Middle East in Arabic📡 Al Jazeera ArabicJul 7, 2026👁 0 views

مدققو الحقائق في مواجهة الذكاء الاصطناعي.. الحقيقة تبحث عن تمويل وحلفاء

مدققو الحقائق في مواجهة الذكاء الاصطناعي.. الحقيقة تبحث عن تمويل وحلفاء

استمعاستمع (7 دقيقة)

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes
تجمع المئات من مدققي الحقائق في ليتوانيا لمناقشة عمليات التأثير الروسي (مؤتمر IFCN )
Published On 7/7/20267/7/2026

لم تعد معركة تدقيق الحقائق تدور فقط حول خبر كاذب على منصة اجتماعية، أو صورة مفبركة، أو ادعاء سياسي يحتاج إلى تفنيد، ففي مؤتمر غلوبال فاكت 2026، الذي عقد في العاصمة الليتوانية فيلنيوس، بدا أن القطاع يقف أمام معادلة أكثر تعقيدا: تهديدات تضليلية أكثر تطورا بفضل الذكاء الاصطناعي، وتمويل أقل، ومنصات كبرى تتراجع عن دعم التدقيق المهني.

وكشف أندرو ديك، في تقرير نشره مختبر نيمان للصحافة، أن مئات من مدققي الحقائق اجتمعوا في فيلنيوس في المؤتمر السنوي للشبكة الدولية لتدقيق الحقائق، التابعة لمعهد بوينتر، لمناقشة عمليات التأثير الروسية، وتسميم النماذج اللغوية الكبرى، وسبل بقاء مؤسسات التدقيق في ظل أزمة تمويل متفاقمة.

كانت ليتوانيا، بما تمثله من موقع حساس على تخوم الفضاء الروسي، أكثر من مجرد مكان لاستضافة المؤتمر، فقد قال وزير الدفاع الوطني الليتواني روبرتاس كاوناس في افتتاح الفعالية إن المشاركين يحضرون إلى مدينة تواجه الحرب الإدراكية على أرض الواقع، مشددا على أن الإعلام بات بنية تحتية ديمقراطية لا تقل أهمية عن الدفاع الجوي أو المدفعية، هذه العبارة لخصت المزاج العام للمؤتمر: الحقيقة لم تعد نشاطا تحريريا جانبيا، بل جزء من أمن المجتمعات الديمقراطية.

لكن هذا الدور يتسع في وقت تضيق فيه الموارد، فقد تعرضت منظمات تدقيق الحقائق لضربتين متتاليتين، بعد وقف تمويل كانت تحصل عليه من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ثم تراجع ميتا عن برنامجها لتدقيق الحقائق عبر أطراف ثالثة في الولايات المتحدة، مع توجه أوسع داخل شركات التكنولوجيا إلى استبدال التدقيق المهني بما يعرف بـملاحظات المجتمع المعتمدة على مساهمات المستخدمين.

ولم يكن غياب شركات التكنولوجيا الكبرى عن المؤتمر تفصيلا هامشيا، فبينما اعتادت ميتا وغوغل المشاركة بوفود في مثل هذه الفعاليات، لم يحضر هذا العام بوفد واضح سوى تيك توك.

إعلان

وعلقت أنجي دروبنيك هولان، مديرة الشبكة الدولية لتدقيق الحقائق، بأن الرياح السياسية تغيرت فتغير معها دعم المنصات، مؤكدة أن تدقيق الحقائق ليس رقابة ولا عملا حزبيا.

وتكشف الأرقام حجم الأزمة، فبحسب تقرير حالة مدققي الحقائق، زادت 62% من المؤسسات التي شملها الاستطلاع جماهيرها في عام 2025، لكن 22% فقط قالت إن وضعها المالي مستدام.

بعبارة أخرى، هناك جمهور أكبر للحقائق، لكن لا توجد موارد كافية لإنتاجها وحمايتها. لذلك برز في المؤتمر سؤال بقاء القطاع: هل يكفي نموذج المنح لإنقاذ مؤسسات تواجه خصوما ممولين وأدوات آلية رخيصة؟

ناقش المؤتمر ما يسميه بعض الباحثين تسميم النماذج اللغوية الكبرى(مؤتمر IFCN )

قدمت بعض المؤسسات إجابات عملية، فقد طورت منظمة تشيكيادو الأرجنتينية أداة تفريغ صوتي بالذكاء الاصطناعي مخصصة للإسبانية، وبدأت بيعها كخدمة بهدف تغطية جزء من ميزانيتها.

أما "أفريكا أنسنسرد" الكينية، فتمزج بين التمويل الخيري والشراكات التجارية وترخيص المواد الأرشيفية، بما يتيح لها إبقاء موقعها المخصص لتدقيق الحقائق مجانيا، هكذا لم يعد النقاش عن الاستقلال التحريري منفصلا عن سؤال الاستدامة المالية، بل صار الاثنان شرطين متلازمين.

في المقابل، يزداد التهديد التقني تعقيدا، فقد ناقش المؤتمر ما يسميه بعض الباحثين تسميم النماذج اللغوية الكبرى، أي إغراق الإنترنت بمقالات وسرديات مضللة على أمل أن تمتصها أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي وتعيد إنتاجها في إجاباتها.

ووأشار متحدثون إلى مثال شبكة برافدا الروسية، التي تضم أكثر من 180 موقعا، وتتهم بنشر محتوى مضللا بلغات عدة، في محاولة للتأثير في طبقات المعلومات التي تتغذى عليها النماذج أو تعود إليها عبر البحث الآني.

وأوضح الباحث الفنلندي بيكا كالليونييمي أن ساحة المعركة المقبلة ليست فقط شبكات التواصل، بل أدوات مثل تشات جي بي تي وكلود، حيث يدور صراع السرديات داخل الإجابات نفسها، فالسؤال لم يعد: هل تنتشر المعلومة الكاذبة؟ بل صار أيضا: هل تتحول هذه المعلومة إلى جزء من معرفة آلية تبدو محايدة للمستخدم؟

يؤكد المؤتمر أن تدقيق الحقائق ليس رقابة ولا عملا حزبيا يتأثر بالتغيرات السياسية (مؤتمر IFCN )

ولمواجهة ذلك، عرض مختبر غازيتا أداة أيداس التجريبية لمقارنة تحيز النماذج اللغوية الكبرى، وتتيح الأداة اختبار السؤال نفسه على نماذج تجارية عدة، ثم ترميز الإجابات وفق معايير مثل تنوع المصادر والحياد والميل إلى منظور سياسي.

وقد استخدمتها منظمة "فكت نامه" الفارسية لتحليل سرديات الحرب الأمريكية الإيرانية في نماذج مختلفة، وخلصت إلى أن بعض النماذج تميل إلى عكس تحيزات السؤال، بينما يدفع بعضها الآخر ضد الصياغات الأيديولوجية ويستند إلى مصادر أكثر تنوعا.

أما الخلاصة الثالثة للمؤتمر فكانت أن التضليل العابر للحدود لا يمكن مواجهته بأدوات محلية فقط، فقد شدد صحفيون من إستونيا والمجر وليتوانيا وبولندا على أن الحملات الروسية لا تتعامل مع كل دولة كهدف منفصل، بل كجزء من مسرح أوسع.

لذلك تصبح التحقيقات العابرة للحدود، والنشر المشترك، وتبادل الخبرات، وبناء موارد مركزية، أدوات ضرورية لا تقل أهمية عن مهارات التحقق الفردية.

التضليل العابر للحدود لا يمكن مواجهته بأدوات محلية فقط  (مؤتمر IFCN )

ومن الهند، قدمت وحدة تحليل التزييف العميق نموذجا عمليا لهذا التعاون، إذ تتيح لمنظمات تدقيق الحقائق المعتمدة إرسال مواد صوتية ومرئية مشتبه في توليدها أو التلاعب بها بالذكاء الاصطناعي، ثم تنشر نتائج التحليل ومنهجيته بشكل مفتوح، وقد توسع دور الوحدة ليشمل دعما لغرف أخبار في جنوب شرق آسيا واليابان وجورجيا.

إعلان

في النهاية، بدا غلوبال فاكت 2026 كأنه مؤتمر عن مستقبل الحقيقة لا عن تدقيق الأخبار فقط، فالقطاع مطالب بأن يحمي المجال العام من التضليل، وأن يفهم تحيزات النماذج الذكية، وأن يبني اقتصادا قابلا للبقاء، وأن يتعاون عبر الحدود، وكما قال أحد المشاركين: إذا كان صناع التضليل يتعاونون، فعلى من يدافعون عن الحقيقة أن يتعاونوا أيضا.

المصدر: نيمان لاب (Nieman Lab)

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink