Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicJun 29, 2026👁 0 views

إعادة تدوير المواد الخام.. هذه تكلفة بناء غرفة في غزة

إعادة تدوير المواد الخام.. هذه تكلفة بناء غرفة في غزة

استمعاستمع (12 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylinkplay videoplay videoمدة الفيديو 03 دقيقة 51 ثانية play-arrow03:51إسراء طارق الرمليPublished On 29/6/202629/6/2026|آخر تحديث: 11:31 (توقيت مكة)آخر تحديث: 11:31 (توقيت مكة)

غزة- كان الشاب الفلسطيني أسامة باسل (30 عاما) يستعد للزواج، وأقصى حلمه غرفة صغيرة تمنحه بداية مختلفة عن خيمة النزوح في قطاع غزة، التي عاشت فيها عائلته قسوة الحر وانتشار القوارض والحشرات.

أراد باسل أن يبدأ حياته تحت سقف ثابت، ولو في مساحة ضيقة مكان منزل عائلته المدمر والذي بني على أربع طبقات.

إلى البيت المدمر في مخيم النصيرات، رافقت الجزيرة نت أسامة حيث اختار مساحة صغيرة تقارب 20 مترا مربعا فقط، بحجم غرفة واحدة تكفي لبداية زواجه، على أن يستكمل ما حولها بالشادر ونظام الخيمة.

محمد كِشكو يعجز عن شراء مواد بناء أو دفع كلفة إزالة ركام منزله المدمر (الجزيرة).

أما محمد كِشكو (42 عامًا) فيقف أمام امتحان أبوي قاسٍ منذ اللحظة الأولى لولادة طفلته قبل يومين، في مكان مفتوح على كل ما يهدد جسدًا حديث الولادة؛ حشرات تتسلل مع الليل، وقوارض تجوب أطراف الخيمة، وهواء متقلب يحمل البرد حينًا والغبار حينًا آخر.

يحاول محمد أن يصنع حول رضيعته دائرة أمان صغيرة داخل قماش مهترئ، يرفع الغطاء عنها خشية الحر ويعيده خشية البرد، فيما تبقى عيناه معلقتين بزوايا الخيمة خوفًا من حشرة تقترب أو فأر يعبر قرب فراشها.

بالنسبة له، تحولت الخيمة إلى مساحة قلق يومي، خصوصًا مع طفلة تحتاج إلى دفء ونظافة وهدوء، بينما تحاصرها بيئة النزوح بكل ما فيها من هشاشة وخطر.

وأمام عجزه عن شراء مواد بناء أو دفع كلفة إزالة الركام، بدأ كشكو ينتشل بعض الحجارة من بيته المهدم بيديه، حجرًا بعد آخر، في محاولة لإنقاذ أسرته بما يستطيع.

يبحث بين الأنقاض عن قطع تصلح لبناء سور قصير حول الخيمة، علّه يمنح زوجته وطفلته حدًا بسيطًا من الحماية، ويفصل فراش المولودة عن الحشرات والقوارض ومسارات الريح والغبار.

رأفت كِشكو أمام معدات تجريف وحفر توقفت لأن تكلفتها التشغيلية عالية جدا (الجزيرة)

هذه المساحة المحدودة كشفت لأسامة حجم الفاتورة القاسية، فإزالة الركام تحتاج آليات تعمل أكثر من 10 أيام، بسبب كثافة الأنقاض وتشابك الخرسانة والحديد داخلها.

إعلان

توقف أسامة عند أول خطوة وقبل أن يصل مرحلة شراء حجر البناء والإسمنت، فتكلفة إزالة ركام تلك المساحة الصغيرة تجاوز 40 ألف دولار، ما حوّل حلم الغرفة إلى عبء يفوق قدرته، فعاد إلى الخيمة حيث تعيش عائلته في خوف يومي.

تختصر تجربته مأزق عائلات كثيرة في غزة، إذ تحضر الحاجة إلى البناء والرغبة في الخروج من الخيمة، ولكن طريق الوصول إلى أول حجر يبدأ بفاتورة ثقيلة.

بدوره، يقف الشاب رأفت كِشكو وسط مساحة يغمرها الغبار والحجارة، وإلى جواره جرافة ثقيلة تتصدر المشهد بواجهة معدنية ضخمة، وخلفه آلية أصغر وخيام نزوح متلاصقة بين بقايا الأبنية المهدمة.

يوضح الشاب أن إزالة الركام في غزة عملية معقدة، تبدأ بمعاينة الموقع لتقدير حجم الأنقاض، وطبيعة المبنى المنهار، وحجم الكتل الخرسانية الثقيلة، وحالة الأعمدة المكسورة، ودرجة تشابك الحديد داخل الخرسانة، وخطورة الجدران الآيلة للسقوط، إضافة إلى المسارات التي تسمح بدخول المعدات وخروج سيارات النقل.

تشغيل ما يصلح من الجرافات يحتاج لمبالغ مالية كبيرة تقدر بآلاف الدولارات (الجزيرة)

حسبة لا بد منها

معاينة الركام خطوة مهمة لتحديد عدد ساعات العمل، ونوع الآليات المطلوبة، وعدد العمال، وحجم المخاطر المحيطة بالموقع. وفي الحد الأدنى، تحتاج عملية رفع الركام إلى 3 معدات رئيسية؛ آلة تكسير الكتل الخرسانية وسحب الحديد المتداخل، وباقر (آلية حفر) لرفع الأنقاض وتقليبها وتجميعها، وسيارات نقل لتحميل الركام وترحيله.

كل آلية يلزمها مشغّل محترف، فيما يشتغل عمال على الأرض في الفرز والتوجيه ومتابعة حركة المعدات وسط طرق متضررة وبقايا مبانٍ مهدمة وخيام قريبة من مواقع العمل.

تبدأ الكلفة من تشغيلها؛ فالآليات تستهلك كميات كبيرة من وقود السولار (الديزل) خلال اليوم، وتحتاج زيوتا وفلاتر وصيانة مستمرة، وغيرها.

"تصل كلفة تشغيل كبّاش (آلة التكسير) وسيارة نقل وباقر إلى نحو 6 آلاف دولار في اليوم الواحد، ومع عمل يمتد 10 أيام ترتفع الكلفة إلى نحو 60 ألف دولار، و"هي فاتورة تسبق شراء أول حجر أو كيس إسمنت أو سيخ (قضيب) حديد"، يقول كشكو.

يضيف أن الفاتورة تزداد مع طبيعة ركام الحرب؛ فالأنقاض الناتجة عن القصف تتحول إلى خليط كثيف من خرسانة وحديد وأخشاب وزجاج وأنابيب وأثاث وتراب، ويحتاج العاملون إلى فرز هذه المواد بعناية، فبعض الحجارة تُنتشل للاستخدام، والحديد يُسحب ويُباع أو يُطرق ويقوّم من جديد، فيما تُرحَّل الكتل الخرسانية والتراب إلى مواقع أخرى.

وبعد رفع الركام، تبدأ مرحلة انتشال الحجارة الصالحة لإعادة الاستخدام من بين الأنقاض وفرزها يدوياً، يقول خالد رحمي، وهو جاثٍ على الأرض وسط غبار كثيف، يمسك أداة تنظيف صغيرة ويعمل على حجر مستخرج من الركام، وإلى جواره كومة حجارة متفاوتة الأحجام، بعضها مكسور الحواف، وأخرى تحمل آثار الخرسانة القديمة.

خلفه أكوام من البلاط والحجارة والحديد والخردة، ويوضح أن الحجارة التي يحصل عليها من الردم تمر بمرحلة تنظيف وفرز واستصلاح، مع بقاء 40% فقط من جودتها، نتيجة تعرضها للضغط والكسر والرطوبة وبقايا الخرسانة أثناء انهيار المباني.

إعلان

يصف رحمي هذه الحجارة بأنها مادة محدودة الاستخدام، تصلح غالباً لإحاطة الخيام ومنع دخول القوارض، أو لإقامة جدران خفيفة حول مساحة سكنية اضطرارية، في حين تحتاج البيوت المستقرة إلى مواد متماسكة وأعمدة وخرسانة وحزام إنشائي.

ويبين أن سعر الحجر المستصلح ارتفع عدة مرات خلال الحرب؛ فالحجر الواحد الذي كان يباع سابقاً بقرابة شيكلين (نحو 0.67 دولار)، يبدأ اليوم من 6 (نحو دولارين) وقد يصل إلى 8 شواكل (نحو 2.67 دولار) للحجر الواحد.

وفي حالات أخرى، يشتريه العامل من الركام بنحو 4 شواكل (نحو 1.33 دولار)، ثم يدخل مرحلة التنظيف وإزالة بقايا الإسمنت مع احتمال تعرضه للكسر أثناء العمل بسبب ضعفه، وهو ما يرفع التكلفة ويقلل الكمية القابلة للاستخدام.

خالد رحمي: غرفة واحدة تحتاج إلى نحو 1000 حجر وترتفع الحاجة إلى 2500 فأكثر عند إضافة مطبخ وحمام (الجزيرة)

وبحسب رحمي، "تحتاج غرفة واحدة إلى نحو 1000 حجر، وترتفع الحاجة إلى 2500 حجر فأكثر عند إضافة مطبخ وحمام. وعند احتساب سعره بـ8 شواكل (نحو 2.67 دولار)، تصل كلفة الحجارة وحدها إلى نحو 20 ألف شيكل (نحو 6667 دولارا)".

ويرى أن الحديث عن غرف واسعة أو بناء يتجاوز غرفتين بهذه المواد يدخل في كلفة ثقيلة ومخاطرة ميدانية، لأن الحجر المستصلح يحتاج طينا لتثبيته وحفظ تماسكه وحماية الساكنين من تهاويه، وهو غير متوفر.

ويمتد الاستصلاح إلى البلاط أيضًا؛ إذ تُنتشل بعض البلاطات من الركام، وتُنظف من بقايا الإسمنت والطين، ثم تُفرش فوق طبقة رمل وتُحبس أطرافها بالطين. ويصل سعر البلاطة المحلية المستصلحة إلى نحو شيكل ونصف (نحو 0.5 دولار)، ويحتاج كل متر مربع إلى 16 بلاطة، أي إن مساحة 25 مترا مربعا تحتاج إلى نحو 400 بلاطة، بكلفة تقارب 600 شيكل (نحو 200 دولار) للبلاط وحده.

ثم تأتي عقدة الإسمنت الذي يفترض أن يمنح الجدار تماسكه والخرسانة قوتها. لكن في غزة، تحولت هذه المادة إلى واحدة من أغلى حلقات البناء وأكثرها حساسية، مع انتشار الإسمنت المتحجّر أو المعاد تدويره من ككتل قديمة جرى استخراجها من الركام، ثم تكسيرها ومعالجتها في ورش بدائية أو داخل خيام عائلية.

الحجارة المستخرجة من الردم تمر بمرحلة تنظيف وفرز واستصلاح وتبقى جودتها أقل من الحجر الأصلي (الجزيرة)

ويوضح صانع الإسمنت المعاد تدويره، إبراهيم أبو جبل، أن الإسمنت المتاح في السوق اليوم خرج في جزء واسع منه من دورة إعادة تدوير قسرية، بعد تحجّره وفقدانه جزءًا كبيرًا من خواصه الأصلية.

فالإسمنت الذي كان يباع قبل الحرب في كيس وزنه 50 كيلوغراما بنحو 10 دولارات، يبلغ سعر الكيلوغرام الواحد منه 10 دولارات، وهي قفزة تجعل كلفة البناء خارج قدرة معظم العائلات التي تبحث عن غرفة صغيرة أو مأوى مؤقت.

ويمثل الإسمنت المادة الرابطة بين الرمل والحصى في أعمال الخرسانة، وعنصر التماسك في القصارة والتشطيبات، ومع تحجّره وتعرضه للتخزين الطويل والرطوبة والظروف القاسية، تتراجع كفاءته بشدة، وتصبح استخداماته محدودة في أعمال داخلية بعيدة عن المياه والرطوبة، مثل بعض التشطيبات أو التثبيت الخفيف، مع حاجة أي استخدام إنشائي إلى إسمنت أصلي قادر على منح الخرسانة قوتها المطلوبة.

وتكشف تجربة إعادة تصنيعه داخل غزة حجم الاضطرار؛ إذ تبدأ العملية بجمع كتل الإسمنت المتحجّر من بين الركام، ثم تكسيرها يدويًا، وتحميصها (تسخينها) على ألواح معدنية فوق النار، وبعد ذلك غربلتها بأدوات بسيطة للحصول على مسحوق قابل للبيع.

هذه المراحل تمنح المادة شكل الإسمنت، بينما تبقى خواصها الهندسية محدودة، خاصة في أعمال الأعمدة والأسقف والخرسانة المسلحة التي تحتاج مادة مضمونة الصلاحية والقوة.

إعلان

وتشير المعطيات الفنية -بحسب أبو جبل- إلى أن صلاحية الإسمنت في الظروف الطبيعية تصل إلى نحو 6 أشهر، في حين أصبح المتحجّر منه في غزة بعيدًا عن خصائصه الأصلية، وتتراجع كفاءته إلى نحو 20% فقط.

يبين أبو جبل أن بناء الغرفة الواحدة يحتاج نحو 7 أكياس يوميا بأوزان تتراوح بين 25 و70 كيلوغراما، ويصل سعر الكيس الكبير إلى نحو 200 دولار، ما يعكس عمق أزمة المادة الأساسية في البناء.

حسن الدلو: البناء في غزة يجري اليوم ضمن ظروف استثنائية قلبت حسابات المهنة بالكامل (الجزيرة)

بناء بعيدا عن الهندسة

من جهته، يرى المهندس المعماري، حسن الدلو، أن البناء في غزة يجري اليوم ضمن ظروف استثنائية قلبت حسابات المهنة بالكامل، فالمساحات السكنية التي اعتاد المهندسون التعامل معها قبل الحرب، والتي كانت تصل في بيوت كثيرة إلى أكثر من 250 مترا مربعا موزعة على طوابق، كانت تكلف قرابة 55 ألف دولار.

بينما قد تصل كلفة المساحة ذاتها اليوم إلى نحو 600 ألف دولار بفعل تضخم مراحل العمل منذ الخطوة الأولى، المتمثلة في إزالة الركام، وتوفير المواد، ثم البحث عن إسمنت وخشب وحديد وزجاج وألومنيوم.

ويضع الدلو إزالة الركام في مقدمة البنود المكلفة، لأنها تسبق أي عمل هندسي أو معماري، إضافة إلى الزجاج والألومنيوم، وهما من المواد التي يصعب تعويضها أو تدويرها بالمرونة ذاتها التي يحدث بها التعامل مع الحديد، رغم أن الحديد المستخرج من الركام يكون قد فقد جزءًا واسعًا من خصائصه الإنشائية.

ويشير الدلو إلى أن المواد المتاحة في السوق يجري استخدامها أكثر من مرة، ما يجعل البناء القائم عليها أقرب إلى حلول اضطرارية منه إلى إعمار حقيقي بمواصفات آمنة، فالمشكلة، وفق تقديره، تتجاوز ارتفاع الأسعار إلى سؤال الجودة والعمر الافتراضي والسلامة.

لذا يشدد على حاجة غزة إلى إعمار حقيقي قائم على مواد مطابقة للمواصفات، ورقابة هندسية، وخطة واضحة، لأن الغرفة التي تُبنى اليوم من مواد مُنهكة قد تمنح العائلة مأوى سريعًا، ثم تترك فوق الجدران والأسقف مخاطر مؤجلة.

معدات وآليات ثقيلة تستخدم في إزالة الردم متوقفة لأن تكلفتها التشغيلية عالية جداً (الجزيرة)

 

رفع الركام يحتاج إلى 3 معدات رئيسية وهي كبّاش وآلية حفر وسيارات نقل لتحميل الركام وترحيله (الجزيرة)

 

أجزاء من آليات رفع الركام في غزة والتي توقفت بفعل التكلفة العالية لتشغيلها (الجزيرة)

 

الآليات إضافة للوقود والتصليح وغيره تحتاج إلى مشغلين محترفين للعمل عليها (الجزيرة)

 

جرافة متوقفة عن العمل تتطلب إعادة تشغيلها مبالغ عالية تقدر بنحو 6000 دولار في اليوم الواحد (الجزيرة)

 

خالد رحمي: تصل كلفة الحجارة وحدها إلى نحو 20 ألف شيكل لبناء غرفة واحدة (الجزيرة)

 

حسن الدلو: غزة تحتاج إلى إعمار حقيقي قائم على مواد مطابقة للمواصفات ورقابة هندسية وخطة واضحة (الجزيرة)
مراسلو الجزيرةسياسة|فلسطين