Categories
إيران واتفاق لبنان وإسرائيل.. قراءة في ربط الانسحاب بسلاح حزب الله
إيران واتفاق لبنان وإسرائيل.. قراءة في ربط الانسحاب بسلاح حزب الله
استمعاستمع (11 دقيقة)حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesأعاد الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل ملف سلاح حزب الله إلى واجهة النقاش الإيراني، بعدما ربطت بنوده الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من جنوب لبنان بالتحقق من نزع سلاح "الجهات غير الحكومية"، وفي مقدمتها حزب الله.
ونقلت رويترز أن الاتفاق، الذي جرى بوساطة أمريكية ووقّعه سفيرا لبنان وإسرائيل في واشنطن، يتضمن انسحابا إسرائيليا مشروطا من جنوب لبنان، مقابل التحقق من نزع سلاح الجهات غير الحكومية.
كما أوردت أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أشاد بالاتفاق، قائلا إنه يسمح باستمرار الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان إذا لم ينزع حزب الله سلاحه.
وفي السياق نفسه، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن "لا انسحاب دون نزع السلاح"، في حين رفض الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم الاتفاق، واعتبره "منعدما" و"مذلا" و"تنازلا عن السيادة"، وقال إن ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح الحزب يتجاوز "كل الخطوط الحمراء".
وبعد يومين من الإعلان عن الاتفاق، قالت إسرائيل إنها دمرت بنية تحتية تحت الأرض تابعة لحزب الله في بلدة مجدل زون جنوبي لبنان.
ونقلت رويترز أن العملية استهدفت نفقا بطول 200 متر يحتوي على أسلحة ومنصات إطلاق صواريخ، وأن واشنطن أُبلغت مسبقا بالعملية. ووصف حزب الله الضربات الإسرائيلية بأنها "خرق فاضح" لوقف إطلاق النار.
تأتي هذه التطورات بعد تفاهم إيراني-أمريكي تحدث عن وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان.
ونقل موقع أكسيوس عن مصادر أمريكية وإسرائيلية ولبنانية أن أحد دوافع محادثات الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي تقليص نفوذ إيران وحزب الله في لبنان.
إعلانوانتقد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، وهو حليف رئيسي لحزب الله، الاتفاق ووصفه بأنه "إملاءات"، محذرا من أنه قد يثير انقسامات داخلية لبنانية. وقال إن التقدم الحقيقي بشأن الانسحاب الإسرائيلي من لبنان لا يتحقق إلا عبر المفاوضات الأمريكية-الإيرانية.
ولم يصدر حتى الآن موقف رسمي إيراني تفصيلي من الاتفاق، لكن مداخلات خبراء إيرانيين للجزيرة نت تقدم قراءات مختلفة لموقع حزب الله في الحسابات الإيرانية، ولحدود قبول أي نقاش حول سلاحه.
يرى الخبير الإيراني المختص بالعلاقات الإيرانية-اللبنانية محمد خواجوئي أن إستراتيجية الردع الإيرانية خلال العقدين الماضيين ارتكزت على ثلاث ركائز، هي البرنامج الصاروخي والطائرات المسيّرة، والعتبة النووية، وشبكة الحلفاء المعروفة بـ"محور المقاومة".
ويقول خواجوئي للجزيرة نت إن الهجوم الأمريكي على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران الماضي "أطاح فعليا بفكرة أن الاقتراب من العتبة النووية، أي تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%، كافٍ لخلق قوة ردع حقيقية لإيران".
ويضيف أن إسرائيل، بعد عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخلت في محاولة لتصفية الحساب مع محور المقاومة بقيادة طهران، و"نجحت إلى حد بعيد في هذا المسعى".
ووفق خواجوئي، فإن إضعاف حزب الله وحماس، وسقوط نظام بشار الأسد، أدى إلى "تداعي الركيزة الثالثة في معادلة الردع الإيراني".
لكنه يضيف أن حزب الله، رغم أنه فقد في الظروف الراهنة دوره كأداة ردع مباشرة، "لا يزال يمثل رأسمالا إستراتيجيا لطهران"، لأن ديناميات المنطقة قد تسمح مستقبلا بإعادة إحياء شبكة الحلفاء وتعزيزها.
وبشأن الاتفاق الإطاري، يربطه خواجوئي بالبند الأول من التفاهم الإيراني-الأمريكي، قائلا إن طهران قدمت فيه تعهدا بإنهاء الأعمال العدائية، لا عن نفسها فقط، بل عن حلفائها في محور المقاومة أيضا.
لكنه يرى أن المشكلة تكمن في أن إسرائيل "تنصلت" من هذا البند، مضيفا أنه إذا أصرت تل أبيب على مواصلة التصعيد والعمليات العسكرية، لا سيما في لبنان، "فإن هذا التعهد برمته سيغدو في مهب الريح".
من جهتها، تقول الباحثة في شؤون غرب آسيا هدى يوسفي إن وجود حزب الله في جنوب لبنان يمنح إيران إمكانية تمديد عمقها الإستراتيجي إلى حدود إسرائيل من دون توسيع حدودها الجغرافية.
وتقارن يوسفي ذلك بما تعتبره مسارا إسرائيليا معاكسا عبر بناء شبكة علاقات أمنية في الخليج من خلال ما يعرف باتفاقات أبراهام لمحاصرة طهران، قائلة إن "الطرفين يتحركان بمنطق واحد، لكن عبر مسارين مختلفين".
وتوضح للجزيرة نت أن حزب الله يضيف إلى الحسابات العسكرية الإسرائيلية كلفة المواجهة على جبهتين، إذ يصبح شمال إسرائيل، في أي توتر بين طهران وتل أبيب، عرضة للتهديد بفعل صواريخ الحزب ومسيّراته. وتضيف أن الردع هنا لا يقوم فقط على إطلاق النار، بل على "قابلية التهديد للتصديق".
أما الصحفي والمحلل السياسي رضا غبيشاوي، فيقدم مقاربة أكثر تحفظا في ربط سلاح حزب الله مباشرة بمنظومة الردع الإيرانية. ويقول للجزيرة نت إنه "لا يمكن الجزم" بأن سلاح حزب الله جزء من ردع إيران، مشيرا إلى أن طهران تعرضت لهجمات متكررة، لكن حزب الله لم يشن هجوما على إسرائيل ردا عليها.
إعلانويستشهد غبيشاوي بحرب يونيو/حزيران 2025، قائلا إنه رغم بدء أول حرب إسرائيلية على إيران واستمرارها 12 يوما، فإن حزب الله لم يدخل الحرب. غير أنه يؤكد أن حزب الله والجمهورية الإسلامية "حليفان"، وأن الحزب يحظى بدعم طهران، معتبرا أن دعم الحلفاء بعضهم بعضا أمر طبيعي.
وتتقاطع مواقف الخبراء الثلاثة عند نقطة أساسية أن إيران لا ترغب في نزع سلاح حزب الله، لكنها تفضل تأطير الملف باعتباره شأنا لبنانيا داخليا.
يقول خواجوئي إن طهران ترحب بأي مقاربة تبحث ملف السلاح إذا طُرح باعتباره شأنا داخليا لبنانيا، يعالج ضمن أطر الميثاق الوطني وعبر حوار عابر للطوائف والقوى السياسية.
ويرى أن إدراج الملف ضمن "الإستراتيجية الدفاعية الوطنية"، وهي الفكرة التي طرحها الرئيس اللبناني الأسبق ميشال سليمان عام 2008، يعد مسارا يلقى تأييدا من حزب الله وإيران على حد سواء.
لكن خواجوئي يشدد على أن الضغوط الأمريكية والإسرائيلية الأحادية عطلت هذه المسارات، وحالت دون إدراج الملف ضمن آليات الحوار الداخلي اللبناني.
أما يوسفي، فتقول إن إيران، من الجهة الإستراتيجية، "لا ترى أي سيناريو لنزع سلاح حزب الله خيارا مطلوبا"، لكنها في خطابها الدبلوماسي تقدم المسألة باعتبارها ملفا لبنانيا داخليا. وتضيف أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان لا يكفي وحده لتغيير الحساب الإيراني، لأن "انعدام الثقة البنيوي" تجاه إسرائيل سيظل قائما.
بدوره، يرى غبيشاوي أن إيران يمكن أن تقبل بحوار داخلي لبناني حول سلاح حزب الله، بشرط أن يتم ذلك بموافقة الحزب نفسه. ويستحضر تجربة الحوار الوطني اللبناني عام 2006 برئاسة نبيه بري، حين كان سلاح حزب الله أحد أبرز محاوره.
لكنه يؤكد أن حزب الله أعلن مرارا أن سلاحه "خط أحمر"، وأنه لن يقبل بنزع كامل لسلاحه، وإن كان قد يناقش "كيفية" السلاح ومناطق انتشاره والتعاون في هذا الإطار. ويخلص إلى أن ما لم تستطع إسرائيل تحقيقه في الحرب العسكرية "لن يقدمه حزب الله على طاولة الحوار".
ووفق المداخلات الثلاث، لا تبدو خيارات طهران محصورة في التصعيد أو القبول، حيث يرى خواجوئي أن طهران لا تملك هامش مناورة واسعا للتدخل المباشر في الحرب على لبنان، خصوصا أن الضربات الإيرانية المباشرة ضد إسرائيل لم تنتج، وفق رأيه، توازن الردع المطلوب.
ويرى أن الإستراتيجية الإيرانية تقوم أساسا على الضغط على واشنطن، باعتبارها الطرف الوحيد القادر على التأثير في إسرائيل، مشيرا إلى أدوات ضغط محتملة مثل مضيق هرمز، والقواعد الأمريكية في المنطقة، وعرقلة مسارات المفاوضات النهائية. ويصف التكتيك الإيراني بأنه قائم، بالتناغم مع حزب الله، على "شراء الوقت" وفرض "حرب استنزاف" طويلة الأمد.
أما يوسفي فترجح أن تستخدم إيران مزيجا من المسارات، يتقدمها "الصبر الإستراتيجي"، إلى جانب ترك حزب الله يدير المواجهة ضمن الداخل اللبناني، واستخدام الضغط السياسي عبر الحلفاء لإبطاء أي عملية لنزع السلاح من داخل المؤسسات اللبنانية.
وتستبعد يوسفي التصعيد الإيراني المباشر في المدى القصير، بسبب ما تصفه بضعف حزب الله البنيوي الراهن، والضغوط الاقتصادية الداخلية في إيران، وحساسية الملف النووي.
أما غبيشاوي، فيرى أن موقف طهران من حزب الله يمر عبر موقف الحزب نفسه، وأن أي قرار يتخذه سيكون موضع احترام وقبول لدى الجمهورية الإسلامية. لكنه يؤكد أن طهران ستستخدم كل أدواتها السياسية والعسكرية لدعم موقف حزب الله. وإذا رفض الحزب نزع السلاح، وهو ما يتوقعه غبيشاوي، فإن طهران ستكون داعمة له.
حتى الآن، لا توجد صيغة رسمية إيرانية مفصلة تعلن ما إذا كانت طهران تُعد الاتفاق التفافا مباشرا على تفاهمها مع واشنطن. لكنّ المداخلات الثلاث التي حصلت عليها الجزيرة نت تظهر تباينا داخل القراءة الإيرانية غير الرسمية، حيث يضع خواجوئي الاتفاق في سياق تراجع ركائز الردع الإيراني ومحاولة تحصين "محور المقاومة".
إعلانوتنظر يوسفي إليه كمسار قد يمنح حزب الله تنفسا قصير الأمد لكنه يهدد وظيفته الإستراتيجية، بينما يتحفظ غبيشاوي على اعتبار سلاح الحزب جزءا مباشرا من ردع إيران، لكنه يؤكد أن طهران ستدعم موقف حزب الله إذا رفض نزع السلاح.
وبينما تقول واشنطن إن الاتفاق يهدف إلى تثبيت سلطة الدولة اللبنانية وخفض التصعيد، وتقول إسرائيل إن الانسحاب مرتبط بنزع السلاح، يتمسك حزب الله بأن أي انسحاب إسرائيلي يجب أن يكون غير مشروط، وأن ملف السلاح لا يمكن أن يُفرَض من الخارج.
المصدر: الجزيرةشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylink