ومآسي فيتنام على شاشاتهم كل مساء، أطلقوا عليها اسم حرب غرفة المعيشة، وتحولت تلك الصور الموجعة إلى أداة ضغط هائلة على صناع القرار؛ وأصبح للخبر حضور طاغ ومصداقية تجعل المشاهد يشعر وكأنه يقف في قلب الحدث.
إعلانلكننا أدركنا بمرور الوقت أن الصورة لا تروي دائما الحقيقة الكاملة؛ فزاوية التصوير، واقتطاع المشهد، ونبرة المعلق، كلها أدوات قادرة على قلب المعنى رأسا على عقب، لتصبح مسؤولية الصحفي هي اختيار ما يجب أن تراه عين الكاميرا، وما يجب أن تتجاهله.
وقد نجحت هذه الشاشة في توحيد ملايين البشر حول لحظات فارقة؛ ففي عام 1969 تسمر نحو 650 مليون إنسان لمشاهدة خطوة نيل أرمسترونغ على سطح القمر. وتشاركت الشعوب دموعها في جنازة كينيدي، وحبست أنفاسها أمام خطابات الزعماء والمباريات الكبرى؛ هكذا خلق التلفزيون ذاكرة بصرية مشتركة تصنعها لحظة بث واحدة تجمعنا معا.
سباق الزمن ولعنة الخبر العاجل
مع تسارع وتيرة الحياة، تغير إيقاع الأخبار تماما؛ وكانت البداية الحقيقية لهذا التحول مع إطلاق شبكة "سي إن إن" كأول قناة إخبارية لا تنام في عام 1980، ثم تغطيتها الحية لحرب الخليج من بغداد عام 1991.
لم يعد المشاهد مضطرا لانتظار نشرة المساء ليعرف ما يجري، وصار الخبر العاجل هو سيد الشاشة، وهو النهج الذي عمّقته شبكة الجزيرة منذ انطلاقتها في منتصف تسعينيات القرن الماضي.
أجبر هذا التحول المؤسسات الإعلامية على الاستنفار الدائم، ونشر مراسلين في كل مكان يلاحقون الأحداث ثانية بثانية والأفضلية لمن سبق.
ورغم أن هذا التطور جعلنا على تماس مباشر مع الأزمات، فإنه وضع غرف الأخبار تحت ضغط خانق؛ كيف يسبقون المنافسين دون التضحية بالدقة؟ وكيف يملؤون ساعات البث الطويلة دون أن تنزلق تغطياتهم إلى مستنقع الشائعات والتكهنات؟
الجزيرة.. صوت عربي يعبر إلى العالم عبر التلفزيون
في 1 نوفمبر/تشرين الثاني 1996، انطلقت قناة الجزيرة من الدوحة، حاملة وعدا بفتح الشاشة أمام "الرأي والرأي الآخر"، وإعطاء المشاهد العربي مساحة أوسع لفهم الأحداث ومناقشتها.
قدمت نشرات وحوارات كسرت رتابة الإعلام الرسمي، وأتاحت لأصوات متعارضة اللقاء أمام الجمهور، وبرز تميزها في التغطية الميدانية، خصوصا خلال حرب أفغانستان عام 2001 وغزو العراق عام 2003، حين أصبحت تقاريرها وصورها مصدرا لشبكات عالمية.
لم يكن تأثيرها في سرعة نقل الخبر وحدها، بل في تقديم رواية تنطلق من المنطقة وتضع قضاياها في صدارة الاهتمام، وبذلك وسّعت حضور الصحافة العربية عالميا، ورفعت سقف المنافسة، وجعلت المراسل القريب من الحدث أحد أبرز عناصر قوتها وهويتها.
شاشات في خنادق الحرب الباردة
أدرك قادة المعسكرين الشرقي والغربي سريعا أن شاشة التلفزيون هي ساحة معركة لا تقل خطورة عن ميادين القتال. ففي عام 1959 تحول نقاش عابر بين ريتشارد نيكسون ونيكيتا خروتشوف في "مناظرة المطبخ" بمعرض في موسكو إلى استعراض تلفزيوني مبهر للتفوق الأمريكي تم تصويره بتقنية الفيديو الملون الحديثة؛ في المقابل، رد السوفيات بنشرة "فريميا" التي تحولت إلى بوق رسمي يلمع إنجازات الدولة الاشتراكية.
إعلانوفي ألمانيا المنقسمة، بلغت حرب الشاشات ذروتها، فكان التلفزيون الشرقي يعرض مقاطع من جاره الغربي ليسخر منها، بينما يشن الغرب هجوما مضادا لفضح عيوب الشيوعية.
وحتى عندما حاولت واشنطن اختراق كوبا عبر تلفزيون مارتي في التسعينيات، اصطدمت بتشويش كوبي عنيد جعل البث بلا قيمة، ليثبت التاريخ أن الدعاية تقف عاجزة عندما تفقد السيطرة على موجات الأثير.
من سلطة البث إلى مزاج المشاهد
ليست كل الابتكارات التلفزيونية كُتِبت لها النجاة، حتى نظام بيرد الميكانيكي الذي انطلقت منه الشرارة الأولى، تخلت عنه بريطانيا سريعا لصالح تقنيات أوضح؛ وتهاوت شبكات كبرى مثل دومونت الأمريكية تحت وطأة الديون رغم ريادتها، لتؤكد أن التفوق التقني وحده لا يضمن البقاء.
ومع انفجار ظاهرة تلفزيون الواقع، لم تعد الشاشة حكرا على النجوم، بل فتحت ذراعيها لحكايات الناس العاديين وصراعاتهم اليومية وهو ما جذب شريحة جديدة.
ثم جاء زلزال المنصات الرقمية مثل نتفليكس ويوتيوب ليدمر احتكار جدول البث التقليدي حيث لم يعد أحد يهرول إلى منزله ليلحق بحلقته المفضلة؛ بل أصبح المشاهد هو سيد قراره، يختار ما يراه ومتى يراه.
نقلت المشاهدة عند الطلب زمام المبادرة من القناة إلى الفرد، وأضعفت دفء المشاهدة العائلية لتستبدل بها تجارب فردية منعزلة؛ لكن الحقيقة أن سلطة المنصات ما زالت قائمة في الخفاء، فهي التي تقترح وترتب وتوجه خياراتنا عبر خوارزميات ذكية تدرس سلوكنا باستمرار.
مستقبل تصوغه الخوارزميات
بعد مرور قرن على تجارب بيرد الأولى، لا يبدو أن التلفزيون يموت، بل يغير جلده، وستظل الشاشة رفيقتنا لكن طرق الوصول إليها تتفرع وتتطور؛ فقنوات الأمس تتحول اليوم إلى مكتبات رقمية وتطبيقات ذكية، تندمج مع الإنترنت لتقدم تجربة أوسع.
ورغم هذا التحول، تبقى الصحافة الموثوقة والقدرة على نقل الحدث الحي، كالمباريات الرياضية والأخبار العاجلة، هي طوق النجاة الحقيقي للبث التقليدي.
أما الثورة المقبلة فتستهدف المشاهد نفسه، ليتحول من متلق سلبي إلى مشارك يصنع مسار القصة، كما رأينا في بعض الأعمال التفاعلية. وهنا يتدخل الذكاء الاصطناعي ليفتح أفقا جديدا، لا يقتصر على اختيار النهايات، بل يمتد لتوليد عوالم وصور تتفاعل معنا في اللحظة ذاتها.
ومع هذه القفزات التقنية المذهلة يظل التحدي الأكبر في عالم الأخبار أن يقتصر التخصيص على طريقة العرض، لا على تزييف الحقائق أو تفصيلها على مقاس رغبات المشاهد.
ويبقى أن الاختبار الحقيقي للمستقبل سيكون في حماية الدقة والخصوصية، كي لا نجد أنفسنا محاصرين داخل شاشات لا تعكس سوى ما نود رؤيته، بدلا من أن ترينا العالم كما هو.
المصدر: الجزيرةشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylink